توريث العمل .. ضرورةٌ دعوية

الرئيسية » خواطر تربوية » توريث العمل .. ضرورةٌ دعوية
alt

(الميراث) .. مفردة يتبادرُ إلى الأذهان عند سماعها المعنى الشرعي لها؛ وهو ما يتركه المتوفى لورثته من مال أو متاع أو عقارات أو غيرها، ولا شك أنّها تدلّ على ذلك، لكنَّها لا تنحصر في دائرتها، بل  تعمّ الكلمة في معناها اللغوي الأمور المادية والمعنوية.

وقد وردت هذه المفردة في كتاب الله بمعانٍ عديدة؛ منها وراثة النبوة والعلم، قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}. (فاطر:32). وقال سبحانه: {ويرث من آل يعقوب} (مريم:6)، فإنَّه يعني وراثة النبوة والعلم، والفضيلة دون المال، فالمال لا قدر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه، بل قلما يقتنون المال ويملكونه.

ويقال لمن خوَّل شيئا مهنئا: أورث، قال تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها}.(الزخرف: 72)، {أولئك هم الوارثون*الذين يرثون}، (المؤمنون:10 – 11).
ويقال: ورثت علماً من فلان. أي: استفدت منه، قال تعالى: {ورثوا الكتاب}، (الأعراف: 169)، {أورثوا الكتاب من بعدهم}، (الشورى:14)، {يرثها عبادي الصالحون}، (الأنبياء:105).
توريث العلم والعمل الصَّالح والأخلاق والصدقات الجارية والأمانة، هو دَيْدَنُ الأنبياء والرّسل
وللنَّاس في هذه الحياة الدنيا مذاهب شتى في التعامل مع الميراث بمعناه العام والخاص، فمنهم من يسعى إلى توريث الحكم والمناصب والوزارة، ومنهم من يسعى إلى توريث الجاه والسلطان والزعامة، ومنهم من يعمل على توريث الأموال المنقولة وغير المنقولة، ومنهم من يورّث أبناءه وأحفاده حرفة وصنعة العائلة، ومنهم من يسعى إلى توريث العلم والعمل الصَّالح والأخلاق والصدقات الجارية والأمانة، وهو دَيْدَنُ الأنبياء والرّسل كما ورد على لسان خاتمهم عليه الصَّلاة والسَّلام : ((وأّنَّ العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم)). (صحيح البخاري).

ولعلَّ الحاجة التي تجمع العاملين على التوريث كلّهم هي بقاء الذكر والاستمرار في حفظ المكاسب والصَّيرورة وعدم الانقطاع في أداء المهام والواجبات، ويؤكّد هذا المنحى قول نبي الله زكرياً في دعوة ربّه سبحانه بأن يهب له وليّاً ... {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}. (مريم:5-6).

إنَّ أشرف وأحسن ما يسعى إليه في التوريث هو الدّعوة إلى الله سبحانه والفكر والعلم والعمل لهذا الدين العظيم في مختلف المجالات والتخصصات، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. (فصلت:33). وذلك أنَّ العلماء كلَّ عام يرحلون عن دنيانا ويتركون فراغاً هائلاً في مجالات تخصصاتهم، يصعب على جيل اليوم أن يقوموا مقامهم..
إنَّ أشرف وأحسن ما يسعى إليه في التوريث هو الدّعوة إلى الله سبحانه والفكر والعلم والعمل لهذا الدين العظيم في مختلف المجالات والتخصصات
فكم من عالم جليل افتقدناه.. وكم  من داعية كريم رحل.. وكم من متخصّص فذّ في الفكر والاقتصاد والسياسة والاجتماع انتقل إلى رحمة الله.. وكم.. وكم..  رحلوا.. ولازلت الأمّة تبحث عن بديل يسدّ الثغرة التي تركوها.

إنَّ على الهيئات المتخصصة والمؤسسات التربوية والتعليمية دوراً ومسؤولية في تحقيق الورثة من جيل اليوم لأولئك الرّجال، ولا تقتصر عليهم، بل تكمن المسؤولية أيضاً في كثير من الأحيان في حرص أفراد الأمّة على إحياء دور القدوة الحسنة والمثل الصالح في تحقيق الميراث ميراث أولئك الرّجال.

فكم من عالم أو داعية انتقل إلى رحمة الله، وترك وراءه كنوزاً ثمينة من العلم والمعرفة والكتب، فلم يجد وريثاً لها، ووجد من يتصارعون على إرث المال والعقار؛ إنَّه ليدمي القلب أن يتكالب النَّاس اليوم على  الميراث المادي وينسون ميراث العلم والأخلاق والدّعوة والفكر.

هي صرخة لقادة العمل الإسلامي .. أن اعملوا على توريث العمل، فقد يتعطّل العمل أو يضعف أو يفتر لغياب فلان أو رحيل فلان.

هو نداء من القلب إلى كلِّ أب غيور وأم حريصة.. أن عوّدوا أبناءكم على تحمّل المسؤولية، وكلوا إليهم تحمّل الأعباء.

هي دعوة صادقة لأصحاب المؤسسات التربوية والتعليمية وأئمّة المساجد والدّعاة إلى الله.. أن ربّوا جيل اليوم على القيادة، واحرصوا على تعليمهم فنونها، ووفرّوا لهم البيئة الصَّالحة التي تحتضن مواهبهم، وتصقل نفوسهم، وتنمّي قدراتهم وأفكارهم وإبداعاتهم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

أصلح قلبك تتحرر قدسك

المتأمل في بقعة المحشر لأهل #الضفة (معبر قلنديا) وهو أحد المعابر المقيتة لمدينة #القدس والذي …