الأسطل: ألوان العبادة في ليلة القدر خير من جهاد السابقين ألف شهر

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » الأسطل: ألوان العبادة في ليلة القدر خير من جهاد السابقين ألف شهر
يونس الأسطل8

إذا كان قد ذهب من هذا الشهر أكثره، فقد بقي فيه أجلّه وأخيره، لقد بقي فيه العشر الأواخر التي هي زبدته وثمرته، وموضع الذؤابة منه.

ولقد كان رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يعظّم هذه العشر، ويجتهد فيها اجتهاداً حتى لا يكاد يقدر عليه، كان يفعل ذلك وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر، فما أحرانا نحن المذنبين المفرّطين أن نقتدي به، فنعرف لهذه الأيام فضلها، ونجتهد فيها، لعل الله أن يدركنا برحمته، ويسعفنا بنفحة من نفحاته، تكون سبباً لسعادتنا في عاجل أمرنا وآجله.

فما هو فضل العشر الأواخر من رمضان؟ وكيف يمكن إحياؤها؟ وهل يُفضل إعطاء الصدقات في العشر الأواخر من رمضان، أم أن قيام ليالي تلك الأيام بالصلاة والذكر هو المميز فقط؟ وما هو المطلوب من أئمة المساجد والمشرفين داخل المسجد، من أجل إنجاح قيام الليالي العشر؟

هذه الأسئلة وغيرها، أجاب عنها عضو رابطة علماء فلسطين، ورئيس دائرة الإفتاء سابقاً، الدكتور يونس الأسطل في حواره لموقع “بصائر”، فإلى نصّ الحوار:

بصائر: بداية، ما هو فضل العشر الأواخر من رمضان؟

"كل أنواع الطاعة تصلح أن تكون مجالاً للعبادة في هذه العشر الأواخر، لكن عبادة الليل يستحب فيها الإكثار من صلاة القيام، ومن قراءة القرآن"

د. الأسطل: لاشك أن النبي-صلى الله عليه وسلم- كان يخص العشر الأواخر بالطاعات التي لم يكن يجتهد بمثلها في بقية السنة، ومن أجل ذلك فإنه كان يعتكف العشر الأواخر كلها، ففي الصحيحين من حديث عائشة: (كان رسول الله إذا دخلت العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله)، والمقصود بشد المئزر، الكناية عن التشمير للاجتهاد بالعبادة، فضلاً عن اعتزال النكاح، بحكم أن المعتكف في المسجد لا يجوز له مباشرة الأزواج. ومن هنا فإن كل أنواع الطاعة تصلح أن تكون مجالاً للعبادة في هذه العشر الأواخر، لكن عبادة الليل يستحب فيها الإكثار من صلاة القيام، ومن قراءة القرآن، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل:1-4].

إن السر بالاهتمام بهذه العشر على هذا الوجه كونها تحتوي على ليلة القدر وهي خير ليالي السنة على الإطلاق، وأن يوم عرفة هو خير أيام السنة مطلقاً، ومن المعلوم أن العبادة في هذه الليلة خير من ألف شهر، والألف شهر يساوي 83 سنة وأربعة أشهر، وهذا رقم لا يكاد يصل إليه إلا عدد محدود من الناس في هذه الأمة، أي أن يعيش بعد البلوغ والتكليف 83 سنة أو يزيد، وهو في طاعة الله فلا يكون له معصية أو فسوق.

بل إن بعض الروايات تشير إلى أن سبب هبة الأمة لهذه الليلة، أن النبي –عليه الصلاة والسلام- علم أن رجل من بني إسرائيل قد لبس السلاح ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فنزلت الآية {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:1-3]، أي خير من ألف شهر التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل الله، فيكون فضل هذه الليلة، أن ألوان العبادة فيها خير من جهاد السابقين ألف شهر.

"من وفق بإحياء ليلة القدر بكاملها عبر اعتكاف العشر الأواخر يكون قد أضاف إلى رصيده من الحسنات ما يزيد على رصيد عمره كاملاً"

ونحن نعلم أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، أي من أعظم العبادات أجرًا، وأن ذروة السنام تعني ذروة الأجر، هذا على القول بأن الألف شهر نص يراد به تحديد العدد، ولكن هناك قول آخر بأن ذكر الألف المطلق للتكثير، استناداً إلى أن القرآن الكريم استعمل رقم الألف للتذكير في قول الله تعالى عن اليهود: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} [البقرة:96]، والمقصود لو يعمر آلاف السنين، وعلى هذا التأويل تكون ليلة القدر خيراً من آلاف الشهور، أي أن ثواب العبادة فيها ثواب خيالي.

وحتى لو على الصعيد الأول، فإن من وفق بإحياء هذه الليلة بكاملها عبر اعتكاف العشر الأواخر يكون قد أضاف إلى رصيده من الحسنات ما يزيد على رصيد عمره كاملاً، فإذا وفق لأن يصيب ليلة القدر في كل عام، قائماً وساجداً يحظى بالآخرة ويرجو رحمة ربه، فإنه عندئذ سيكون أعظم البشر أجراً.

بصائر: كيف يمكن اغتنام العشر الأواخر من شهر رمضان؟ وما هي أهم الأعمال الواجب القيام بها في هذه الليالي الكريمة؟

د. الأسطل: ينبغي اغتنام فضل هذه الأيام الكريمة علي قدر المستطاع و اتباع سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بإحياء هذه الليالي بالعبادة والاعتكاف في المساجد لمن يستطيع، والدعاء وقراءة القرآن والطاعات وتحري ليلة القدر، واختتام فريضة الصيام بأداء زكاة الفطر. لننال أفضال هذه الأيام المباركة ولا نحرم أفضالها. وينبغي ألا نتكاسل عن العبادة في تلك الأيام وألا نؤجلها فإنها خير أيام العام، وإذا مضت فهي لا تعوض ولا يحرم أفضالها إلا محروم وينبغي ألا تمر بنا هذه الأيام ونحن في غفلة عن أفضالها الكريمة وألا نضيع الوقت وألا نفوت الفرص العظيمة فيما لا ينفع ولا يبقي.

بصائر: ما هي أبرز فضائل ليلة القدر؟

د. الأسطل: لعل من المناسب أن أشير إلى جملة فضائلها التي ذكرت في سورة القدر، وفي صدر سورة الدخان كذلك، فقد ابتدأت سورة القدر في تأكيد إنزال القرآن بهذه الليلة، أي أن ليلة احتضنت نزول القرآن الذي به كل خير للأمة، لا شك أنها أفضل الليالي إذ فيها كان ميلاد هذه الأمة، وكان وضع حجر الأساس لهذا الدين، وقد اعتاد الناس أن يحتفوا بمثل هذه الذكريات ما لا يحتفون به في غيرها.

"ليلة القدر هي الليلة التي احتضنت نزول القرآن الذي به كل خير للأمة، وكان فيها ميلاد الأمة، ووضع حجر الأساس لهذا الدين"

وأما الفضيلة الثانية، فهي كونها خيراً من ألف شهر، وقد عرفنا ما دار حولها من تقولات.

وأما الفضيلة الثالثة – قوله تعالى: {تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} [القدر:4]، والمقصود بالروح هو جبريل -عليه السلام- وهو الذي كان ينزل بالقرآن على النبي -عليه الصلاة والسلام- فأراد الله أن يكرم هذه الأمة بما أكرم به نبيها، فجعل جبريل يتنزل عليها في ما لا يحصى كثرة من الملائكة، ولعل السر في هذا هو أن يباهي الله بنا ملائكته، فقد قالوا عن البشر {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ..} [البقرة:30]، فأراد الله أن يثبت لهم أنه يعلم ما لا يعلمون من خلال أولئك القائمين العاكفين الركع السجود، ومن حكمه أيضاً أن تشهد لنا يوم القيامة في قيامنا الليل، وأن تؤمن على دعائنا. فإن من أمنت على دعائه الملائكة كان حرياً أن يقبل، ومن وافق تأويله منا تأمين الملائكة له، غفر له ما تقدم من ذنبه.

وأما الحكمة الأخيرة في سورة القدر ففي قوله تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر:5]، والمعنى أن الله عز وجل لا يُقدر في هذه الليلة إلا السلام والخير، وأما مقاديرنا التي تأخذ من اللوح المحفوظ وتدفع إلى الملائكة الموكلة بتطبيقها خلال السنة، نرجو أن تكون كلها سلاماً علينا، وقد قال عن هذه الليلة المباركة {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4]، أي أن كل أمر أحكم وقوعه وقدر حصوله، يفرط من اللوح المحفوظ ويدفع إلى الملائكة الموكلة بإيقاع الكون.

بصائر: ما السر وراء تسمية ليلة القدر بهذا الاسم؟

د. الأسطل: ربما كان من المناسب أن أشير إلى أن ليلة القدر قد سميت بهذا الاسم لأحد أسبابٍ ثلاثة: إما لأن القدر هو الشرف، وهذه الليلة هي أشرف الليالي، وإما لأن القدر هو المشيئة الإلهية، أي ما كتب في اللوح المحفوظ من المقادير، وقد خلق الله لنا كل شيء بقدر كما وأن كل شيء عنده بمقدار، أما السبب الثالث، بمعنى الضيق لأن الأرض تضيق بمن عليها في هذه الليلة لكثرة من ينزل عليها من الملائكة، أو لأن الله حين أخفاها في العشر الأواخر وفي الوتر منها، كان قد ضيق على العباد بعض الشيء ليجتهدوا في كل تلك الليالي حتى يجزموا بإصابتها، ولها مظاهر كثيرة، كإخفاء ساعة الاستجابة يوم الجمعة لندعوه طيلة النهار، وإخفاء اسمه الأعظم لندعوه بكل أسمائه الحسنى وما شاكل ذلك.

بصائر: هل يُفضل إعطاء الصدقات في العشر الأواخر من رمضان، أم أن قيام ليالي تلك الأيام بالصلاة والذكر هو المميز فقط؟

د. الأسطل: لا شك أن الصدقة في رمضان كله أعظم أجراً منها في بقية السنة، وأما إخراج الصدقة في العشر الأواخر بنية إصابة ليلة القدر تكون أعظم أجراً منها في العشرين الأولى من رمضان، ولهذا فإن ثواب العبادة يرتبط بفرض الوقت أكثر من ارتباطه بالزمان، بمعنى عندما يكثر الفقراء والمساكين، تكون عبادة الصدقة أفضل من نافلة الصلاة، وعندما تُداهَم أرضُنا كما حصل في عدوان الصهاينة، والحلف العربي، ومن ورائهم في شهر رمضان الماضي، يكون بعض صمود الشعب واحتضان المقاومة أكثر أجراً من سائر العبادات، كما أن البخيل مثلاً صدقته أفضل من نافلة صيامه وقيامه، بينما الكريم المعطاء تكون عبادته الأخيرة أعظم أجراً، والسر في هذا أن العبادة كلما كانت ثقيلة على النفس كانت ثقيلة في الميزان، أي أن ثوابها أعظم، ولهذا لما كانت الشهوات المحرمة خفيفة على النفس، كانت سبباً في خفة الموازين والله أعلم.

بصائر: كيف يمكن للمرأة أن تحيي العشر الأواخر من رمضان؟

"المرأة المتزوجة التي يحتاجها بيتها على مدار الساعة كوجود أطفال رضع أو صغار، تكون طاعتها وعبادتها في بيتها أشبه بثواب الرباط؛ لأنها قائمة على تربية الجيل الذي يرث العبادة والدعوة والجهاد"

د. الأسطل: هنا يجب أن نفرق بين المرأة المتزوجة التي يحتاجها بيتها على مدار الساعة كوجود أطفال رضع أو صغار، فتكون طاعتها في بيتها أشبه بثواب الرباط؛ لأنها قائمة على تربية الجيل الذي يرث العبادة والدعوة والجهاد من بعدنا بخلاف المرأة التي تقدم بها السن أو لم ترزق الولد أو لم تتزوج أصلاً للصغر أو العنوسة، وهذه بإمكانها أن تلتحق بقيام الليل في المساجد والجمعيات التي تحيي الليل، بشرط الاحتشام وأمن الفتنة؛ لأن المساجد ليست وقفاً على الرجال. وينبغي أن يكون للمرأة نصيب فيها، لحاجتها إلى تجديد إيمانها وطاعة ربها، وللازدياد من العلم والتقوى، ويمكن لبعض الأخوات اللاتي يسكنَ في عمارة واحدة، أو في بيوت متجاورة أن يجتمعن في بيت متسع لإحداهن بحيث إذا احتاجت الرجوع إلى بيتها تستطيع الوصول بسرعة لكي تقوم بتنويم أولادها مثلاً، إذا بُلغت باستيقاظهم، فيمكنها أن تصل بشكل يسير.

بصائر: ما هي رسالتك لأئمة المساجد والمشرفين التربويين داخل المسجد، من أجل إنجاح قيام الليالي العشر؟ -وبمعنى آخر- ما هو المطلوب منهم توفيره لجذب الشباب على استغلال هذه الأيام؟

د. الأسطل: إنه من الواجب أن يقيموا كل المحفزات المقدور عليها بالمساجد، وأماكن قيام الليل بدءاً بالدعوة والموعظة الحسنة والمحفزات المعنوية كالوعظ والإرشاد، مروراً بتوفير أئمة ذوي أصواتٍ ندية، وليس انتهاءً بتوفير ضيافة كالماء البارد وبعض المشروبات الساخنة مثلاً.

بصائر: ما هي نصيحتك للشباب لما بعد رمضان؟ -لأن هناك بعض الشباب يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً-؟

د. الأسطل: ينبغي أن نحافظ على ثمار رمضان، وذلك بالآتي:
أولا- التمسك بنافلة الصيام وأهمها الستة أيام من شوال وثلاثة أيام من كل شهر.

"الأسطل: رمضان دورة تجريبية لما بعدها من الواجبات، ووجوه الشبه بين الصيام والجهاد كثيرة، والمفروض أن يستمر الصوم، ولكن عن المحرمات المؤبدة"

ثانياً- نافلة القيام وأقلها صلاة ركعتين بعد صلاة سنة العشاء وقبل الوتر، وأضعف الإيمان الحرص على شهود صلاة العشاء في جماعة وكذا الفجر.

ثالثاً- الاستمرار على برنامج التلاوة والتدبر، ولو بالحد الأدنى، كجزء من القرآن، باليوم ولو كان أقل من ذلك. المهم هو المداولة فإن أحب الأعمال عند الله أدومها وإن قل، وبعد ذلك الاستمرار بالصدقة بما توفر، بحيث لا يمر أسبوع إلا يتصدق بشيء من وسعه.

رابعاً- الحرص على أذكار الصباح و المساء والأحوال المختلفة.

خامسا- الانتباه إلى أن رمضان دورة تجريبية لما بعدها من الواجبات، وقد نصت سورة البقرة على القتال في سبيل الله، بعد آيات الصيام، بسبب أن الصوم دورة جهادية نقود فيها المعركة مع أنفسنا والشيطان والدنيا، فإذا انتصرنا بالصيام، كنا قد غيرنا ما بأنفسنا وعندئذ فإننا قادرون على تغيير الواقع؛ لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، ووجوه الشبه بين الصيام والجهاد كثيرة، والمفروض أن يستمر الصوم، ولكن عن المحرمات المؤبدة، كأكل أموال الناس بالباطل والإدلاء بها الى الحكام ليأكلوا طريقاً من أموال الناس بالإثم وهم يعلمون، والله أعلم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

بصدور عارية.. المقدسيون يواجهون مخطط “الكاميرات والبوابات”

في تلك المدينة الفاضلة، حيث لا سيادة سوى لنبض الإنسان الذي يعرف كيف تصنع الكرامة. …