معركة فلسطين جزء من معركة استعادة الخلافة..وقفة تاريخية

الرئيسية » بصائر الفكر » معركة فلسطين جزء من معركة استعادة الخلافة..وقفة تاريخية
alnkba_alflsttinia

جانب مختف ولكنه شديد الأهمية متعلق بالقضية الفلسطينية، وخلفياتها السياسية والتاريخية، وهو ذلك المتعلق بموضع المعركة حول وفي فلسطين، في عقود ما قبل النكبة، عام 1948م، بسياق أكبر، وهو المعركة ضد الأمة المسلمة، بكل الوجوه، وخاصة السياسية والحضارية، تصدرتها مسألة إسقاط دولة الخلافة الجامعة، التي كانت العقبة الأهم أمام قوى الاستعمار والاستكبار العالمي.

ولئن كان الهدف الرئيسي للحركة الصهيونية والقوى الداعمة لها، في القرن التاسع عشر، هو مساعدة اليهود على الهجرة والاستيطان في فلسطين؛ إلا أنه لا يجب فصل ذلك عن مجمل التطورات الإقليمية والدولية في ذلك، وكان من بين أهمها اتفاق أوروبا على تقسيم الدولة العثمانية، وإسقاطها كعقبة رئيسية أمام هذه القوى من أجل التوسع شرقًا وفي عمق العالم القديم.

وفي الإطار؛ فإنه من الخطأ اعتبار الإطار الحاكم للصراع في الشرق الأوسط، على فلسطين وما حولها؛ مقتصرًا على الحيِّز الجغرافي أو الزمني المتعلق بالقضية الفلسطينية ذاتها، وبداياتها التي تعود إلى بدايات المشروع الصهيوني في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي؛ حيث ترتبط القضية وصيروراتها السياسية والتاريخية بإطار أكبر وأوسع مدىً زمنيًّا وجيوسياسيًّا.

"القضية الفلسطينية ترتبط بالصراع الحضاري الدائر ما بين الشرق والغرب منذ آلاف السنين"

فالقضية ترتبط بالصراع الحضاري الدائر ما بين الشرق والغرب منذ آلاف السنين، بمظاهره ومراحله المختلفة، مثل الحملات الصليبية الهمجية التي جاءت بين ظهرانينا في الفترة ما بين القرنَيْن الحادي عشر والثالث عشر الميلادي، ثم مرحلة الاستعمار الأوروبي المباشر لبلدان العالم العربي والإسلامي، والتي بدأت قبل أكثر من قرنَيْن من الزمان.

وفي عُرف الكثير من المؤرخين، تُعتَبَرُ محاولة الرحالة الاسكتلندي اليهودي، ديفيد روبرت لزيارة مصر وفلسطين خلال عامَيْ 1838م و1839م، هي أولى المحاولات اليهودية الجادة في العصر الحديث لاستكشاف أرض الميعاد أو فلسطين في المعتقد اليهودي؛ حيث قام روبرت برسم الأماكن التي مر عليها، وزيارة القدس، ونَقَلَ صورة حقيقية للحياة فيها.

وكان أول حي يهودي أُقيم في فلسطين، في القدس، وهو حي "يمين موشيه"، وأقيم عام 1850م في منطقة جورة العنَّاب ليكون نواةً لأحياءَ يهودية أخرى أُقيمت خارج أسوار المدينة باتجاه الجنوب الغربي والشمال الغربي والغرب، ثم أقيم حي "مائة شعاريم" في منطقة المصرارة، وحي "ماقور حاييم" أو المسكوبية حاليًا في عام 1858م، بعد ضغوط كبيرة على السلطان عبد المجيد الثاني.

ومن بين أهم الشخصيات التي كانت فاعلة في هذا، وزير الخارجية ثم الصدر الأعظم بعد ذلك، مصطفى رشيد باشا، الذي أصدر تشريعات أواخر حكم السلطان محمود الثاني الذي حكم في الفترة ما بين العام 1808م، والعام 1839م، تشجع الأقليات في الدولة العثمانية على محاولات الانفصال عن الدولة.

كما أصدر تشريعات أخرى تدعو إلى التغريب ولكن بمسميات إصلاحية، وعلى الرغم من أن تشريعاته قوبلت بالرفض من قبل علماء الدين، وتم طرده من الحكومة عام 1841م، إلا أنه عاد مرة ثانية عام 1845م، وتولى منصب الصدر الأعظم، ولم يعزل إلا عام 1858م، في أواخر عهد السلطان عبد المجيد الأول.

وقد كانت لهذه القوانين التي استنها مصطفى باشا، أبلغ الأثر في بدء تفاعل المشروع الصهيوني في فلسطين، في صورة موجات هجرة يهودية متتالية، أو "أليشوف" بالتعبير العبراني ضمن أدبيات المشروع الصهيوني.

وشملت الموجة الأولى منها، النصف الثاني من القرن التاسع عشر بأكلمه، وتُوِّجت بأقامة أول مستوطنة يهودية في فلسطين، وهي "بتاح تكفاه"، قرب ما يُعرف بتل أبيب حاليًا، عام 1882م، واللافت أنه كان هو ذاته عام بدء الاحتلال البريطاني لمصر، في عهد خديوٍ خائن آخر، وهو الخديوي محمد توفيق، ابن الخديويِ إسماعيل، الذي تم اللعب معه بذات السيناريو الذي تم مع الدولة العثمانية، ولكن بوسائل أخرى، كانت اقتصادية في الغالب.

وفي هذا الإطار، مرَّت محطات التأثير الصهيوني والغربي المسيحي على الدولة العثمانية، لأجل استكمال أركان المشروع الصهيوني في فلسطين، بعدد من سلاطين الدولة العثمانية، في مرحلة أفولها.

كان أولهم السلطان عبد المجيد الأول، صاحب التنظيمات (حكم في الفترة من العام 1839م وحتى العام 1861م)، وتصدى في أواخر عهده للكثير من الضغوط البريطانية والغربية للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، ولكن يهود الدونمة الذين ظهروا في البلاط العثماني في عهد السلطان محمد الرابع (1648- 1687م) كانوا قد تمكنوا من البلاط العثماني، مما سمح بحدوث المزيد من التطورات في المشروع الصهيوني في فلسطين.

وكان خلفه، السلطان عبد العزيز، والذي حكم في الفترة ما بين العام 1861م، والعام 1876م، أضعف منه إرادةً، وبدأت في عهده الكثير من حركة الكشوف الجغرافية والأثرية في فلسطين، وأولى موجات الهجرة اليهودية الجدية، إلى هناك.

الخليفة الثالث هو السلطان عبد الحميد الثاني، أو الخاقان الكبير، والذي حكم في الفترة ما بين العام 1876م، والعام 1909م، وارتبط عهده بتعاظم نفوذ فئة أخرى في البلاط العثماني، لعبت أبلغ الأثر في نقض دولة الخلافة الإسلامية، وإزالتها إلى حين، بجانب يهود الدونمة، وهم القوميين الأتراك، ممثلين في الحركة الطورانية، وحزب الاتحاد والترقي، الذي تزعمه مدحت باشا، والذي مارس في بدايات القرن العشرين، ذات الدور الذي قام به مصطفى رشيد باشا في مطلع وحتى منتصف القرن التاسع عشر.

وسمحت فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني والذي رفض التنازل عن فلسطين لليهود، الطويلة نسبيًّا، لهاتَيْن الفئتَيْن اللتَيْن التقت مصالحهما في إسقاط دولة الخلافة، بالتأثير على واقع الدولة العثمانية، كلٌّ بحسب مخططه واتجاهه، وإن التقيتا في ضرورة إضعاف الدولة العثمانية ثم إسقاطها، حتى تم ذلك في العام 1924م، على يد مصطفى كمال "أتاتورك"، الذي كان لانتصاراته العسكرية على الجيوش البريطانية في معركة قلعة جناق قلعة، عام 1915م، ثم على اليونان، في الحرب التركية اليونانية عام 1922م، أبلغ الأثر في تدعيم مشروعه لإلغاء دولة الخلافة.

"السعي لتحرير فلسطين، وهدم المشروع الصهيوني فيها، هو الخطوة الرئيسية لاستعادة عزة المسلمين ووحدتهم وخلافتهم"

وفي غضون أقل من أربعة وعشرين عامًا فقط من سقوط دولة الخلافة الإسلامية، تم إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية، عام 1948م، وفيما استغرقت أول موجة من موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين أو مجتمع "العالياه اليهودي"، كما يطلقون عليها في الأدبيات الصهيونية، حوالي ثمانين عامًا قبل انهيار دولة الخلافة؛ فإن الموجتَيْن الثانية والثالثة، وإعلان دولة الكيان الصهيوني في فلسطين، بعد دولة الخلافة، كلها لم تستغرق فترة ربع قرن.

إذًا، الشاهد تاريخيًّا، الارتباط العضوي الوثيق بين معركة سقوط دولة الخلافة، وبين سقوط فلسطين، وبعبارة أخرى، فإن السعي لتحرير فلسطين، وهدم المشروع الصهيوني فيها، هو الخطوة الرئيسية لاستعادة عزة المسلمين ووحدتهم وخلافتهم.

ولعل هذا أحد أهم الأمور التي يجب أن تكون مطروحة في البرامج التربوية، ومن جانب الأئمة والمفكرين والدعاة، خصوصًا من الذين ينتمون إلى الحركات الإسلامية، التي تطرح مشروعًا إصلاحيًّا طول المدى زمنيًّا، مثل الإخوان المسلمين، يبدأ بإصلاح الفرد المسلم، وينتهي باستعادة دولة الخلافة، وعودة الإسلام إلى قيادة العالم، وإخراجه من الظلمات إلى النور.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • النكبة
  • فلسطين
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

    شاهد أيضاً

    لن يحول قمعكم دون حريتنا

    في كل يوم تتجلى مظاهر عديدة تؤكد على أننا نخوض صراعاً شرساً ومستمراً في سبيل …