ثمن أن تكون متديّنا في بلد يحكمه مستبد!

الرئيسية » بصائر الفكر » ثمن أن تكون متديّنا في بلد يحكمه مستبد!
المسلمون19

تتعدد التحديات التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية، وعلى رأس هذه التحديات في الوقت الراهن، الحرب الراهنة على الكثير من مظاهر التديُّن، سواء على مستوى الشكل، وخصوصًا الحجاب، لارتباطه بقضايا مهمة بالنسبة لخصوم الأمة، مثل عفة المجتمعات العربية والمسلمة، أو على مستوى الممارسة، مثل الدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق.

وفي حقيقة الأمر، وفي ظل الانتصارات الوقتية أو المرحلية التي حققتها قوى الثورة المضادة، ومن يقف خلفها من قوىً سياسية ومجتمعية، في بلدان الربيع العربي؛ فإن هذه الثورة المضادة امتدت في إطار مساعيها إلى محاصرة تيارات الإسلام السياسي الصحوي، والمشروع الحضاري الإسلامي، لتشمل التديُّن بمظاهره المختلفة.

والزعم الرئيسي في هذا الأمر، يرتبط بقضية مكافحة الإرهاب، وطالت هذه الحرب، الأسس المكينة للدين، بما في ذلك التشكيك في السُّنَّة النبوية الشريفة، وفي كتب السلف الصالح، والتراث، التي تحمل فقه الأمة عبر التاريخ.

"التدين لا يعني المفهوم التقليدي الذي يقفز إلى الذهن، بل هو أمر أكبر وأوسع من ذلك؛ حيث يعني إقامة الدين في كل أمور الفرد والجماعة"

والتديُّن لا يعني المفهوم التقليدي الذي يقفز إلى الذهن عندما يُطرَح أمامنا هذا المصطلح؛ حيث التديُّن أمر أكبر وأوسع من ذلك؛ حيث يعني إقامة الدين في كل أمور الفرد والجماعة.

وترتبط هذه القضية بعدد من الأمور المطروحة الآن على ساحة النقاش الإسلامي، وعلى رأسها تساؤل شديد الأهمية، وهو: هل المجتمعات المسلمة، مسلمة حقًّا بما في الكلمة من معانٍ؟، مع التأكيد على أن ذلك لا يمس عقيدتهم في شيء، حتى لا يدخل الأمر في سياق آخر، يتعلق بقضية التكفير، وهو أمر نبرأ بأنفسنا منه ونبتعد عنه؛ حيث ذلك من صميم اختصاص رب العزة سبحانه، الذي يعلم حقيقة ما فيه نفوس وضمائر عباده.

والحقيقة أن هذا الأمر ليس جديدًا؛ حيث يعود تاريخ نقاشه إلى بواكير فترة الصحوة الإسلامية التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتأطَّرت بكتابات الإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا والكواكبي والشهيد سيد قطب؛ حيث طرحوا جميعًا إشكالية، هل المسلمون عقيدةً؛ هم مسلمون دينًا؟!..

وفي حقيقة الأمر؛ فإنه تساؤل شديد الأهمية، ومنضبط اصطلاحًا، فالدين أمر مختلف عن العقيدة، أو بمعنىً أدق؛ هو يحتويها، والعقيدة جزء منه؛ حيث الدين يشمل العقيدة والعبادات والمعاملات، وإن كانت أهمية العقيدة في أنها مفتاح دخول الإنسان إلى الدين؛ فإن الدين ذاته، لا يكتمل ولا يُقام إلا من خلال ما صدقه من العمل، سواء خاص، كالعبادات، أو عام في حالة المعاملات.

وهذه الأمور هي إحدى أهم خصائص الإسلام كدين شامل، فحساب الإنسان، سواء في قبره أو في الآخرة، سوف يكون، أول ما يكون، بعد أن يُسأل عن ربه ونبيه، عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وهي أمور مرتبطة بعمل الإنسان وسعيه في الحياة الدنيا.

فالتديُّن إذًا، هو أحد أهم أركان أن يكون الإنسان مسلمًا؛ حيث يعني إقامة الدين، في مختلف الأمور الخاصة والعامة، ولا يتعلق الأمر بخُلُق أو سلوك أو سمة تكون في الإنسان؛ أن يكون أو لا يكون متديُّنا، فمصطلح التديُّن أوسع من ذلك كثيرًا، فهو يعني تطبيق تعاليم الدين في مختلف شئون الإنسان والمجتمع.

وعند النظر إلى هذا الأمر في واقعنا الإسلامي؛ سوف نجد مشكلة تقليدية، وهي أن الغالبية، إلا من رحم ربي، مسلمون عقيدة، ولكنهم بعيدون عن حقيقة الدين في أمورهم الخاصة والعامة.

"أكثر الدول تطبيقًا لأسس وتعاليم القرآن الكريم والشريعة الإسلامية، هي دول غير عربية ولا إسلامية"

في المقابل؛ فإن ففي دراسة أجراها الباحث البريطاني بول هوسفورد، ونشرتها صحيفة "ذي جورنال"، في كانون الثاني/ يناير الماضي، أثبت الباحث أن أكثر الدول تطبيقًا لأسس وتعاليم القرآن الكريم والشريعة الإسلامية، هي دول غير عربية ولا إسلامية.
فالدراسة كشفت أن إيرلندا، ثم الدانمارك والسويد، هي الدول الأكثر تطبيقًا لأسس وتعاليم القرآن الكريم على مستوى العالم، بالرغم من أنها دول مسيحية.

وصنفت هذه الدراسة البلدان الـ 208 التي فحصتها، وهي تقريبًا كل دول العالم، طبقًا لالتزامها بتعاليم ومعايير الاسلام وهَدْي المُثُل القرآنية، ومدى اعتماديتها على مؤشر الاقتصاد الإسلامي، ومدى ما تعكسه السياسات والانجازات التنموية المتحققة، لتعاليم ومبادئ الاقتصاد الإسلامي، بعيدًا عن الانتماء العقيدي لهذه البلدان.

ومما يؤكد حجم المشكلة التي نشير إليها؛ فقد غابت الدول المسلمة، أو التي تقطنها غالبية مسلمة، من قائمة أفضل 25 بلدًا تطبيقًا للإسلام، وأول دولة مسلمة جاءت في القائمة، كانت ماليزيا، التي أتت في المرتبة الثالثة والثلاثين، كأول دولة ذات غالبية مسلمة من السكان، تطبق الشريعة الإسلامية وتعاليم القرآن الكريم.

أما الدول العربية، فقد حلت الكويت في المرتبة الأولى عربيًّا، والثامنة والأربعين عالميًّا، ثم البحرين في المرتبة الحادية والستين، والإمارات ثالثةً عربيًّا، والرابعة والستين عالميًّا، أما المملكة العربية السعودية، وهي، مع باكستان، الدول الوحيدة التي تعلن أنها تحكم بموجب الشريعة الإسلامية، كمصدر رئيسي ووحيد للتشريع، فقد جاءت الرابعة عربيًّا، والثالثة والتسعين عالميًّا، فيما تذيلت السودان، والتي تعلن أنها تطبق أحكام الشريعة الإسلامية، وأن حكمها إسلامي، قائمة الدول العربية، وحلَّت في المرتبة المائة وتسعين على مستوى العالم!

اعتمدت الدراسة على معايير إسلامية ارتكزت على أربعة قواعد، وهي:
- الإنجازات الاقتصادية.
- حقوق الإنسان العامة والسياسية.
- العلاقات الدولية للبلد.
- بنية السلطة والحكم في هذه الدول.

هذه الصورة التي تشكل كارثةً محققة؛ أن تكون قائمةً في أمة التكليف، جاءت نتيجة لواقع الاستبداد الذي تعيشه الأمة منذ قرون طويلة.

فالحُكَّام المستبدون، في إطار سعيهم لتمكين ملكهم، والبقاء وذراريهم، في كرسي الحكم، وتأطير استيلائهم على خيرات الأمم والشعوب التي يحكمونها، سعوا بكل قوتهم إلى محاربة التديُّن ومظاهره، وفصل الشعوب عن حقيقة الدين، باعتبار أن الإدراك الصحيح للدين وتعاليمه، يتضمن في جانب منه مواجهة هذه الأنظمة المستبدة الظالمة، والسعي إلى إقامة العدل والحكم بما أنزل الله تعالى، وهو أخطر ما يكون على مصالح هذه الأنظمة والحكومات.

والتقت أنظمة الاستبداد والفساد هذه، في ذلك، مع مرامي ورغبات قوى الاستكبار العالمي، التي يمثل لها الإسلام الصحوي، والمشروع الحضاري الإسلامي، أكبر خطر على مصالحها.

ونرى الآن، ونسمع، عجبًا في حالنا العربي الراهن؛ حيث أن تكون متديِّنًا حقًّا؛ يعني ذلك المطاردة والتشريد ومصادرة الأموال، وربما القتل والاعتقال، أو النفي إلى خارج الوطن، لو كان الإنسان حسن الحظ!

هذه الحالة لن يمكن معالجتها من دون معركة دعوية وتربوية كبرى طويلة المدى، تبدأ باستعادة الوعي في نفوس أبناء المجتمعات العربية والمسلمة، باعتبار أن ذلك هو السبيل الوحيد لخلق حالة من الإجماع المجتمعي، تصوِّب الأوضاع، وتخلق النواة الصلبة التي تتصدى لهذه الحالة من الظلم، ومن الضلال الذي تغذيه خطط وأطماع داخلية وخارجية، وتعجز معها الأنظمة الحاكمة عن التصدي والبقاء!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

النزاع والفرقة والدور المطلوب

من سنن الله الكونية التي لا تتخلف في كل زمان ومكان أن الوحدة قوة وهي …