الهداية الرَّبانية … بشرى المؤمنين (1-2)

الرئيسية » بصائر تربوية » الهداية الرَّبانية … بشرى المؤمنين (1-2)
alt

{اهدنا الصراط المستقيم} ... دعاء وطلب يردِّده المسلم كلَّ يوم، وفي أجلّ عبادة تصل العبد بربّه وهو قائم بين يديه سبحانه يؤدّي صلاته.. ما أعظمها من نعمة يفتح بها الله على عبده أبواب الخير ويغلق عنه أبواب الشر، ويحبِّب إليه الطّاعات ويصرف عنه المعاصي والسيئات، ويلهمه بها رشده ويزيل حيرته ويسد عجزه ويشرح صدره، فإذا بالنفس مطمئنة واثقة، وإذا بالقلب سليماً معافى، وإذا بالجوارح مسيّرة لرضوانه سبحانه، وإذا بالخَلق والكَـون مسخرين لعبده السَّاعي للحق المبين والصَّواب المستبين..إنَّها نعمة الهداية الربانية يصطفي الله لها من يشاء من عباده.

قيل: إنَّه لما علم رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ما كان من عمر بن الخطاب رضي الله عنه- قبل إسلامه حين كان يأكل الصنم المصنوع من التمر-فقال له: ((ألم تكن لكم عقول يا عمر؟، فقال: كانت لنا عقول يا رسول الله، ولم تكن لنا هداية)). وقال تعالى:{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ}.(الأنعام:125)

معنى الهدايــة

الهداية في قواميس اللغة العربية تعني الدِّلالة على الطريق الموصل للغاية سواء أكان طريقاً حسياً أو معنوياً. وقيل: إنَّها ميل الفعل إلى الغاية.
وغاية المؤمن هي معرفة الحق والوصول إليه وإيثاره عن غيره،. فحين تصبح أحوال القلوب وأقوال اللسان وأعمال الجوارح موافقة للحق، تُنال الهداية الربانية بإذنه سبحانه.
ما أعظمها من نعمة يفتح بها الله على عبده أبواب الخير ويغلق عنه أبواب الشر، ويحبِّب إليه الطّاعات ويصرف عنه المعاصي والسيئات
مراتب الهداية

ذكر ابن القيم في كتابه ((مفتاح دار السعادة)) أنَّ الهداية على أربعة مراتب؛ وهي مذكورة في القرآن:

المرتبة الأولى: الهداية العامة

الهداية عامة لجميع المخلوقات، الإنسان والحيوان والطير والدواب. فسبحان من هدى النحل لتتخذ من الجبال بيوتا، ومن هدى النملة لسبل معيشتها. إنه الله الذي هدى كل نفس إلى ما يصلح شأنها ومعاشها، وفطرها على جلب النافع، ودفع الضار عنها.قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى،وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}. {الأعلى:1-3} وفيها ذَكَرَ الله أربعة أمور عامَّة وهي: الخلق، والتسوِيَة، والتقدير، والهداية، وجعَلَ التسوِيَة من تَمام الخلق، والهداية من تَمام التقدير، وبذلك تَكُون التسوِيَة والهداية كمالَيْن للخلق والتقدير. وكما ذكر في القرآن الحكيم حين سأل فرعون: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}(طه:49-50).وهذه المرتبة أسبق مراتب الهداية وأعمها.

المرتبة الثانية: هداية البيان والدلالة

وهي تبيين الحق وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه، والله لا يحول بين أحدٍ من خلقه وبين هذه الهداية، بل يخلى بينها وبينهم ويمنحهم ما يساعدهم على إدراكها، فرزقهم العقل وأنشأهم على الفطرة وسخر لهم الآيات وأرسل لهم الرسل. وبذلك تكون هذه المرتبة حجة منه سبحانه على عباده، ولكنها لا تستلزم الهداية الربانية وحصول التوفيق. قال تعالى:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى}(السجدة:17) فمعناها هنا بصَّرناهم وبيّنا لهم وعرفناهم، فآثروا الضلالة والعمى وهذه المرتبة أخص من الأولى وأعم من الثالثة.

المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام
الاستهداء طلب الهداية بصدق وبرغبة حقيقية قولاً وفعلاً، وحرصاً للوصول إلى جادة الصَّواب والحق.
وهي هداية خاصة يختص الله بها من يشاء وتكون بحسب إيمان كل مؤمن. قال الله تعالى:{وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (يونس:25).فعمَّ بالدَّعوة خلقه، وخص بالهداية من شاء منهم. قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء } (القصص: 56)، مع قوله :{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. (الشورى:52). فاثبت هداية الدَّعوة والبيان عن طريق نبيّه صلّى الله عليه وسلم ونفي هداية التوفيق والإلهام الخاصة به سبحانه. قال تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}. (مريم:76)، فالهداية الثانية هي الهداية الربانية الموجبة للاهتداء.

المرتبة الرابعة: الهداية إلى الجنَّة والنَّار

وهي الهداية يوم القيامة إمَّا إلى طريق الجنَّة وإمَّا إلى طريق النار. فمن هُدي في هذه الدنيا إلى منهج الله المستقيم الذي جعله لهم وثبت عليه، هدي يوم القيامة إلى جنته سبحانه، قال تعالى: {... وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ* وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ* وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} (محمد: 4-6). وقال تعالى:{احْشُرُواالَّذِينَظَلَمُواوَأَزْوَاجَهُمْوَمَاكَانُوايَعْبُدُونَ *مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} (الصافات: 22-23).

الاستهداء يورث الهداية

يقول الله في الحديث القدسي: ((كلكم ضال إلاَّ من هديته، فاستهدوني أهدكم ....)). فالاستهداء طلب الهداية بصدق وبرغبة حقيقية قولاً وفعلاً، وحرصاً للوصول إلى جادة الصَّواب والحق.

شروط الهداية الربانية:

• تحرير عقائدي مطلق مع ارتقاء إيماني دائم: وهذا ما نجده في سورة الفاتحة مما يسبق قوله تعالى:{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} فكان البدء بمعرفة المعبود الحق وأسمائه وصفاته العليا بداية طريق الاستهداء ثمَّ التحرّر المطلق من كل عبودية، والتجرد لله في توحيده الخالص ألوهياً وربوبياً، مصحوبا بحمده سبحانه والثناء عليه ثناءً يليق بجلاله وعظيم سلطانه {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ*مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. ثمَّ عبادته عبادة العبد الفقير العارف لله القاصد لمعونته وحوله وقوته المتقرب له بالفرائض والنوافل المتبع لمنهجه {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. فينتقل العبد في درجات العبودية من إسلام بأركانه الخمسة إلى إيمان فإحسان.
إنَّها نِعم البشرى لمن فرّغوا قلوبهم وأنفسهم وحياتهم لتحقيق العبودية الكاملة لله سبحانه، فسعوا وبذلوا وضحوا واجتهدوا
• رباط أخوي قائم: وهذا ما نجده في قوله تعالى {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}فمعهم يتوثق العهد مع الله ويتشبث المؤمن على صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ففيه حب في الله وبغض فيه يقتضي منا بذلاَ وعطاءً وخلقا حسن، وفيه نصيحة وشورى تستلزم منا علما وحكمة، وفيه طاعة في معروف مبني على فهم تقتضي منا تضحية وتذليل للعقبات.

• جهاد أبدي شامل: قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69). فالجهاد مراتبه كثيرة، فجهاد النفس ينبني عليه صلاح الفرد، وجهاد الدَّعوة يُفضي إلى صلاح المجتمع، وجهاد الاستخلاف يفضي إلى تحرير وتطهير من شوائب الجاهلية وإلى نهضة وتمكين تورث حضارة إسلامية قوية وجيل واعٍ في المجالات المختلفة.

إنَّها نِعم البشرى لمن فرّغوا قلوبهم وأنفسهم وحياتهم لتحقيق العبودية الكاملة لله سبحانه، فسعوا وبذلوا وضحوا واجتهدوا. فنالوا شرف الهداية الربانية، فما ساروا مسيرة ولا قطعوا شوطا في حياتهم إلا وكانت معية الله وتوفيقه وتأييده معهم، فأصبحوا للأمة "قادة" وللبشرية "رسلاً" بإذن الله. فهل نسير على دربهم؟!

المجموع
0
مشاركة
فيسبوك
تويتر
جوجل+

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

لنعلم أبناءنا الإيجابية

إن أبناءنا أمانة في أعناقنا نسأل عنهم يوم الدين، فهل سألنا أنفسنا يوماً عن مدى …