الأسرى في اتفاقيات أوسلو وظلم ذوي القربى!

الرئيسية » ملفات خاصة » الأسرى والمعتقلون » الأسرى في اتفاقيات أوسلو وظلم ذوي القربى!

تُعْتَبر اتفاقيات أوسلو نقطة فارقة في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة، مع ما أحدثته من تحولات سياسية وقانونية في صيرورات القضية الفلسطينية.

والغريب أنه على أهمية هذه الاتفاقيات – مهما كان الموقف القيمي منها، ومن فكرة التسوية والاعتراف بالعدو الصهيوني – فإن ملف الحركة الأسيرة، برغم كل ما له من تبعات قانونية وسياسية، وكانت تستوجب ضمه إلى وثائق عملية أوسلو بين الفلسطينيين واليهود؛ شهد إما تجاهلاً أو تقصيرًا في التناول في هذه الاتفاقيات، وترك كملف لـ"حسن النوايا" بين الجانبَيْن بحسب تعبير للباحث الفلسطيني إبراهيم أبو الهيجاء.

وحتى ما تم تدارك هذا الأمر فيه، لم تلتزم دولة الاحتلال به، ضمن مخالفاتها العديدة للقانون الدولي فيما يخص مختلف جوانب القضية الفلسطينية.

فدولة الاحتلال من الدول الموقعة على العهد الدولي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948م، واتفاقيات جنيف الأربع لحقوق الإنسان في وقت الحرب الصادرة في العام 1949م، وبروتوكلَيْها الصادرين في العام 1977م، ومن بينها اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بحقوق الأسرى، والرابعة المتعلقة بمعاملة المدنيين في وقت الحرب وفي الأراضي المحتلة.

"وقعت دولة الاحتلال على العديد من الوثائق التي تمنع من التعرض للأسرى بالتعذيب أو الإهانة أو أي شكل من أشكال الإهانة، إلا أن ممارساتها المستمرة خلت من أي التزام بما وقعت عليه"

وكل هذه الوثائق تمنع بالقطع التعرض لأسرى الحرب والمعتقلين الإداريين داخل الأراضي المحتلة، بالتعذيب أو الإهانة أو أي شكل من أشكال سوء المعاملة، وكذلك تفرض على قوات الاحتلال حماية المدنيين وممتلكاتهم وعدم استهدافها، وبطبيعة الحال فإن الممارسة الدولة الاحتلالية طيلة عقود الصراع خلت من أي احترام لتلك القواعد.

نظرة عامة على ملف الأسرى وتطوره:

بدأت مشكلة ملف الأسرى في الظهور بعد احتلال دولة الاحتلال للضفة الغربية وقطاع غزة بعد حرب حزيران/ يونيو من العام 1967م؛ حيث بدأت دولة الاحتلال في تنفيذ سلسلة من العمليات لأخذ أسرى من بين الفدائيين الفلسطينيين والعرب الذين كانوا يتسللون عبر حدود فلسطين مع الدول العربية المجاورة، والتي هدفت إلى تحقيق مجموعة من الأهداف ذات الطابع السياسي والأمني.

ومن بين هذه الأهداف تحجيم احتمالات ظهور مقاومة فلسطينية فعالة داخل المناطق المحتلة في العام 1967م، وبما يترتب على ذلك من أوضاع سياسية وأمنية لا ترغب فيها دولة الاحتلال، ومن بينها دعم حضور القضية الفلسطينية لدى الرأي العام العربي والإسلامي، وظهور قيادات سياسية فلسطينية تتحدث باسم القضية.

كما هدفت دولة الاحتلال من وراء ذلك إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وضمان البقاء فيما احتلته من أراض في هدوء عسكري وأمني نسبي.

وبطبيعة الحال فقد أثبتت تطورات الأحداث بعد ذلك خطأ وجهة نظر الكيان الصهيوني، وفشل مثل هذه السياسات؛ حيث ظهرت القيادات السياسية الوطنية والإسلامية التي قادت العمل السياسي والمقاوم الفلسطيني.

كما تطورت أدوات عمل المقاومة الفلسطينية حتى ظهرت العمليات الفدائية في السبعينيات والتي وصلت إلى قلب تل أبيب ذاتها، كما أخذت المقاومة بُعدًا عالميًّا مثل ما قام به الجيش الأحمر الياباني في قلب فلسطين المحتلة عام 1948م، ثم جاءت مرحلة العمليات الاستشهادية التي ضربت في مقتل نظرية الأمن الدولة الاحتلالي في الداخل.

"فشل الكيان الصهيوني في قتل الإرادة الفلسطينية من خلال أسر أبناء الشعب الفلسطيني، حيث انخرط الكثير منهم في العمل المقاوم ضده فور خروجهم من الأسر"

وبعض من قاموا بمثل هذه العمليات كانوا من الأسرى الفلسطينيين السابقين في سجون الاحتلال، أو لأجل الإفراج عن الأسرى لدى دولة الاحتلال، وهو ما يعني فشل دولة الاحتلال في قتل الإرادة الفلسطينية.

ومنذ العام 1948م، وحتى وقتنا الراهن، طالت عمليات الأسر أكثر من 820 ألف فلسطيني، بعضهم اعتقل خمس مرات فأكثر.
وقد مرت الحركة الأسيرة الفلسطينية بالعديد من المراحل والتطورات، وكانت خاضعة في كثير من الأحيان لتقلبات السياسة، فمنذ العام 1967م، مرت الحركة الأسيرة بـ6 مراحل رئيسية، هي:

- من العام 1967م، وحتى العام 1980م، عندما أوقفت دولة الاحتلال سياسة الاعتقال الإداري مؤقتًا تبعًا لتطورات عملية السلام مع مصر، والتي كان من المنْتظر أنْ تشارك فيها منظمة التحرير الفلسطينية، ولكنها لم تفعل.

- من العام 1980م، وحتى العام 1985م، عندما عادت دولة الاحتلال إلى تطبيق سياسة الاعتقال الإداري، وظهور بواكير الانتفاضة الأولى.

- من العام 1985م، وحتى العام 1993م، عندما بدأت عملية أوسلو.

- من العام 1993م، وحتى العام 2000م مع بداية انتفاضة "الأقصى" الثانية.

- من العام 2000م، وحتى العام 2006م، عندما تم أسر جلعاد شاليط في عملية "الوهم المتبدد" في حزيران/ يونيو 2006م.

- من العام 2006م، وحتى الآن، والتي شهدتْ سياسةً صهيونيةً جديدةً تقوم على أساس اعتقال نواب ووزراء في حكومة حماس بعد فوز الأخيرة في انتخابات كانون الثاني/ يناير 2006م التشريعية.

وشهدت السنوات الأخيرة عددًا من عمليات التبادل، من بينها صفقة الأسيرات المحررات في أيلول/ سبتمبر وتشرين أول/ أكتوبر 2009م، ثم صفقة "وفاء الأحرار"، في العام 2011م، والتي تم بموجبها الإفراج عن الجندي شاليط، في مقابل 1037 من أسرى وأسيرات فلسطين الأبطال، في سجون الاحتلال.

ويدور الآن حديث في الأوساط الفلسطينية والصهيونية، عن احتمالات إتمام صفقة مماثلة، لتبادل أسرى بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال، مقابل جنود أسرى وجثث لجنود دولة الاحتلال، موجودين الآن في عهدة كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، ومن بينهم الجندي شاؤول آرون، والجندي ذو الأصول الإثيوبية، أبراهام منجستو، الذي أثار الكشف عن أسره، أزمة كبرى داخل الكيان الصهيوني، بسبب اتهامات بتجاهل ملفه، تبعًا لأصوله الأفريقية.

ولقد لعبت التطورات السياسية دورها في رسم مسارات الحركة الأسيرة، ففي البداية كان الأسرى غالبيتهم من حركة فتح وفصائل منظمة التحرير، وبعد الانتفاضة الأولى تزايدت نسبة الأسرى والمعتقلين الإسلاميين، وخصوصًا من حركتيْ "حماس" و"الجهاد الإسلامي في فلسطين".

إلا أنه، وبعد عملية أوسلو في مطلع التسعينيات، وما أنشأته من سلطة فلسطينية للحكم الذاتي في بعض أراضي الـ67، تطورت الحركة الأسيرة من مقاتلين فحسب، لتشمل مختلف ألوان طيف الشعب الفلسطيني، بما في ذلك النساء والأطفال، كما شملت الوزراء والنواب ومسؤولي البلديات وسياسيين.

الأسرى في أوسلو وسلوك السلطة:

يرى البعض أن عملية أوسلو وما تمخض عنها من اتفاقيات بين منظمة التحرير الفلسطينية، وبين دولة الكيان الصهيوني، كانت بمثابة خيانة كبرى لقضية الأسرى، وكان لها أبلغ الأثر في دعم إجراءات الدولة الاحتلالية ضد الحركة الأسيرة، والتي وصلت إلى مستوى الإجرام، وليس أقل ذلك، إقرار قانون الإطعام القسري للأسرى مؤخرًا.

"لم يعد أمام الفلسطينيين سوى خوض معركة الشرف الحالية في سجون الاحتلال من دون معين غير الله، وذلك نتيجة لخذلان السلطة لقضيتهم"

ويعود ذلك إلى أن منظمة التحرير، التي هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني –من الناحية القانونية على الأقل– أمام المجتمع الدولي، فرَّطت في حقوق الأسرى، وبالتالي؛ لم يعد أمام دولة الاحتلال أية عوائق سياسية أمام سياساتها الإجرامية في حق الأسرى.

وبالفعل، فنتيجة لهذا الخذلان؛ فإنه لم يعد أمام الفلسطينيين سوى خوض معركة الشرف الحالية في سجون الاحتلال من دون معين غير الله عز وجل – وهو خير معين ومستعان – مثل معركة "الأمعاء الخاوية"، و"#مي_وملح".

وبالنظر في اتفاقيات أوسلو، فإنه منذ "أوسلو-1" في العام 1993م، وحتى "واي ريفر" أو "واي بلانتيشن" في العام 1998م؛ إما أنها خلت، مثل اتفاقية أوسلو الأولى من أية إشارة إلى ملف الأسرى، أو لم تلتزم دولة الاحتلال بما جاء في الاتفاقيات الأخرى في صدد الإفراجات المفترضة عن الأسرى، بينما لم تحرك السلطة الفلسطينية – لكونها ابنة أوسلو – أي ساكنًا في هذا.

فعند التوقيع على اتفاقية "أوسلو-1" أو اتفاق إعلان المبادئ في واشنطن في أيلول/ سبتمبر 1993م، كان لدى دولة الاحتلال 12 ألف وخمسمئة أسير فلسطيني، ولم تنص الاتفاقية على أي شيء في شأنهم.

ثم، وعند التوقيع على اتفاقية "أوسلو-2"، التي عُرِفَتْ باسم "غزة- أريحا أولاً" الموقعة في القاهرة في أيار/ مايو 1994م، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين نحو 10 آلاف و500، واحتوت في المادة "20" منها على ترتيبات للإفراج عن 5 آلاف أسير ومعتقل فلسطيني، ولم تفرج دولة الاحتلال سوى على 4450 فقط، وأمضتهم على تعهدات بعدم العودة إلى أنشطة المقاومة مرة أخرى، وهو ما لاقى انتقادات حقوقية واسعة في حينه.

وفي اتفاقية "طابا"، أو "أوسلو-3"، أيلول/ سبتمبر 1995م، لم تلتزم دولة الاحتلال بالترتيبات التي وردت في المادة "16" منها، سواء في العدد المتفق عليه من بين 6 آلاف أسير كانوا وقتها في الأسر، أو المراحل الخاصة بإطلاقهم.

وحتى مَن تم الإفراج عنهم تلاعبت دولة الاحتلال في أسمائهم لتجاوز بعض الأسماء التي كان من المفترض أن تشملهم الاتفاقية، بعد أن قضوا مدة المحكومية الخاصة بهم، والمنصوص على الإفراج عن أصحابها في بنود الاتفاقية.

أما اتفاقية "واي ريفر"، أو "واي بلانتيشن"، الموقعة في تشرين الأول/ أكتوبر 1998م، وكانت آخر الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بين الطرفَيْن، فقد احتوت على تعهد أمريكي- مع دولة الاحتلال بإطلاق سراح 750 أسيرًا فلسطينيًّا على ثلاث دفعات، بواقع 250 أسيرًا في كل مرة، ولم تفرج دولة الاحتلال سوى عن 250 فقط منهم في تشرين الثاني/ نوفمبر 1998م، وكان من بينهم 165 سجين جنائي، والباقين من الأسرى والسجناء السياسيين.

وفي الأخير؛ فإن الجمهور العام، في فلسطين، وفي العالم العربي والإسلامي، بما في ذلك المجتمع المدني ومُؤسساته، عليه العديد من الواجبات في هذا الصدد، على رأسها العمل على التواصل مع ذوي الأسرى والمعتقلين، ودعمهم ماديًّا ومعنويًّا، وفضح الممارسات الصهيونية داخل السجون والمعتقلات بحق الأسرى أمام الرأي العام العالمي، وحشده ضد هذه الممارسات.

الأمر الآخر، إعداد ملف حقوقي وقانوني كامل مدعومًا بالأدلة من صور وشهادات وخلافه، عن جرائم دولة الاحتلال في هذا الجانب، ورفعه إلى الأمم المتحدة والمُنظمات الحكومية والمُستقلة الأخرى المعنية بحقوق الإنسان في العالم، مع بدء حملة لتوعية الرأي العام العربي والمسلم بما يجري خلف الأسوار الصهيونية، وشن حملة لمقاطعة دولة الاحتلال ومن يدعمونها على خلفية هذه الجرائم، و تنظيم مظاهرات أمام السفارات والممثليات الخاصة بالكيان الصهيوني، خصوصًا في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، للضغط على دولة الاحتلال من أجل الإفراج عن الأسرى.

ويبقى أن الله غالب على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون!..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

لماذا كان الرد الفلسطيني باهتاً تجاه الأقصى؟

على نفس الخطى، تخطو دولة الاحتلال في تعاملها مع المسجد #الأقصى بنفس الطريقة التي تعاملت …