الثقافة التنظيمية المتينة ركيزة وحدة الحركة الإسلاميّة

الرئيسية » بصائر الفكر » الثقافة التنظيمية المتينة ركيزة وحدة الحركة الإسلاميّة
_new_organizational

تعدُّ الثقافة التنظيمية من أهم ما يعكس هُوية الجماعات والمؤسسات، وهي كلّ ما يدركه الأفراد داخل العمل والمؤسسة، وهي إطار معرفي يضم القيم والمعتقدات والأعراف والتوقعات والمراسيم وكيفيّة إنشائها لدى جهة معيّنة، كما أنّها تشكّل القاسم المشترك من السمات الأساسية للشخصية الاعتبارية للحركة الإسلاميّة، وقد تكون الثقافة التنظيمية مكتوبة صريحة أو ضمنية، وقد يكون بعض عناصرها مكتوب صريح والبعض الآخر ضمني غير صريح.

وفي ظل التغير المستمر في العالم؛ نتيجة ثورة التكنولوجيا، خصوصاً في قطاع الاتصالات، وما نتج عن ذلك من تقارب بين المجتمعات، وتراجع لمستويات السلطة سواء كانت للأب أو المربي أو القائد، وذوبان لقيمة الحدود الفاصلة بين الدول، وسهولة انتقال المعلومات والأخبار؛ فإنّ هذا كله أسهم في التأثير على رسوخ سمات الهويّة سواء كانت هوية وطنية محليّة أو هوية تنظيمية لجماعة معيّنة.

"الثقافة التنظيمية من أهم ما يعكس هُوية الجماعات والمؤسسات، وهي كلّ ما يدركه الأفراد داخل العمل والمؤسسة"

والحركة الإسلاميّة هي تنظيم طوعي، وله ثقافته التنظيمية الخاصة والراسخة، والتي تستند إلى أحكام الإسلام. ويبدو أنّ واحداً من الجوانب المهمّة التي تغيب في تحليل أسباب الاختلاف أو التنازع التي قد تنشأ في الحركة الإسلاميّة هو التراجع في متانة ومكانة الثقافة التنظيميّة. والتي من المفترض أن تعمل على:

1- تكوين الشخصية الاعتباريّة المستقلة للجماعة، والتي تميزها عن غيرها من الحركات.

2- تحديد معايير السلوك الدعوي والتنظيمي وتوجيهه.

3- تسهّل مهمة القيادة والأفراد في التعامل مع المستجدات.

4- تمتين وحدة الجماعة، وتعظيم القواسم المشتركة بين الأفراد.

وتتشكّل الثقافة التنظيمية في الحركة الإسلاميّة من العناصر التالية:

1- القيم التنظيمية: وهي مجموعة الاتفاقات والقواعد المشتركة حول ما هو جيد وما هو غير جيد، وهي اعتقاد راسخ بأن التصرف بطريقة معينة هو أفضل من التصرف بأي طريقة أخرى، وتعمل القيم على توجيه سلوك العاملين ضمن الظروف المختلفة، ولها أثر مهم على مستوى الانتماء.

"من الجوانب المهمّة التي تغيب في تحليل أسباب الاختلاف أو التنازع التي قد تنشأ في الحركة الإسلاميّة هو التراجع في متانة ومكانة الثقافة التنظيميّة"

وتتعدَّد القيم التنظيمية في الحركة الإسلاميّة؛ فبالإضافة لجميع القيم المعتبرة شرعاً، فإنّها تضم أيضاً مجموعة من القيم الأخرى؛ مثل السمع والطاعة، وأدب الخلاف والحوار، والأخوة، والثقة، والتضحية، والانضباط والالتزام، والتجرد، وتغليب المصلحة العامّة، ونكران الذات، والشورى، واحترام أهل الفضل والسبق، والرشد، والبعد عن تجريح الهيئات، وغيرها.

2- المعتقدات التنظيمية: وهي تلك التصورات المشتركة في أذهان العاملين، وتدور حول طبيعة أداء العمل الدعوي، وطبيعة العلاقات بين العاملين، وكيفية إنجاز الأعمال الدعوية، ومن هذه المعتقدات النظرة إلى طبيعة مشاركة العاملين في عملية صنع القرارات، وكيف ننظر للأزمات، وكيفية إدارة الأعمال الدعويّة، وما هو دور المؤسسات الدعوية المختلفة، وما هو المطلوب منها. كما يندرج تحت المعتقدات التنظيمية النظرة للدعاية في الانتخابات الداخليّة، طبيعة دور المرأة في العمل الإسلامي، والموقف من وجود الشباب والمرأة في الصفوف القياديّة الأولى، ومدى التركيز على القضايا المحليّة، وما هي المعايير المطلوب الالتزام بها في ضم الأفراد أو في إجراء التحالفات.

3- الأعراف التنظيمية: وهي مجموعة المعايير المدركة التي يلتزم الدعاة بها، وينظرون إليها باعتبارها مفيدة للعمل الدعوي، وغالبًا ما تكون هذه الأعراف ضمنيّة وغير مكتوبة، لكن يتم الالتزام بها؛ عملاً بالقاعدة المشتهرة: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، ومثال ذلك تكريم العاملين السابقين عند استلام عمل دعوي منهم، وتكريم أهل السابقة والفضل، عدم تناول الشأن الداخلي على وسائل الإعلام. كما يندرج تحت الأعراف التنظيميّة طرق توجيه النصيحة، وأسلوب النقد، ورفض ترشيح الداعية لنفسه للمواقع المختلفة.

4- التوقعات التنظيمية: وهي تقسَّم إلى:

أ. مجموعة الأشياء التي يقدر الأفراد حصولهم عليها من جماعتهم؛ مثل مستويات المعرفة والخبرة والمهارة المكتسبة، والتربية وحسن التكوين، والتمكين في الأعمال الدعويّة، والمعاملة العادلة للجميع، وحرص الجماعة على الأفراد وسلامتهم.

ب. مجموعة الأشياء التي تقدر القيادة الحصول عليها من الأفراد؛ مثل المستويات العالية من الإنجاز، والطاعة في العسر واليسر، والالتزام من دون إبطاء، والدفاع عن الجماعة عند تعرضها للاستهداف، والعمل المستمر لتحقيق أهداف الدعوة، وعدم قيام الداعية بأي عمل يعرّض الدعوة للمخاطر.

5- المراسيم المختلفة: وهي كل ما هو سائد ومتّبع في الهيئات والشكليات والتحسينيّات، مثل أشكال اللباس، وطرق إدارة الاجتماعات، وهيئة الاحتفالات، وطبيعة المخاطبات والمراسلات، والشعارات المستخدمة.

"يجدر بالقيادة العليا أن تهتم ببناء ثقافة تنظيمية متينة، وتديم مراجعتها وتقيمها، كما يجب عليها أن تلتفت إلى عناصر الثقافة الأكثر تغيّراً"

ومع أنَّ الثقافة التنظيمية تتشكل من العناصر السابقة الذكر، إلاَّ أنَّ هناك بعض الاعتبارات التي تؤثّر على الثقافة التنظيميّة في الحركة الإسلاميّة، والتي من أبرزها:

1- الصفات الشخصية للأفراد، وما لديهم من اهتمامات ومهارات وثقافة وقيم ودوافع، وتحصيلهم التعليمي، والمستوى التربوي العام لهم.

2- خصائص العمل الدعوي، ومدى ملائمتها وتوافقها مع الصفات الشخصية للأفراد.

3- الهيكل التنظيمي؛ إذ تنعكس خصائصه على أساليب الاتصالات والعلاقات، ونمط اتخاذ القرارات.

4- النخبة القيادية، إذ لهم تأثير مهم على مجمل عناصر الثقافة التنظيمية، ومن المفترض أن يعكس سلوكهم الثقافة التنظيمية للحركة الإسلامية. كما أنَّ الأفراد يحاكون قادتهم، ويتأثرون بأفعالهم.

5- تاريخ الحركة الإسلامية ومجموع التجارب والأحداث التي مرَّت بها.

ويجدر بالقيادة العليا أن تهتم ببناء ثقافة تنظيمية متينة، وتديم مراجعتها وتقيمها، كما يجب عليها أن تلتفت إلى عناصر الثقافة الأكثر تغيّراً، وأن تعمل على تكيّف ثقافة الحركة الإسلاميّة مع المتغيرات، والعمل على إحداث التعديلات المناسبة. كما عليها الاهتمام بانعكاس كل ذلك على الأفراد، وكيفيّة تطويرهم لينسجموا مع أي تغيرات قد تحصل في الثقافة التنظيميّة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
يعمل في مجال الاستشارات الإداريّة، وحاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية ودبلوم عالي في MIS، وشهادتي ماجستير في MIS والعلوم السياسية ودكتوراه إدارة الأعمال. لديه العديد من المؤلفات من أهمها: نحو فهم لظاهرة التعلق بين المربي والمتربي، رسالة في الطريق إلى دعوتنا، الموجز الميسر في ثقافة دعاة العصر، مصادر القوة والتميّز عند الداعية، الابتسامة وأثرها في عمل الداعية. له الكثير من الأبحاث والمقالات السياسية والفكرية والتربوية والدعوية.

شاهد أيضاً

لماذا كان الرد الفلسطيني باهتاً تجاه الأقصى؟

على نفس الخطى، تخطو دولة الاحتلال في تعاملها مع المسجد #الأقصى بنفس الطريقة التي تعاملت …