حافظ على سلاحك ..

الرئيسية » خواطر تربوية » حافظ على سلاحك ..
alt

لا يمكن أن يكون هناك انفصام بين العبادات التي يؤديها المسلم سواء كانت بإرادته ورضاه وقناعة منه أو كانت بغير إرادة أو رضى أو قناعة منه، وبين سلوكه مع غيره من البشر، فالله تعالى إنّما يهذبنا بتلك العبادات ويزكي نفوسنا بها كي تنعكس أمناً وأماناً على بقية خلقه، ولتكون أجمل لباس يلبسه عبده التقي الطائع.. فلا يقبل أن يلوث ذلك الثوب الزاهي بالمعاصي والذنوب والآثام..
إنّ هذا الحديث يخوفنا من فقد السلاح الأمضى الذي به نحوز النصر والتمكين وتحقيق الأهداف والغايات.. إنه سلاح الدعاء
إنّ الغاية في ديننا لا تبرر الوسيلة مهما سمت وجلّت تلك الغاية، حتى وإن كانت تحرير المقدسات ومقارعة الدخلاء لتطهير الأرض من دنسهم.. فالجهاد في سبيل الله لا يقوم به إلا الأتقياء الأنقياء الأصفياء الذين يتورعون عن المأكل الحرام والمشرب الحرام، وهل أُتي الكثير من أولئك الذين نصّبوا أنفسهم ثوّاراً ومناضلين إلا من خلال ضعفهم أمام إغراء مال حرام أو منصب زائل أو شهوة عابرة..

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، ثمَّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك)).
رواه الإمام مسلم في صحيحه.

إنّ هذا الحديث يخوفنا من فقد السلاح الأمضى الذي به نحوز النصر والتمكين وتحقيق الأهداف والغايات..

إنه سلاح الدعاء الذي لو فقدناه فقدنا كل شيء وانكشف ظهرنا وفقدنا الركن الركين الذي بدونه لا ينفع معه إعداد أو جهاد أو عتاد..

أنّى يستجاب.. جواب قاطع ينبئ باستحالة الاستجابة حتى وإن كان يطيل السفر مجاهداً أو متاجراً أو غير ذلك. وإن كان أشعث أغبر يثير شفقة الناس وحتى إن مد كلتا يديه طويلاً ونادى يا رب يا رب.. فالله طيب ولا يقبل إلا طيباً ولا يخدع – سبحانه – بالمظاهر الكاذبة فهو يعلم السرّ وأخفى.

وهل عجب ألا يستجاب دعاء الكثيرين من أبناء هذه الأمة المنكوبة وقد تلوّث مطعمهم ومشربهم بصنوف المعاملات الماليّة المحرّمة من ربا ورشى وأكل أموال الغير بغير الحق واغتصابٍ لحقّ الورثة والتخوّض في أموال الغير وأكل المال العام دون النظر لعواقب ذلك وأثره البالغ في الحرمان من إجابة الدعاء..

وما يؤسف له أنّ الأصوات في منابرنا الإعلاميّة ومجالسنا ومنتدياتنا تعلو بالتأفف والتذمر من الأقدار والسخرية من أتباع الرحمن والتمرّد على الواحد الديّان دون أن يتنبّه أولئك الذين يصرخون "أنّى هذا" بأنّه " من عند أنفسكم".
لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أم حرام ؟
ولنا هنا وقفات مع أطباء اختصاصيين بتلك العلل الخفيّة التي ابتلينا بها من فرط جهلنا وقلّة فهمنا لكلام حبيبنا صلى الله عليه وسلم.. فهذا أبي عبد الله النباجي الزاهد رحمه الله يقول: (خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة الله عز وجل، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل، وذلك أنك إذا عرفت الله عز وجل ولم تعرف الحق لم تنتفع، وإن عرفت الحق ولم تعرف الله لم تنتفع، وإن عرفت الله وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع، وان عرفت الله وعرفت الحق وأخلصت العمل ولم يكن على السنة لم تنتفع، وإن تمت الأربع ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع ).

وهذا وهيب بن الورد يحذرك وينبهك بأنك ( لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أم حرام). ويجزم ميمون بن مهران بأنه (لا يكون الرجل تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه وحتى يعلم من أين ملبسه، ومطعمه، ومشربه). ويختصرها لك حذيفة المرعشي بقوله: ( جماع الخير في حرفين: حل الكسرة، وإخلاص العمل لله).
قال يحيى بن معاذ: (الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء، وأسنانه لقم الحلال)
وهو ما يجعله سفيان الثوري أبلغ رد على سؤال رجل عن فضل الصف الأول بقوله: (انظر كسرتك التي تأكلها من أين تأكلها؟ وقم في الصف الأخير!!، وكأنه رحمه الله رأى من الرجل استهانة بهذا الأمر، فأحب أن ينبهه إليه؟ لأنه أهم ممّا سأل عنه).

واشترك معه في هذا الفهم والوعي يوسف بن أسباط بقوله: ( إذا تعبد الشاب يقول إبليس: انظروا من أين مطعمه؟ فإن كان مطعمه مطعم سوء قال: دعوه لا تشتغلوا به، دعوه يجتهد وينصب، فقد كفاكم نفسه).  وكذاك الزاهد إبراهيم بن أدهم القائل: (ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه).

قال سهل بن عبد الله: ( من نظر في مطعمه دخل عليه الزهد من غير دعوى).

وقال يحيى بن معاذ: (الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء، وأسنانه لقم الحلال). وقال ابن المبارك: (ردّ درهم من شبهة أحب إليّ من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف)!!

لقد كانوا رحمة الله عليهم يؤكدون على هذا المعنى كثيرا حتى أن الفضيل رحمه الله لما أراد أن يعرِّف أهل السنّة قال: (أهل السنّة من عرف ما يدخل بطنه من حلال).

فاللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمّن سواك. وصلى الله وسلم وعلى نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

زمان الوهن الأكبر!

روى أبو داود وأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يوشك الأمم أن …