الاستبداد الدعوي .. الفرعون بصورة داعية

الرئيسية » بصائر تربوية » الاستبداد الدعوي .. الفرعون بصورة داعية
istibdaaad

كما أن الثورة في معانيها العميقة هي ثورة أخلاقية على معانٍ ظالمة من غياب العدالة والمساواة. فهي ثورة على الكذب والخداع والتدليس، وهي ثورة على السرقة والاحتيال، بل هي ثورة على كل فسادٍ واستبداد.

وفي الوقت نفسه، فإن الاستبداد لا يقتصر على أصحاب السلطة، بل هو حالة نفسية، قد يتلبس بها أي فردٍ من أفراد المجتمع مهما اختلفت صفته أو اختلف موقعه صغيرا أم كبيراً ذكراً أم أنثى، وقد يكون المستبد أبا أو أخا أو مديراً أو عاملاً، فالاستبداد عقلية ومنهجية عند كثير من الأفراد في مجتمعاتنا.

لكن أن يكون المستبد من الدعاة إلى الله فهذه حالة نفسية عجيبة يعيش فيها الداعية بين معاني الخير والصلاح ومعاني الشر والفساد، حتى يغلب أحد المعنيين عليه مع مرور الزمن، ولا خلاف على أن الاستبداد في حقل الدعاة له آثار سلبية على المشروع الإسلامي بل ويعطي انطباعا سيئاً عنه.

فما أسباب نشوء هذه الحالة الغريبة؟ وما مظاهره؟ وكيف السبيل لمواجهتها بحكمة ورويّة؟

أسباب الاستبداد الدعوي

أسباب الاستبداد عند الداعية أو المربي كثيرة، نذكر منها:

"من أسباب الاستبداد الدعوي ضعف الرقابة على بعض أشكال العمل الدعوي والتربوي، فيتفرد الداعية بالمكان فلا يرى إلا نفسه حتى تتضخم الأنا عنده خاصة مع طول الزمان والثبات في المكان"

  1. البيئة المحيطة بالداعية وطبيعة المجتمعات العربية التي يميل كثير من أفرادها إلى الاستبداد في شتى مناحي الحياة وخاصة فيما يتعلق بالأسرة والعشيرة.
  2. قد يكون الاستبداد ناتجاً عن حالة نفسية للداعية من كبر وغرور وإعجاب بالنفس وحب للرئاسة والتصدر، فبرأيه لا يستحق هذا المكان إلا هو فيلجأ للاستبداد للوصول لغايته.
  3. ضعف الرقابة على بعض أشكال العمل الدعوي والتربوي، فيتفرد الداعية بالمكان فلا يرى إلا نفسه حتى تتضخم الأنا عنده خاصة مع طول الزمان والثبات في المكان.
  4. إنشاء بعض الأعمال الدعوية أو التربوية ونموها أمام عينه، والشعور بالتملك لهذه الأعمال وأنه الأحق بقيادتها وإمارتها ومما يعزز نشوء هذه الحالة ضعف الإخلاص لله تعالى.
  5. وقد ينتج الاستبداد عن حالة نفسية تسعى للانتقام من أطراف أخرى منافسة له في العمل الدعوي أو أطراف ظلمته وسببت له أذى.

إن الضرر البالغ الذي يسببه التسلط الدعوي كبير خاصة في عصر الثورات والمطالبة بالحريات، فبسبب سلوك المستبد وقمعه للأفراد ينفر الكثير عن الدعاة وتضيع كثير من الأعمال الدعوية والتربوية وينتشر التقليد ويقل التجديد في وسائل الدعوة والتربية مما يؤدي إلى ضعف وهج الدعوة وضعف انتشارها، أو حتى غيابها عن بعض المجتمعات.

مظاهر الاستبداد الدعوي

"من مظاهر الاستبداد الدعوي، استغلال مفهوم الطاعة وتنفيذ الأمر، في التربية على الانقياد الأعمى، دون مناقشة أو تفكير"

وللمستبد مظاهر ووسائل يستخدمها في تسلطه على محيطه الدعوي منها ما يأتي:

1. تربية أفراده على الانقياد الأعمى لشخصه ويستغل في ذلك:

  • مفهوم الطاعة الدعوية وتنفيذ أوامره من غير حوار أو تفكير، بغض النظر عن صحتها.
  • صناعة الشخصيات الكرتونية طبق الأصل عن شخصيته حتى يقلد بعض الأفراد مشيته وجلسته وابتسامته.
  • إيهام الأفراد أنهم يعيشون في حالة إيمانية أو تربوية عالية وأن محيطهم الدعوي فاسد، بحيث يحطم كل قدوة لهم إلا ذاته.
  • تقريب بعض الأفراد له لأنهم أشد ولاءً من غيرهم.

2. اغتيال الشخصيات المنافسة أو الأفراد المشاكسين:

  • فقد يقف في طريق الداعية المستبد بعض الدعاة اليقظين فيعطلوا مشروعه الاستبدادي أو الأفراد المزعجين بالنسبة له فيلجأ لأسقاطهم أخلاقياً بكيل التهم لهم، أو إثارة الشائعات حولهم وقد يتسبب بفصلهم من البيئة الدعوية.
  • وربما يستخدم المال في شراء ذمم البعض باستغلال حاجاتهم أو إظهار الفضل عليهم.

3. إثارة الرعب والخوف في قلوب الأتباع من مخالفة أمره أو الخروج عن طاعته، بحيث يستخدم القمع اللفظي أو التهديد بالعقاب أو إقاع العقاب على المخالف.

4. التعتيم الإعلامي عن المكان أو العمل الدعوي، فلا تخرج معلومة إلا بإذنه وكيفما يريد أو يشاء، وقد يستخدم التضليل والإيهام عن حالة بعض الأفراد أو عددهم أو قدراتهم أو عن حالة العمل الحقيقية، أو يلجأ لعزل الأفراد عن محيطهم الدعوي.

5. الاستئثار بصدارة المجالس والأعمال الدعوية واستيعاب أكبر عدد منها تحت سلطته وأمره، فالمستبد شخص مركزي، يشرف على أغلب الأعمال بذاته ولا يثق بعمل غيره إلا ما ندر. ويعتبر رأيه في مسائل الشورى هو الصحيح وواجب التنفيذ، مهما طرحت من آراء مخالفة.

"الداعية المستبد، لا يحب سماع صوت إلا صوت نفسه فلا يحب النقد أو النصيحة ويعتبرها مهاجمة لشخصه فقلبه مغلق لا يمسح لأي من هذه الأمور بالتأثير عليه"

6. قطف ثمار أعمال الآخرين، ونسبة الفضل له، بحيث يعتبر نفسه صاحب الإنجاز.

7. التحايل والالتفاف على بعض الأوامر الدعوية والتعامل معها بانتقائية، واستخدام الكذب والخداع والإيهام بطاعته لهذه الأوامر.

8. المستبد لا يحب سماع صوت إلا صوت نفسه فلا يحب النقد أو النصيحة ويعتبرها مهاجمة لشخصه فقلبه مغلق لا يمسح لأي من هذه الأمور بالتأثير عليه.

علاج ووقاية:

بعد أن سردنا مظاهر الاستبداد الدعوي المختلفة، وبينا أن له خطورة بالغة على الدعوة وانتشارها، لابد من التركيز على أن من واجب الدعوة القيام بمحاربة هذه الظاهرة، ومعالجتها حال ظهورها لدى بعض الأفراد، لأن ذلك يصب في المصلحة العامة للدعوة بشكل عام. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الأمور التالية:

"يجب على الدعوة، أن تحارب فكرة تقديس القيادات وأفعالها والمبالغة في مدحها وثنائها، مع الحرص على احترامهم واعطائهم حقهم"

  1. العناية بقلوب الدعاة وخاصة فيما يتعلق بالأمراض القلبية من كبر وحب للصدارة وغرور والعناية خاصة بالإخلاص لله تعالى، قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [البينة:5].
  2. الرقابة والتفتيش: إذ له دور كبير في كشف هذه الفئة ومحاولة وأد الاستبداد في مهده.
  3. الحذر من أن يستأثر بعض الأفراد بالمكان أو العمل الدعوي لمدة طويلة جداً، بل لا بد من التغيير والتبديل.
  4. الاهتمام بالعمل الجماعي والتدريب والتأهيل لكثير من الأفراد وأن لا يستفرد بعض الدعاة ببعض الأعمال إلا لضرورة.
  5. الحرص على الاتصال المباشر بجميع أفراد الدعوة وعدم تركهم للمستبد، وإشاعة جو من الحرية والحوار والنقاش وتقديم النقد البناء للدعوة.
  6. محاربة فكرة تقديس القيادات وأفعالها والمبالغة في مدحها وثنائها، مع الحرص على احترامهم واعطائهم حقهم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

50 مهارة ناعمة تحتاجُها لتكون ناجحاً وسعيداً مدى الحياة (1-2)

ربما تتساءل كيف يمكن لبعض الأشخاص أن يكونوا سعداء طوال الوقت؟ يبدو أن #السعادة الدائمة …