تأملات عند زيارة القبور

الرئيسية » خواطر تربوية » تأملات عند زيارة القبور
القبور

هل جلست مرة في مقبرة؟ وتأملت شواهد القبور؟ هل دققت في تواريخ الوفيات؟ وكررت النظر مرة بعد مرة؟ لعلك جلست ورأيت، أو شاركت في جنازة، أو مررت بالمقبرة مرور الكرام، أمّا أنا فجلست حقيقة وتأملت وتعجبت، فكتب قلمي ما لاح على عقلي وورد على ذهني، فخذ مني بعض ما تأملت.

أولاً: تعجبت ممن يدخل المقبرة ويدفن فيها جنازة؛ يخرج منها مسرعاً، كأنما يريد أن يفرّ من الحقيقة المرّة إلى الحلم الممتع. قف وتأمل، هذا بيتك المقبل، هنا ستنام نومة طويلة، ولن تقوم بعدها إلى يوم مقداره خمسين ألف سنة، هذا بيتك فبما زينته؟؟ بورد الجنان أم بنارٍ ودخان، هنا الحقيقة التي سنذوقها جميعا هنا الموت، هنا هادم اللذات.

ثانياً: تأملت قبراً قديماً عمره أكثر من ثمانين عاماً، لعل عظام صاحب القبر بليت حتى أصبحت ترابا، فقلت ما بال من دفنه، بل من غسّله؟ أو من بكى عليه أو حضر جنازته وصلى عليه؟ أين كل هؤلاء؟ هل هم أحياء أم دفنوا كما دفن؟ هل مات المغسل والباكي والمبكي عليه والسائر في الجنازة ومن صلى عليه؟ فكأنه ميت شيّع ميتا!!ثم استحالوا جميعاً ترابا!!

ثالثاً: رأيت رجلاً وحيداً يبكي على قبرٍ لعله فقد قريباً أو حبيباً، ولكن مئات القبور بل آلاف القبور لا بواكي على أبوابها! هل نَسيهم أحباؤهم وأقرباؤهم؟ أم أنهم عادوا لبحر الدنيا ولن يرجعوا إليها إلا محملين على الأكتاف ليدفنوا؟ هل سيذكرونك أم ستنسى كما نسي الكثيرون؟ اللهم آنس وحشتنا في قبورنا، ونورها بنور كتاب كنا نتلوه صباح مساء.

رابعا: من عجيب ما رأيت، رجل يحفر له قبر قديم ثم يزاح ما تبقى من عظام الميت جانب القبر ثم يدفن مكانه، فلعل الأرض تزدحم علينا عند موتنا فلا نجد قبراً ندفن فيه! ولربما لا نجد من يغسّلُنا أو يكفننا فيدفننا!

"لا يٌذكر بخير إلا من ترك أثراً أو غيّر واقعاً، فاترك وراءك ذكرى حسنة، أو عملاً صالحاً تذكر من خلاله"

خامسا: تأملت القبور وشواهدها التي محيت عنها أسماؤها بفعل الزمان، هل سيأتي علينا زمن لا تذكر فيه أسماؤنا؟ تأمل في من سبق، من يذكر منهم؟ هل يذكر أسماء الأغنياء؟ أو أسماء النبلاء؟ لا يذكر بخير إلا من ترك أثراً أو غيّر واقعاً، اترك وراءك ذكرى حسنة، أو عملاً صالحاً تذكر من خلاله.

سادسا: اكتظت المقبرة بالقبور حتى أنك لا تجد موضع قدم لتسير! أهؤلاء كانوا أحياء يحلمون كما نحلم؟ ويعيشون كما نعيش؟ ويأكلون ويشربون ويتمتعون كما نتمتع؟ ثم باغتهم الموت فجأة، فأتى بهم إلى المقبرة على الأكتاف محمولين! لا يستأذن الموت على بشر إلا أن يكون نبياً، فهل أنت مستعد لذاك اللقاء؟ أم أنّ أملك طويل، ستأتي إلى هنا إلى المقبرة لا مفر منها لا مهرب، فكن متأهباً لذاك اليوم فهو أول منازل الآخرة.

سابعا: واعجباً على رجال ساروا وراء الجنازة ومن غفلتهم لم يتعظوا! فلا على المسجد دخلوا فصلوا! وعلى أبواب المقبرة وقفوا متفرجين، البسمة تعلوا وجوههم! كأن الموت لن يصيبهم! أخي لا مهرب من سكرات الموت، فإما أن تدخل المقبرة حاملاً أو تدخلها محمولاً.

ثامنا: لا وسادة من حرير في القبر تضع عليها رأسك، ولا فراشاً وسيداً تريح به جسدك، إنما هي قطعة قماش وفرشك التراب، ووسادك التراب، وستستحيل إلى تراب.

تاسعاً: زيارة القبور كما قال الحبيب محمد –صلى الله عليه وسلم- تذكر بالآخرة، فهي تبصر الإنسان بمآله وآخرته، فمهما طال الزمان أم قصر فهي مسكنه، فزوروا المقابر لعل القلوب ترق من قسوتها، وتفر إلى خالقها.

على أبواب مقبرة... هنا الموت جاثم... أنا الحقيقة فلا تفر... اعمل ليوم تزوروني فيه بلا رجعة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

أصلح قلبك تتحرر قدسك

المتأمل في بقعة المحشر لأهل #الضفة (معبر قلنديا) وهو أحد المعابر المقيتة لمدينة #القدس والذي …