التوظيف الدَّعوي..هل يحتاج إلى تكليف بالعمل؟

الرئيسية » بصائر تربوية » التوظيف الدَّعوي..هل يحتاج إلى تكليف بالعمل؟
alt

عندما يلتحق المرء بشركة مهنية، فإنَّه لا يعمل إلاَّ من خلال تكليف تلك المؤسسة له ببعض الأعمال، حيث يقضي فيها ساعات عمله، ثم يمضي بعد ذلك إلى بيته، ويتقاضى راتبه آخر الشهر.

هذا في عالم الوظائف الدنيوية، لكن في العمل الإسلامي ينبغي أن تكون الصورة خلاف ذلك، فحجم الجهد المطلوب من الفرد داخل الجماعة في مجالاتها المتعدّدة يختلف كثيراً عنه في الشركات والمؤسسات المهنية.

والخطأ لدى الأفراد في مفهوم التوظيف داخل العمل الدَّعوي يكمن في أنَّ أفراداً ليسوا قليلين يقصرون أداءهم الدعوي على التكليف الرسمي من الجماعة، فإذا كلف أحدهم بتحمل عمل أو مسؤولية ما تراه يعمل ويجتهد، وإن لم يكلف رسمياً قضى يومه واضعاً يده على خده، منتظرا أمراً من قبل الجماعة والمسؤولين بالتوظيف.

فكيف يمكن تصحيح هذا الخطأ انطلاقاً من قول الإمام حسن البنا "الواجبات أكثر من الأوقات"؟

أسباب إهدار الوقت

المحاضر في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية في غزة الدكتور صادق قنديل قال لـ"بصائر": "إنَّ الاهتمام بالوقت مسألة بغاية الخطورة، وتقع مسؤوليته على الشخص نفسه والإدارة بعينها، حيث كلاهما يشكلان عنصرين أساسيين في هذه القضية".

وأشار إلى أنَّ بعض الأسباب المتعلقة بإهدار الوقت من كلا الطرفين وهي أسباب ذاتية تعود على الشخص نفسه، حيث يكون الفرد لديه بعض الملل وعدم الرغبة في العمل، الأمر الذي من شأنه أن يجعله متكاسل ولا يقوى على العمل، لأنَّه لا يملك الرغبة الكافية التي تدفعه إليه، مضيفاً أنَّ بعض الأفراد تفرض عليهم ظروف حياتهم القبول بأعمال عن غير قناعة بها ممَّا يدفعهم إلى عدم الاندماجية في أوقات العمل.

وأوضح قنديل أنَّ هؤلاء الأفراد يوجد عندهم قصور في فهم مسألة ما ينبغي أن يكون عليه المسلم، منوّهاً إلى أنه يجب أن يكون قدوة لغيره من الناس، فالمسلم أينما وقع نفع، معتبراً أنَّ فهمه لقيمة نفسه هو الأساس، ومن ثمَّ سيكون جاهز لكل ما يؤمر أولاً من دينه ثمَّ من مسؤوليه، فالمسلم يستطيع أن يدعو إلى الله ليسجل أرقى الأخلاق من خلال إتقان عمله.

سوء الإدارة

وحدَّد قنديل الدائرة الأخرى التي من شأنها أن تجعل الإنسان مقيد بالتكاليف، وهي عدم عدالة الإدارة، التي تعمل على ترسيخ القناعة لدى العامل في جميع المؤسسات سواء الإسلامية أو غيرها، أنَّه لا قيمة للعمل والتميز.

وأضاف قنديل أنَّ بعض الأشخاص لا يمتلكون الإدارة الجيّدة، مشيراً إلى وجود إدارة سلطوية وتعليمية، "فلا توجد قواعد عامة تستند إليها الإدارة ، كل يوم تصدر قرارات مختلفة من مصادر مختلفة، بالتالي تتشتت قوى الموظف في هذه الدائرة وتضيع هباءً، وان كانت الإدارة نافعة فسيتم استغلال الوقت جيّداً، على حدِّ تعبيره.

الواجبات أكثر من التكاليف

ونوَّه قنديل إلى مقولة الإمام حسن البنا "رحمه الله" "الواجبات أكثر من الأوقات" موضحاً أنَّ الإمام قال ذلك في سياق دعوته، في إشارة إلى وجود فرق بين العمل في السياق الدَّعوي والسياق المؤسساتي، فعندما تحدث مع جماعته الإسلامية، وأمرهم بعدم الاستسلام للواقع والمجهول، وبذل الجهد الكافي، كان هذا لتتميز جماعته ليشار إليها بالبنان، فتصبح مرجعية استشارية.

وقال قنديل:" إنَّ العمل المؤسساتي لا يختلف كثيراً عن العمل الإسلامي في إدارة الوقت، فكل منهما لديهم أفراد وموظفون، يعملون من أجل إنجاحها، لكن يكمن السر في العمل الإسلامي أنَّ الفرد يربى منذ بدايته على احترام الجماعة التي ينتمي إليها، فلا مقابل لعمله إلاَّ الأجر والثواب، على عكس المؤسسة الإدارية التي يعمل بها لنيل الراتب في أخر الشهر".

ونصح كلا الطرفين، بقوله :" إذا أردت أن تحقق مصالحك، افرض نفسك على الواقع، ولا تفرض نفسك للتذلل لهذا المسؤول أو غيره، أو لنقل الأخبار، فلان عمل كذا وفلان قبل كذا... فكل شخص مسؤول عن نفسه، ولا داعي لمراقبة الآخرين، لأنَّ ذلك سيبدد الوقت ويهدره".

إهدار الغرب لأوقاته

وعرَّج قنديل أثناء حديثه على إهدار الغرب لأوقاتهم، وقال :" إنَّ مسألة إهدار الوقت لا نجدها فقط عند المسلمين، ولكن تكون واضحة وجلية عند غيرهم، معتبرا أن الغرب هم أكثر تضييعاً للوقت من المسلمين.

وتساءل "ما قيمة الوقت عند ذهابهم للمراقص والبارات والألعاب، وعمل العلاقات المحرّمة، أليس كل ذلك إهداراً للوقت؟.. فجميعنا مسؤولون عن أوقاتنا، وليس من اللائق اتخاذ الغرب قوة ايجابية".

آليات الإسلام في التخطيط

وتحدَّث قنديل عن آليات الإسلام في التخطيط، مؤكّداً على أنَّ جميع ما حدَّده التشريع الديني يعدُّ من أبواب المحافظة على الوقت؛ مثل العبادات التي تعد في جدول زمني يومي كالصلوات في أوقاتها، والدعاء عند الخروج من المنزل والدخول إليه، وكذلك أعمال ومناسك الحج.... وغيرها .

وأكَّد خلال حديثه على مقولة الإمام سيّد قطب "رحمه الله" عندما قال: "يجب عدم إضاعة الوقت في فرض التشريع بالقوة". مشيراً إلى أنَّ الإسلام لم ينشر بحد السيف، وأنَّ من دخل الإسلام بدون قتال ما يقارب 98% وأن من دخلوه بالسيف ما يقارب 2% ، منوها إلى أن فرض الشيء بالقوة يعطي نتائج أقل.

الإبداع أصل الإسلام

ومن جانب أخر قال الدكتور زياد مقداد أستاذ الفقه في الجامعة الإسلامية بغزة :" إنَّ الأصل في المسلم العامل عامة وفي الجماعات الإسلامية على وجه الخصوص أن يكون جلّ اهتمامه في تنظيم وقته، ومحاولة استثماره، وأن لا يكون استخدامه للوقت عندما يكلف فقط بأمور من قبل مسؤوليه، مبيّنا أنَّ الأصل في المسلم هو الإبداع، والمبادرة في كل الأوقات".

وشدَّد على أنَّ الوقت يعدُّ أمانة، ويجب أن يستشعر الفرد داخل العمل الإسلامي بذلك، وأنَّ تربية القادة لأفرادها هي أمانة، وعندها كل شخص منهم سيشعر بقيمة ما ينجز، وسيكون هناك دافع قوي لترتيب الوقت وتجزئته بحسب المسؤوليات الملقاة على كل شخص.

ودعا مقداد إلى المسارعة في عملية الإنجاز، لأنَّ العمر يمضي ويقطعه الوقت سريعاً، وإن لم يقم الإنسان باستغلال وقته بكل ما هو خير للأمَّة جمعاء، سيضيع عمره وكأنَّه لم يخلق على هذه الأرض، منوَّها إلى أنَّ الله عزَّ وجل لم يخلقنا عبثاً.

تنظيم الوقت مصدرا للتحضر

وأضاف مقداد أنَّ تنظيم الوقت يعدُّ مصدراً مهمّاً للتحضر والرقي، وأننا إذا نظرنا إلى الغرب نظرة سريعة نجدهم يسعون جاهدين لاغتنام الوقت باكتشاف العلوم والقيام ببعض التجارب، حتى يعوضوا ما افتقدوه من الروحانية التي وهبنا الله إيَّاها نحن المسلمين من خلال عباداتنا التي هي جزء من أوقاتنا، فحريٌّ بنا أن نكون من خلال ديننا أكثر حضارةً وتقدّماً، على حدِّ تعبيره.

لا إفراط ولا تفريط

وأوضح مقداد أنَّ مسألة الاهتمام بالأوقات يجب أن تكون متوازنة، ولا تكون على حساب الشخص والآخرين فلا إفراط ولا تفريط، لقول رسولنا الكريم :  ((لا ضرر ولا ضرار)).  "لذلك نجد أن بعض المتشددين في الجماعات الإسلامية يهملون أولادهم وزوجاتهم، من أجل القيام بواجبهم التنظيمي.

وذكر أنه يجب على كلِّ فرد إعطاء كلّ ذي حق حقه، والبدء بإصلاح نفسه أولا، لأنه بذلك سينطلق إلى الآخرين ، بخطوات واثقة، فيجدوا منه إنساناً صالحاً، وبالتالي سينهلون ويتعلمون منه كيف يراعي نفسه ويراعيهم.

ولفت إلى وجود عدد كبير من القادة والمسؤولين فسدت أبناؤهم لأنَّهم لم يراعوهم وأهملوهم واهتموا بعملهم على حسابهم، مشيراً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "إنَّ لأهلك عليك حقاً".

الوقت حياة

وفي السياق ذاته، أكَّد النائب في المجلس التشريعي، والحاصل على الدكتوراه في الحديث الشريف وعلومه، الدكتور سالم سلامة على أنَّ الحفاظ على الوقت كالحفاظ على الدين، مبيّناً أنَّ الوقت عند الغرب كالذهب، لكنَّه عند المسلمين حياة متسعة لها أفاقها وجوانبها.

وأضاف أنَّ رسولنا الكريم نهانا عن إهدار الوقت حيث قال صلى الله عليه وسلم :  ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله كيف اكتسبه وفيما أنفقه)).

وأشار من خلال الحديث الشريف إلى أهمية العمر الذي يمثل الوقت، وضرورة استغلال الشباب لقوتهم فيما هو خير.

الزرع السليم نتاجه سليم

ودعا القادة والمسؤولين إلى إيجاد نقاط الخلل داخل كل تنظيم، لأنَّ الناتج لن يخرج سليماً ووفيراً إلاَّ من خلال المعالجة الجيدة، فناتج كلّ عمل سليم سيكون فيه الخير والصَّلاح للأمَّة الإسلامية.

وحثّ جميع الأفراد في المجتمع إلى تحمل المسؤولية، لأنَّ المسؤولية مشتركة لكلا الأطراف سواء من أفراد التنظيم أو من قادته، فالذي يستطيع أن يضبط نفسه وسلوكه، هو جدير أن يكون القائد والمربي، مؤكّداً أنَّ عملية انتقاء الأفراد داخل الجماعة عملية مهمَّة، فلا يجوز انتقاء أيّ فرد لا يتحمل المسؤولية، على حد وصفه.

ووجه سلامة رسالة إلى كلِّ شخص على رأس عمله بأن يكون على قدر المسؤولية والانتماء، وأن يتقي الله في وقته الذي أعطاه الله إياه، ليكون قدوة حسنة لأبنائه وأفراد مجتمعه.

وتابع بالقول:" إن جاءك تكليف رسمي من قيادتك، فانهض به على أكمل الوجوه وأدق الصور بإخلاص وتفان، وإن لم تكلف بعبء رسمي فأنت أمام تكاليف ربانية شرعية قصرت كثيراً فيها فانهض وبادر، ولا تعجز، ولا تقل لم يكلفني أحد فأنت في شريعة الإسلام " مكلّف".

المجموع
0
مشاركة
فيسبوك
تويتر
جوجل+

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

10 استراتيجيات لتحول أحلامك إلى واقع

عادة ما تكون الأحلام هي الشيء الذي يدفعنا للبقاء، نعيش لأجلها وترسَخُ في أذهاننا منذ …