الأخوة .. اللبنة الرئيسية للدولة الإسلامية

الرئيسية » بصائر تربوية » الأخوة .. اللبنة الرئيسية للدولة الإسلامية
alt

(التجرُّد من الهوى شيمتها، وحدة الصفوف قوَّتها، الثقة المتبادلة درعها للتَّصدِّي لسهام المغرضين، إنَّها الرُّوح التي تبث فيمن يتشبث بها روح النَّصر والنَّجاح، فلا تفوَّقَ في غيابها، ولا انتصارَ إذا اختفى وجودها)...

 

تلك هي (الأخوة).. زمرة القلب الواحد، التي تتآلف بها القلوب، وكانت اللبنة الرئيسة لبناء الدولة الإسلامية، حيث كانت أوّل ما صنعه النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بعد الهجرة بعد أن بنى المسجد، فقام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فلا فريق ينجح دون التَّرابط، ولا دولة تنجح دون تقوية جبهتها الدَّاخلية ورصِّ صفوفها.

 

فالأخوَّة أوّل المفاهيم التَّربوية التي يجب أن تتأصل في قلب كلِّ داعية ومدعو، فهي تضفي على الجميع مشاعر الحب والعطف واللين وسلامة الصَّدر، وتتأصَّل بها قيم التكافل والتفاهم، وتجعل الجميع على قلب واحد، وبنيان مرصوص يشدُّ بعضُه بعضاً.
معجزة لا تصنعها إلاَّ العقيدة

 

أن تجمعَ القلوبَ على فؤادٍ واحد، وأن تجعل لها هدفاً واحداً سامياً تُبذل له النَّفس والمال، فلا عجبَ أن يعتبر هذا الأمر (معجزة)، لأنَّ المعجزة هي الأمر الخارق للعادة، وتحقيق الأخوة ومعانيها وأهدافها هو أمر خارق للعادة، ولذلك يجب تأصيل هذا المعنى ومعرفة أهمية وقيمته للدَّاعية والمدعو، ففي تفسيره لقوله تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}  ( الأنفال:63 ).

 

يقول صاحب تفسير(( في ظلال القرآن)): ( لقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلاَّ الله، والتي لا تصنعها إلاَّ هذه العقيدة، فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشموس، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية، الذّلول بعضها مع بعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ، والذي تتمثل فيه حياة الجنَّة وسمتها البارزة، أو يمهد لحياة الجنة سمتها البارزة).

 

وحدة الغاية
تختلف الآراء وتتنوع الأفكار، ويعجب كلُّ ذي رأي برأيه، فكما يؤكِّد علماء التنمية البشرية دائماً على أنَّ الاختلاف والتنوع أمر محمود، وإذا تشابه شخصان في الأفكار والمفاهيم والتحركات وكل شيء، فلابدَّ من إلغاء أحدهما، ولذلك فإنَّ التنوع أمر مطلوب، ولا يجب أن تؤسّس تلك الاختلافات والتنوعات لخلاف تتبعه تأثيرات على قيم ومبادئ وأسس الأخوة، لأنَّ أهمَّ ما يجمعها رغم اختلاف الأفكار فهمي وحدة الغاية، فالعمل لله، ولا يصح التخلي عن تلك الغاية لخلاف في الرأي، ولذلك يجب على الفرد حماية قيمة الأخوة، وإدراك أهميتها حتى لا تكون عرضة للنقصان بسبب خلاف، ويعلم أنَّ الأخوة بمثابة عمق استراتيجي للفرد تحميه وتثبته في الكثير من الأوقات، كما يجب على الفرد داعية أو مدعو إلى تعلم فقه الخلاف، فرأي صواب يحتمل  الخطأ ورأي غير خطأ يحتمل الصَّواب، وأيضاً قولَ الإمام الشَّافعي رضي الله عنه: (( ما جادلتُ أحدًا إلاَّ تمنَّيتُ أن يُظهر الله الحقَّ على لسانه دوني)).

 

فإذا تأصَّلت تلك القيم يعذر كلٌّ منَّا الآخر، كما يحسن كلٌّ منَّا الظن بالآخر، وتتسع الصدور للنَّقد، وتسود لغة الحوار بين الإخوة، ويراعي الجميع أدبَ الحديث والفوارق العمرية والاجتماعية، وتلك هي القيمة السَّامية للأخوَّة.

 

الزمرة الفائزة
والأخوَّة هي الميثاق الذي لو تحقَّق لكان سبيلاً للنَّجاة يوم القيامة، قال الله تعالى : {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف:67).
ولذلك فإنَّه إذا كان السّباق في الأعمال الإيمانية سبيلاً لدخول الجنة، فإنَّه في الحب الأخوي وروابط الإخاء والمحبَّة في صفوف الدّعاة والمدعوين، فإنَّهم أيضاً يدخلون ضمن الزُّمرة الفائزة، لأنَّ الأخوَّةَ طاعةٌ تجلب الصَّفاء وتأخذ بمن حقَّقوها إلى زمرة فائزة، ويقول الرَّاشد في كتابه ((العوائق)) عن الإخوة أنَّها ( تنطلق من الإيمان بالله  وبقواعده تسترشد، وإليه تعود، وليست هي استكانة خاضع راهب، ولا تملق طامع مصلحي راغب.. إنَّها طاعة إسلامية مميزة، ليست ككل طاعة، يعتبرها الدُّعاة ركناً في إيمانهم، لا كمال له بدونها، ويعتريهم النقص بفقدانها).

 

وليست الأخوَّة تقود إلى النَّجاة فقط يومَ القيامة، ولكن لها تأثيرها الكبير في الدُّنيا إذا تحقَّقت داخل أفراد الدَّعوة الواحدة؛ حيث إنَّها تؤثر في أصحاب الدَّعوات تأثيراً كبيراً وتكون دافعاً لهم؛ حيث إنَّها إذا تأصلت حقيقة فتعطي روحاً للفريق الواحد وللمجموعة الوحدة، فأكثر مجموعة ناجحة هي أكثر مجموعة ارتبط ارتباطاً حقيقياً بعضها بعضاً، فتجد كل فرد منهم يبذل كلَّ ما في وسعه لإنجاح المنظومة ولا يألوا جهداً، وتجد الفريق على قلب رجل واحد، يتلاشون النوازع الشخصية والخلافات والضَّغائن، وتجدهم يشتركون في سلامة الصَّدر، وتجدهم يتجرَّدون لله، فالقائد قائد والجندي جندي، ولا وشايات وأكاذيب وبحث عن مناصب، ولا مؤامرات واختلافات لإفشال العمل، ولكنَّهم بينان مرصوص يصعب اختراقه، ويسعى للنجاح ويصل إليه بفضل روابط الأخوة التي تجمعهم.

 

والمتتبع لتاريخ الدَّعوات منذ جاءت رسالة محَّمد صلَّى الله عليه وسلَّم تجد أنَّهم ما انتصروا إلاَّ بتأصيل تلك الصِّفة فيهم، ولذلك كانت المهمَّة الأولى للرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بعد هجرته ووصوله المدينة هي المؤاخاة التي أسَّسها بين المهاجرين والأنصار، والتي كانت دافعًا للنَّصر فيما بعد، وإقامة دول الإسلام، لأنَّه مَن استطاع أن يمحو الضَّغائن في نفسه، ويسمو عن الصَّغائر، ويبني بنيانًا قويًّا وجبهة داخلية قوية، فإنَّه يكتب لنفسه النَّصر، وهو ما حدث مع الصَّحابة في بداية الدَّعوة، كما أنَّ العاملين في الصَّف الإسلامي على مرّ التَّاريخ، فإنَّهم ما استطاعوا مواجهة المحن وتحويلها إلى منح إلاَّ بالإيمان الرَّاسخ وروح الأخوَّة التي جمعتهم، وتضحياتهم التي سجلوها على مرِّ التَّاريخ لنصر هذه الأمَّة، فهي انتصارٌ في الدُّنيا ونجاة يوم القيامة ودخول للجنَّة.

المجموع
0
مشاركة
فيسبوك
تويتر
جوجل+

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

هل تريد أن تكون سعيداً؟!

السعادة هي حق ومطلب شرعي لكل إنسان.هي غايتنا ومقصدنا وكل ما نسعى للوصول إليها. نبذل …