بين الحدود الجغرافية والأخوة الإيمانية

الرئيسية » خواطر تربوية » بين الحدود الجغرافية والأخوة الإيمانية
Stack of Hands

فرق كبير بين التعامل مع الواقع بحكمة وذكاء، وبين التعامل معه على أنه مسلمات لا يمكن تجاوزها أو نقدها، أو الدعوة لتغييرها، ومن هذه المسلمات الحدود التي رسمت من الغرب بطريقة خبيثة بحيث قسمت الدول العربية والإسلامية إلى دويلات مختلفة وكثيرة، فيبالغ البعض في تقديس هذه الحدود ويعتبر المساس بها مساساً بالوطن أو الهوية، فأصبحت مخططات الغرب لنا أوطاناً مزقت وحدتنا وشتت شملنا.

وفي ظل هذا الواقع المعاش وما يعانيه المسلمون من جراحات وآلام متجددة، وهجرة الشعوب الثائرة على الظلم إلى الدول المسلمة المجاورة، وخاصة منها الشعب السوري ومن قبله بعقود الشعب الفلسطيني، يجب على الدعاة أن يقوموا بتوعية الشعوب العربية والإسلامية بعدة حقائق وحيثيات في هذا السياق:

"إن شعور المسلم مع أخيه المسلم لا يفرقه اسمٌ أو حدٌ أو جنسية أو غير ذلك، فكما نتألم لما يصيب أحبابنا في أوطاننا، علينا أن نتألم لما يصيب المسلمين في كل مكان"

أولاً: إن ما يجمع العرب والمسلمين أكثر مما يشتتهم ويفرقهم، فتجمهم اللغة والدين وقرب المكان، وتشابه العادات والتقاليد، ووحدة الهدف والمصير. قال سبحانه: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:52].

ثانياً: إن شعور المسلم مع أخيه المسلم لا يفرقه اسمٌ أو حدٌ أو جنسية أو غير ذلك، فكما نتألم لما يصيب أحبابنا في أوطاننا، علينا أن نتألم لما يصيب المسلمين في كل مكان. فلا نصل لحالة من عدم الاهتمام بالمسلمين أو اللامبالة بهمومهم أو جراحهم. فألمهم ألمنا، ومصابهم مصابنا، وعزهم وفرحهم ونصرهم لنا. ففي الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى".

ثالثا: التحذير من دعوى الجاهلية والعصبية التي يقوم بها بعض المسلمين، خاصة للشعوب المظلومة المضطهدة، فميزان التفاضل بين الناس هو تقوى الله عز وجل، لا حسبهم أو نسبهم أو لونهم أو عرقهم، قال تعالى: {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات:13]. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال  كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا  من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار.  وقال المهاجري: يا  للمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا يا رسول الله: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة" (متفق عليه).

"على المسلمين جميعاً مساندة إخوانهم المظلومين بمالهم وكلمتهم وجهدهم ما استطاعوا لذلك سبيلاً، من غير منة أو استكثار إحسان"

رابعاً: على المسلمين جميعاً مساندة إخوانهم المظلومين بمالهم وكلمتهم وجهدهم ما استطاعوا لذلك سبيلاً، من غير منة أو استكثار إحسان، فهذا أقل الواجب الذي عليهم، فلا يشعرهم بضيق من خدمتهم ولا وجودهم في بلده أو مدينته، أو تحميلهم مشاكل البلاد من نقص ماء أو كهرباء أو ازدحام طرقات، أو نقص خدمات، فلا يشعرون بغربة فوق قهرهم، فهم في بلدان إخوانهم، هم المهاجرون ونحن الأنصار.

خامساً: على الدعاة أن يزرعوا في أذهان الناس أن مصدر قوتنا وعزتنا هي وحدتنا على اختلاف أقطارنا ولغاتنا وأجناسنا، وأن ضعفنا ووهننا وفشلنا ناتج عن تشرذمنا وتفرقنا. فلا نستسلم للواقع بل علينا تغييره. قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين} [الأنفال:46].

سادساً: علينا أن لا نستسلم لصورة واحدة في أذهاننا عن الوحدة -وهي الدولة أو الخلافة- حتى نستصعب الوصول إليها، فلعل المسلمين يجتمعون باتحاد أو هيئة أو غير ذلك من صور الاتحاد والتجمع، ولعل الاتحاد يكون جزئياً أو كلياً أو مرحلياً فكله خير.

ختاماً... إن وحدة المسلمين وتجمعهم تبدأ من عقولنا وأذهاننا، فسلوكنا تجاه المسلمين يعبر عن هذا الفكر، ولنعلم علم اليقين أن جل مشاكلنا وأزماتنا مرهون حلها بوحدتنا، فهي رمز قوتنا وعزتنا، فلن ندخل الأقصى برايات مختلفة مشتتين، ولن يحسب العالم لنا حساباً أو يسمع لنا خطاباً إلا إذا كنا مجتمعين. فاللهم اجمع شتات أمتي على خير، إنك نعم المولى ونعم المجيب.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الأخوة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

    شاهد أيضاً

    زمان الوهن الأكبر!

    روى أبو داود وأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يوشك الأمم أن …