المباهاة بموائد رمضان المُتخمة بالطعام بين الكراهة والتحريم

الرئيسية » بصائر تربوية » المباهاة بموائد رمضان المُتخمة بالطعام بين الكراهة والتحريم
تبذير17

إطعام الطعام له أجرٌ عظيم وثوابٌ كريم، وأغلبُ العائلات في رمضان يزداد مصروفها فيما يتعلق بالإفطار، فما أن يأتي فطور رمضان حتى تتلون المائدة بأشكالٍ وألوانٍ متعددة من المأكولات والمشروبات، وصحيح أن شهر رمضان هو شهر الجود والخيرات والكرم، لكنَّ هذا الكرم قد يتحوَّل في أحيانٍ كثيرة وفي معظم البيوت إلى حالة من الإسراف والبذخ والتبذير غير المبرر، فهل يعد ذلك مجرد عادة سيئة أم أنها ثقافة.

إسراف "أم خالد" واستنكار زوجها

أم خالد ـــوهو اسم مستعارــــ لربة منزل، عُرفت بين صديقاتها وجيرانها بكبريائها وإسرافها في كل شيء، فمنذ أن علمت "أم خالد" بأن زوجها دعا أهله وإخوته برفقة زوجاتهم لحضور طعام الإفطار، ثالث أيام رمضان المبارك في بيتهم، حتى أعدت قائمةً بعشرات الأنواع من الأطباق والمقبلات والحلويات لإعدادها في ذلك اليوم حتى تستعرض إنجازاتها أمام ضيوفها .

وما إن رأى زوجها -أبو خالد- تلك القائمة حتى انهال على زوجته باتهامها بالمسؤولية عن الإسراف الذي يرافق الكثير من موائد الإفطار التي تعدها خلال شهر رمضان المبارك.

وعند سؤال أم خالد عن سبب إعداد كل تلك الأصناف التي يمكن الاستغناء عن أكثر من نصفها، قالت: "أعتقد أن رمضان شهر الجود، والخيرات، والكرم وهو شهر التلذذ بأصناف الطعام غير المعتادة في الأيام العادية نظراً لتجمع العائلة بأكملها على سفرة واحدة، ولكثرة الضيوف القادمين إلينا في ذلك الشهر ويجب علي أن أبدع في كل أطباقي".

ولفتت قائلةً: "أنا كربة أسرة لا أستطيع أن أقلل من كميات الطعام الذي أعده في العزائم لأنه يرتبط بالعادات والتقاليد التي تُربط دائماً بين زيادة الطعام والكرم".

وأضافت أنها تعمدت شراء أوانٍ جديدة لتقديم الوجبات؛ في ذلك اليوم، بالرغم من التكلفة الإضافية على المصروف العائلي، "لكن ذلك يهون في سبيل الأناقة والمنافسة والاستعراض أمام ضيوفها في شكل ووضع الموائد" -بحسب قولها-.

تنسيق وتفاهم

أما هدى النواتي 32 عاماً ترفض كل أنواع التباهي بالموائد وخاصةً في شهر رمضان، مشيرةً إلى وجود مفاهمة وتنسيق دائم بين أفراد الأسرة قبل الدخول إلى المطبخ، "بسؤالهم عن الأكل الذي يرغبون في تناوله، فيتم تحديد صنفين أو ثلاثة أصناف متنوعة، ليتم طبخها بكميات قليلة حتى لا يبقى شيء بعد الافطار".

ونصحت النواتي ربات البيوت بأن تكون الوجبات في حدود المعقول، "وأن نقلل من الأصناف ونكتفي بصنفين أو ثلاثة لتجنب الزيادة في طعام الإفطار، لأن ما يزيد آخرته يذهب إلى سلة القمامة".

إكرام الضيف لا يعني الإسراف

د. ماهر الحولي: ما يقوم به المجتمع اليوم هو إسراف يستوجب إرساء ثقافة توعوية إرشادية، لذلك ينبغي أن نقلل من الطعام حتى تكون لدينا قوة للعبادة والقيام.
د.الحولي: ما يقوم به المجتمع اليوم هو إسراف يستوجب إرساء ثقافة توعوية إرشادية، لذلك ينبغي أن نقلل من الطعام حتى تكون لدينا قوة للعبادة والقيام.

يقول الدكتور ماهر الحولي عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة، لــ"بصائر": “إن التبذير صفة مذمومة، فالله سبحانه وتعالى ذم المبذرين وجعلهم اخواناً للشياطين، فإطعام الصائم عموماً يجب أن يكون على جرعة ماء وتمرة ولبن، وهذه كافية، ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) (رواه الترمذي).

لذلك ينبغي أن نقلل الطعام في رمضان حتى تكون لدينا قوة للعبادة، وقيام رمضان، وما يقوم به المجتمع اليوم هو إسراف يستوجب إرساء ثقافة توعوية إرشادية، لنجعل رمضان خفيفاً على الأبدان، ثقيلاً في الميزان".

وأضاف الحولي "نحن مطالبون بإكرام الضيف وتقديم أفضل الطعام إليه خاصة أن لشهر رمضان خصوصية في اجتماع الأهل والأصدقاء والالتفاف حول مائدة الإفطار"، مستدركاً لكن يجب ألا يمنعنا هذا كله من الحد في الإسراف في الطعام وأن نضع نصب أعيننا أن هناك من هو بأمس الحاجة إلى الطعام وأن هناك من يموت جوعاً".

الإسراف.. بين الكراهة والتحريم

وشدد على أن الاسراف في رمضان يتراوح حكمه بين الكراهة والتحريم، قائلاً: “يجب على الناس أن ينتبهوا لهذه الأمور، وأن ينظروا إلى محاسن الشريعة الإسلامية باتباع الوسطية بالإنفاق”، وضرورة أن يكون الإسراف في دائرة المعقول، وألا يكون خارجاً عن المألوف.

وبين الحولي أن هناك بيوتاً تصرف جهدها الذهني والبدني في الطعام، ليصبح رمضان شهر البدانة والشراهة، لافتاً إلى أن فعل ذلك يعقبه قسوة القلب، وتنشغل المسلمة عن أداء صلاة التراويح في منزلها، وعن قراءة ما تستطيع من القرآن.

إعداد الطعام عبادة

"هناك بيوتاً تصرف جهدها الذهني والبدني في الطعام، ليصبح رمضان شهر البدانة والشراهة، وفعل ذلك يعقبه قسوة القلب، وتنشغل المسلمة عن أداء صلاة التراويح وقراءة القرآن"

واسترسل "كما أن هناك بيوتاً تعتقد أن صنع الطعام الواجب لأفراد البيت من المعاصي ومن تضييع الأوقات، لذا تلزم أفرادها بالتقشف الجبري بحجة وجوب ذهاب الزوجة لصلاة التراويح في المسجد، ثم اعتكافها آخر الشهر، ووجوب ختم القرآن يومياً، وكلا الصنفين لم تفقه فيه ربات البيوت حقيقة أن صنعها للطعام الواجب لأفراد أسرتها هو من العبادة ومن حقوقهم عليها".

وأردف الحولي قائلاً: “يجب أن نضع نصب أعيننا ونحن نستقبل شهر رمضان الفضيل أن الزيادة في إعداد الطعام على الموائد الرمضانية من أجل إطعام الطعام وليس لرميه في سلة القمامة"، مشيراً إلى أنه في حالة زاد الطعام عن حاجة الأسرة يجب أن يتم إعادة ترتيبه بشكل جيد وتقديمه للفقراء أو توزيعه عند المساجد للمحتاجين، أو أقل ما يمكن فعله أن يقدم طعاماً للحيوانات، والمهم ألا يتم إلقاؤه في سلة المهملات فهذا الطعام نعمة ورزق من الله سبحانه يجب أن يحافظ عليها المسلم".

وقال الحولي: إن الله جل وعلا أباح الأكل والشرب والتمتع بالطيبات، ولكن أرشدنا سبحانه وتعالى إلى الطريق السليم الواجب أن نسلكه بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشُّورى: 27].

الآثار المترتبة على الإسراف

وأكد الحولي أن للإسراف آثاراً صحية وقبلها آثاراً دينية واجتماعية واقتصادية، "أما آثاره الدينية فمعصية الله سبحانه وتعالى بارتكاب الإسراف الذي نهى عنه جل وعلا، وأما الآثار الصحية فإن من يسرف في الأكل والشرب، مهدد بأمراض ربما تكون خطيرة منها السمنة وأمور لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

وحول الآثار الاقتصادية أوضح أنها متمثلةً في إهدار أموالٍ كثيرة وذلك بإتلاف أطعمة طيبة وحرمانها مستحقيها، بالإضافة إلى إغاظة الفقراء وذلك عندما يجد الفقير من ذلك الغني الجفوة وعدم الاهتمام به ويراه يتلذذ بكل الأصناف ويهمله ثم يقوم الغني برمي كثير من فضلات الطعام في أماكن النفايات مهدراً ما يمكن صرفه للجمعيات الخيرية.

الفرق بين الكرم والإسراف

وأكد الحولي على ضرورة أن يفرّق الناس بين الإسراف والكرم، فالكرم محمود وكان أكرم الكرماء محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان"، فإنفاق المال الكثير ووضع الأطعمة الفاخرة المتنوعة بكثرة وتوزيعها على الفقراء والمساكين في غاية الكرم وليس من الإسراف في شيء.

ونصح الحولي ربات البيوت بضرورة أن يضعن نصب أعينهن -وهن يُردن إعداد الطعام- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)﴾، [سورة الفرقان: الآية 67].

غياب ثقافة الاستهلاك

معين رجب: لماذا لا يكون رمضان شهراً للانتصار على الذات من خلال تحقيق مكاسب اقتصادية ذاتية؟"
رجب: لماذا لا يكون رمضان شهراً للانتصار على الذات من خلال تحقيق مكاسب اقتصادية ذاتية؟

ومن جهته، قال المحلل الاقتصادي معين رجب لـ "بصائر": “إن الفرد يستهلك من الطعام ما يفوق حاجته بكثير، ما يؤدي إلى هدر أكثر من 50% منه، ترمى دون استهلاك (مخلفات مناسبات)، وهذه النسب المرتفعة من الهدر تتسبب في استنزاف ميزانية الفرد التي ترهقه فوق طاقته في الوقت الذي من الممكن أن نوفر منها لو رشدنا في استهلاك الطعام".

وأضاف أن أغلب المواطنين تغيب عنهم ثقافة الاستهلاك المعتدل للطعام، والسبب بحسب رجب "يعود إلى تحضير عدد كبير من الأطباق تفوق حاجتهم اليومية، كذلك تكمن المشكلة في التفاخر والتباهي عند بعض ربات البيوت، فكم أصناف من المواد الغذائية المختلفة طبختها في فطورها وهي صائمة، فتنال ثناءً ومدحاً وشكراً من الأهل والأصحاب"، مؤكداً على ضرورة تكثيف الحملات التوعوية لدى ربات البيوت.

وينوه رجب إلى ضرورة عمل موازنة في شهر رمضان، متسائلاً: “لماذا لا يكون رمضان شهراً للانتصار على الذات من خلال تحقيق مكاسب اقتصادية ذاتية؟".

"رمضان شهر عبادة، وليس شهراً للتباهي والتفاخر بكم المأكولات وحجمها والتي توضع على المائدة، فلا داعي للتبذير في ظل وجود أزمة اقتصادية تعصف بالجميع"

ويعتبر رجب أن شهر رمضان فرصة لتحقيق ترشيد أفضل، من خلال ترتيب سلم الأولويات، مستشهدا بقوله تعالى: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا}، معتبراً اياها القاعدة القرآنية في ميزان الترشيد على المستوى الفردي والعام.

ولفت إلى أن هذا الشهر هو شهر عبادة، وليس شهراً للتباهي والتفاخر بكم المأكولات وحجمها والتي توضع على المائدة، "فلا داعي للتبذير في ظل وجود أزمة اقتصادية تعصف بالجميع"، على حد وصفه.

وأوضح رجب أن القاعدة الاقتصادية للإنفاق "تنص على وجوب تحديد الأولويات وفق الميزانية المتاحة"، مضيفاً أن الإسراف يرتبط بثقافة الفرد والمحيط الذي نشأ فيه، فإذا كان منذ صغره اعتاد مثلاً على ترشيد الإنفاق، وتحديد أوجه الصرف، ومتابعة نفقاته، سينعكس ذلك إيجاباً على حياته العملية المستقبلية، في حين إذا اعتاد العكس سيهدد ذلك استقراره العائلي والعملي".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

المعاهد الإسلامية في إندونيسيا.. مئات الآلاف من الطلبة في مواجهة التنصير

خلايا النحل المنتشرة في آلاف معاهد تحفيظ القرآن في #إندونيسيا تثير الإعجاب، مئات الآلاف من …