تهويد الأقصى عربياً

الرئيسية » ملفات خاصة » المسجد الأقصى » تهويد الأقصى عربياً
C16-N2

تطايرت التحذيرات والتنبيهات بهجوم عاصفة ثلجية تضرب المنطقة وتحيل كل شيء إلى جليد يذهب بحرارة الأبدان، وترتجف معه الأرجل واليدان، وتصطك لشدة برودته الأسنان، ويحار المرء كيف سيواجه الفقراء والمساكين ذلك البرد القارس؟ وكيف سيحتمل لاجئوا سورية ذلك الزمهرير وسط الظلام الدامس؟ ومن سيذكر أحوال المساجين الأبرياء في سلخانات مصر وسورية والعراق؟

الحق أنها ليست أول عاصفة ولن تكون الأخيرة، غير أن الأخطر منها صقيع المشاعر وبرودتها التي تحاصرنا من كل جهة، فحصار غزة يشتد والوضع يزداد بلاءً ولا يزيد ذلك جيش السيسي إلا إجراماً وقسوة، فها هو يفتتح العام الميلادي بقتل الفتى زكي الهوبي ابن السبعة عشر ربيعاً بدم بارد، ليفجع أمه وأهله ولا يكتفي بذلك بل يسلط سفهاء الإعلام المصري ليصفوه بكل برود أنه إرهابي متسلل كان يخطط لارتكاب جرائم ضد المصريين.

صقيع المشاعر طغى على مشهد بائس نعق فيه غراب الشؤم بكلمات تمس ديننا وقرآننا وسنة نبينا، وطالب أكوام المجلببين المعممين الذين جلسوا أمامه بالخروج من الإسلام كي يبصروا حجم "التجني" على الأديان الأخرى.. ليصفقوا له ببرود وبلادة.

ثم يستفزنا أصحاب المشاعر الباردة التي لم تعبأ بسقوط مئات الآلاف من ضحايا السفاح المجرم بشار وجنوده، والآلاف من ضحايا الانقلاب الأسود على يد المجرم السيسي وجنوده، وضحايا العدوان الصهيوني والحصار الصهيوسيسي على غزة..

أصحاب المشاعر الباردة الذين كانوا في بيات وسبات طويل فلم نسمع لهم همساً والضحايا يتساقطون في القدس وضواحيها، والمسجد الأقصى يدنسه قطعان المغتصبين ليل نهار ويشحذون أظافرهم ويسنون سكاكينهم ليقتطعوه من ميراث أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

إذ بهم يطلون علينا ببرودهم المعتاد ومشاعرهم الجليدية ليقولوا لنا إن على المسلمين أن يبادروا إلى زيارة القدس والمسجد الأقصى، خاصة بعد إعلانهم أن القدس عاصمة السياحة للعام 2015. وكأن القدس والمسجد الأقصى لا ينقصهما إلا السياح العرب، يتأبطون كاميراتهم، ويتسكعون في حواري القدس العتيقة، تعلوهم أعلام بني صهيون دون أن يعبأوا بها، يمرون بالمرابطات المبعدات قسراً عن المسجد الأقصى دون أن تهتز لهم شعرة، يشهدون اقتحامات الصهاينة اليومية للمسجد الأقصى، فيطأطئون رؤوسهم الذليلة دون أن يرفع ذلك من حرارة دمائهم الباردة أو يزيل صقيع مشاعرهم تجاه مسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم.

وإن خاطبتهم وتكلمت معهم سمعت الفتاوى تنساب من أفواههم، فالأمر حلال زلال بنظرهم ولا حاجة لهم لمناقشة أي آراء مخالفة لهم، ولا عبرة لديهم أن أكثر من يتبنى تلك الفتاوى الشاذة هم كأمثال المفتي الملطخ بدماء شهداء رابعة والنهضة علي جمعة، الذي دنس المسجد الأقصى بزيارته له من تحت حراب المحتلين، وزيارة الحبيب الجفري الذي تغنى بجنود السيسي وأثنى على فعلهم ولا أعلم إلا أنهم كجنود فرعون من قبل، يقتلون المصريين رجالاً ونساءً وأطفالاً.

يؤزهم إلى فعلهم هذا محمود عباس وتابعه الهباش الذين لا نعلم عنهم تقديسهم للقدس ولا للأقصى فالتنسيق الأمني مع الصهاينة هو المقدس الوحيد لديهم حتى ولو قتل الوزير زياد أبو عين تحت نظرهم وأمام أعينهم.

لن نقع في الذي وقع به بعض العلماء إذ شغلوا أنفسهم بمناقشة زيارة إياد مدني الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي للقدس والأقصى، فالأمر أجلّ وأعظم من أن ينشغلوا بالقشور ويدعوا اللباب، فأولى الأولويات الآن إصدار الفتاوى حول جواز السكوت على ما يجري للأقصى والقدس من تهويد وتهديد، وحكم التقاعس عن تجييش الجيوش لتحريره، ودعم المقدسيين في جهادهم للحفاظ عليه.

لقد بدا جلياً أن هناك تخطيطاً صهيونياً خبيثاً يهدف إلى تبريد مشاعر المسلمين وتنفيس احتقانهم تجاه المشاهد الدامية المؤلمة التي شهدتها ساحات الأقصى، وكذلك التشكيك في مصداقية المقدسيين الذين يدافعون عن الأقصى وروايتهم بشأن الخطر المحدق به، وذلك من خلال الإيحاء بأن الأقصى متاح للمسلمين وأن احتلال اليهود للقدس لا يشكل أي تهديد للأقصى، وأنهم رمز للتعايش السلمي، وأنهم يستحقون بذلك أن يشاركوا المسلمين في اقتسام الأقصى زمانياً ومكانياً.

بدا ذلك عندما سمحوا لبعض كبار السن من غزة بالذهاب إلى المسجد الأقصى لأداء الصلاة فيه، ولا يسع المراقب إلا أن يفغر فاه دهشة وتعجباً من ذلك الفعل، فأهل غزة في حصار خانق بالكاد يستطيعون التحرك داخل قمقمهم، ولم يسبق من قبل أن سمحت قوات الاحتلال للغزيين منذ انتفاضة الأقصى بالسفر إليه، فلا معنى لذلك إلا الترويج لمدلول خطير جداً أنهم بصدد السماح للمسلمين ضمن شروط معينة وضوابط محددة بدخول القدس والصلاة في الأقصى مقابل فتح الباب على مصراعيه لليهود بأداء طقوسهم في باحات الأقصى تمهيداً للانتقال إلى المرحلة التالية وهي تقسيم ساحاته بين المسلمين واليهود ومن ثم بناء كنيس أو أكثر لليهود داخل الأقصى.

وما سماح اليهود للأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي إياد مدني إلا جزء من هذا المخطط الذي بلغ ذروته المتمثلة في حرف منظمة ارتبط إنشاؤها بالدفاع عن المسجد الأقصى عن أهدافها ومبادئها التي تأسست لأجلها. فإنها تأسست ويا للأسف في 25 أيلول/ سبتمبر 1969م، بعد حريق المسجد الأقصى في 21 آب/ أغسطس 1969م. حيث طرح وقتها عدة مبادئ (للدفاع عن شرف وكرامة المسلمين المتمثلة في القدس وقبة الصخرة، وذلك كمحاولة لإيجاد قاسم مشترك بين جميع فئات المسلمين) حسب البيان التأسيسي لها.

ولا يصعب على أي متابع للأحداث تفسير تلك الزيارة إلا ضمن الجهود الخفية التي تكلم عنها "عاموس غلعاد" رئيس الدائرة السياسية والأمنية في جيش الاحتلال من أن "هناك دول عربيّة تدخلت لوقف "التحريض" على التظاهر بالقدس والأقصى".

وهو ما أكده أيضاً الشيخ رائد صلاح خلال حلقة بلا حدود بتاريخ الأربعاء (19/11/2014م) على قناة الجزيرة بقوله: إن هناك بعض ممثلين عن الدول العربية "قالوا لنا غضوا الطرف عن الاقتحامات التي يقوم بها الاحتلال للأقصى، ونحن رفضنا ذلك".

وأشار صلاح إلى أن هذه الأطراف العربية ترتبط بتنسيق أمني مع الاحتلال، لافتاً إلى أن الاحتلال يحاول أن يدعي للعالم بتهدئة الأوضاع في القدس، لكنه يخاطب المستوطنين أن له الحق الكامل في الأقصى.

وأكد الشيخ صلاح بأن "الاحتلال يحاول أن يصنع محوراً إسرائيلياً أمريكياً عربياً، وأنه قد اتفق على كل ما هو مطلوب في الأقصى، ولم يبق أحد معارض له إلا أهل القدس"، مؤكداً على ضرورة الوقوف في وجه هذا المحور.

أكاد أجزم بأن ذلك المحور بات مكشوفاً بخططه وتحركاته وأهدافه وسوف يسعى في مقبل الأيام إلى زيادة الزيارات العربية والإسلامية إلى المسجد الأقصى المبارك، مع محاولة إظهار المقدسيين بوجه عام، والمرابطين منهم في الأقصى على وجه الخصوص، بأنهم يحملون داخلهم بذور التطرف  والتشدد إزاء المرونة التي أتت بالسياح العرب إلى القدس، وقد يتم افتعال أحداث يتهم بها أولئك كي يتم تجريمهم يهودياً وعربياً وهو ما سيسهل على اليهود التعجيل في تهويد القدس وتقسيم الأقصى ولكن هذه المرة بمساعدة عربية!!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

10 أفكار للسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي

مما لا يبدو غريباً أن أقول أننا في غالبيتنا بتنا نخضع لسيطرة وسائل التواصل الاجتماعي، …