تستحي الأشجار منكم

الرئيسية » بأقلامكم » تستحي الأشجار منكم
1453407_10152206797174643_1979024454_n

ترمقكم في شتائها وأنتم تغدون وتروحون من حولها، فتبتهج لمنظركم وتسعد لمرآكم وقد كسيتم بأجمل الملابس وأبهجها، تغبطكم وأنتم ترتدون كلّ يوم حلّة جديدة وثوباً زاهياً قشيباً، تراقب بلهفة ذلك التنوع الفريد الذي ميّزكم عن سائر خلق الله، تتدثرون بقطن ليّنٍ وكتّان خشنٍ، تتسربلون بالأصواف والجلود والأوبار، وتتزينون بحريرٍ أرقّ من بتلات الأزهار، وتطوّعون الألياف الصناعية للحصول على ما يأخذ بالألباب، ويبهر العقول والأبصار. للفقير منها ما يستره وللغني منها ما يميّزه، للصغير منها ما يفرحه ويبهجه، وللكبير منها ما يزيده هيبة ووقاراً وللمرأة حشمة واستتارا.

وفيما هي تقف عارية قد خبت فيها آثار الحياة.. بهتت ألوانها، وانتصبت شاحبة سيقانها، إذ بفصل الشتاء يلملم شهوره وأيّامه مؤذناً بالرحيل، إنّه الربيع إذن فلتنتعش كل الأشجار، ولتتفتح بكلّ الألوان الأزهار.. ويتبدل الاصفرار بعدها بالاخضرار..

هي الأشجار ذاتها تلوّح لكم أنها في أجمل أيامها، وأسعد حالاتها، فهي ما عادت عارية بمنظر بشع كريه، تتقزز من منظرها النفوس، ما عادت عارية تشي بالموت لا بالحياة.. إنها الآن تتدثر بأجمل كساء وتزهو بأحلى غطاء، ومع الصيف كبرت أوراقها خضراء ناضرة، وامتدت أغصانها في الفضاء محمّلة بثمار يانعة قطوفها دانية، كأنها أتت من جنّة عالية..

ولكن، ماذا دهاكم يا بني آدم؟ أين ما كنتم عليه من جمال وحشمة وبهاء؟ ما الذي جرى لكم لتخلعوا عنكم ألبستكم وتتجرّدوا من ثيابكم كما الحيوانات الضالّة في براريها؟ أيّ صورة بشعة قميئة لكم وأنتم تخلعون لباس الحياء والستر، أيّ منظر مقزز هذا وقد تكشَّفت جذوعكم وأطرافكم كما الخشب المسنّدة أو جذوع الأشجار العارية الممدّدة..

أغرّكم إبليس وأغواكم كما أغوى أبيكم آدم وأمكم حواء من قبل (ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما)؟ فيا لتعاستكم وجهالتكم أيها العراة إذ (إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم).. يا لغبائكم وبؤسكم وأنتم تتشبهون بأهل النّار العراة من كلّ شيء بعد أن يساقوا إلى جهنم زمراً من أرض المحشر وفيها الناس (حفاة عراة غرلاً)، فهم في النار عراة إلا من (قطِّعت لهم ثياب من نار).

إنّهم لا يهنؤون بعريهم ولا يتلذّذون بنزع ثيابهم عنهم، فحتّى جلودهم لا تبقى عليهم طويلاً جزاءً وفاقاً أنّهم لم يستتروا طويلاً، ولم يُبقوا عليهم ثيابهم طويلاً إلا اتّقاء البرد في الشتاء، لا خوفاً من خالق الأرض والسماء.. إنها تتبخّر في السّعير بوعيد الملك القهّار (سوف نُصليهِم ناراً كلّما نَضِجَت جُلُودهم بدَّلناهم جُلُوداً غيرها ليذُوقوا العذاب).

وأيّ فطرة منكوسة تلك التي تجعل التعرّي عندكم متعة وميزة وحضارة، وقد أخبر الله أن من مزايا الجنّة خلوّها من العري والتّعري الذي جعله صنو الجوع والتعب والشقاء بقوله: (إنّ لك ألاّ تجوع فيها ولا تعرى. وأنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى). كما جعل من أعظم متع أهل الجنّة ما يعلوهم من الثياب (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلّوا أساور من فضّة). ثياب قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن يدخلِ الجنَّةَ ينعَمْ لا يبأسْ. لا تَبلَى ثيابُهُ ولا يَفنَى شبابُه). صحيح مسلم.

وأيّ غُبن وخفّة عقل تجعلكم تفرطون في ذلك الثّواب العظيم الذي رصده الله ترغيباً واحتفاءً بمن تمسّك بصبغة الله التي صبغ النّاس عليها، فهو يحمد الله على نعمة السّتر والكساء، كما يحمده على نعمة الطّعام والشّراب والماء، بنص الحديث: "مَنْ أكلَ طعامًا فقالَ: الحمدُ للهِ الَّذي أطعَمَنِي هذا ورزَقنِيه مِنْ غيرِ حَولٍ مِنِّي ولا قوةٍ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ مِن ذنبِه. ومَنْ لَبسَ ثوبًا فقالَ: الحمدُ للهِ الَّذي كَسَانِي هذا ورزقنِيِه مِن غيرِ حولٍ منِّي ولا قوَّةٍ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ". صحيح الترغيب للألباني، حسن لغيره.

ثمّ، أيّ سفاهة وجراءة على النّار تجعلكم تتعرضون لغضب الجبّار، والنبيّ يحذّركم: "ما منِ امرأةٍ تضعُ ثيابَها في غيرِ بيتِ زوجِها إلاَّ هتَكتِ السِّترَ بينَها وبينَ ربِّها". صحيح الترمذي للألباني، صحيح.

وأيّ تخلّف وغباءٍ عند أولئك الذين يصوّرون الإنسان البدائيّ الأول (بزعمهم) شبه عارٍ، ثمّ هم يضاهونه ولكن تحت شعارات ومسميّات كاذبة خاطئة آثمة تسوّغ لهم ذلك حريّة ورقيّاً وتقدّماً مزعوماً.

وأيّ انتكاسة لأولئك الذين أعزّهم الله بالدّين والعقل، ثمّ هم يسقطون طوع إرادتهم في مكائد اليهود، المروِّج الأول والرئيس للعري والتّعري. أولئك الذين اخترعوا نوادي وشواطئ العراة، واحتكروا أكبر شركات الإنتاج السينمائي المروجة لأفلام الجنس والعري الفاحش، ونشروا مجلات العري الفاضح، وأشاعوا ما يسمى بمسابقات الجمال، ووقفوا خلف خطوط "الموضة" التي أطاحت بالحياء وأشاعت العري، وأفسدت الذوق العام ومسخته. إنّ منهم "فرويد" الذي تقيّأ نظريات العهر التي أحالت الإنسان بفكره السقيم حيواناً وضيعاً. إنهم الذين يوقدون نيران الحروب، ويروّجون لكل ما يهدم الأخلاق ويشيع الفواحش والمعاصي والذنوب.

ثمّ أيا عجباً لأولئك الذين يخالفون عقولهم وفطرتهم فيعمدون إلى إحدى أشدّ وسائل التعذيب على النّفس بالتعرّي والتكشّف المقيت، ألم يروا أنّ أسوأ مراكز الاعتقال والتعذيب في كلّ بقاع الأرض تشترك في ممارسة التعذيب الهمجيّ بحقّ نزلائها بتعريتهم وتمزيق ثيابهم وكشف عوراتهم.. وما فظائع سجن أبوغريب وغوانتانامو ولا "سلخانات" الطواغيت بشار والسيسي والمالكي عنّا ببعيد، ومثلها سجون ومعتقلات اليهود المحتلين الذين يلجؤون إلى "التفتيش العاري" بحق الأسرى.

وأيّ اعوجاج واضطراب وانحراف لأولئك الذين لا يزيدهم ارتفاع حرارة الطقس إلا اقتراباً من نار جهنّم الأشدّ حرّاً بنزوعهم الآثم إلى التخفّف ممّا يسترهم ويغطّيهم دون أن يردعهم ما يصيبهم من عقابٍ عاجلٍ بما ينتج عن ذلك التعرض المباشر لأشعة الشمس من أمراض خبيثة كسرطانات الجلد الأكثر انتشاراً في أوساط العراة المتكشّفين.

تنقضي أيام وأشهر الصيف رغماً عنهم. والأشجار التي ساءها ما رأته من عري وتكشّف وإسفاف من بني آدم، ها هي تعيد الكرّة من جديد لتستعيد أمجاد أجدادها الذين شهدوا السقوط الأوّل لأبي البشر في حبائل إبليس، العدو الأزلي له ولذريته من بعده. يومها خلعت أوراقها وأسقطتهم بين يدي آدم وحواء المفجوعين بفعلتهم، المتخبّطين بحيرتهم، المنكوبين بعريهم وانكشاف سوءاتهم.. وهي اليوم تضحّي بأوراقها الجميلة وقد احمرّت خجلاً ثم اصفرّت ألماً على حال أكثر البشر.. فهي تلقيها إليهم وقد أشاحت بوجهها عنهم حياءً من فعلتهم، قائلة لهم: تغطّوا بأوراقي وتدثّروا بها واخصفوا بها على عوراتكم وسوءاتكم.. لا يستخفنّكم الشّيطان وجنوده؛ يغرّونكم ويفتنونكم سخرية منكم وخداعاً لكم لتكونوا معهم سواءً بسواء في دركات الجحيم عراة منبوذين ملعونين مذمومين مدحورين.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الدراسات التوراتية الأكاديمية: كيف تتم عملية إلغاء الفلسطيني زمانياً ومكانياً؟

الهجمة الصهيونية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني لم تكن مقتصرة على قتله وتهجيره من أرضه …