الأضحية.. صورة حية للتكافل الاجتماعي

الرئيسية » بصائر تربوية » الأضحية.. صورة حية للتكافل الاجتماعي
الأضحية 24

رؤيا في المنام رآها سيدنا ابراهيم -عليه السلام- فقال لابنه اسماعيل: {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} ومن غير تردد أو اعتراض وبكل طمأنينة ورضا كان الرد من الابن {يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين}. فكان الفداء من الله تعالى بكبش عظيم.

ربما لم يعلم أبو الأنبياء أن هذا الفداء سيصبح فيما بعد من شعائر شريعة نبي آخر الزمان، محمد -صلى الله عليه وسلم-، فذبح محمد- صلى الله عليه وسلم- كبشين أقرنين عنه وعن أمته، ووصى أمته من بعده بهذه السنة العظيمة فقال:"من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا". [رواه أحمد والحاكم]

إن أعظم ما يتقرب المسلم إلى الله فيه يوم الأضحى هو إراقة الدم، طاعة لله تعالى، وسيراً على سنة الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- فعن عائشة بنت أبي بكر -رضي الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قال: "ما عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا" [رواه الترمذي وابن ماجه] ولا ريب أن للأضحية حكم متعددة منها: امتثال أمر الله تعالى، قال سبحانه: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم...} [الحج:37]، وإحياء لسنة نبي الله إبراهيم عليه السلام، وشكراً لله تعالى على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومن هذه الحكم أيضاً تعزيز روح التعاون والتكافل والترابط بين أفراد المجتمع، حتى يصبح مجتمعاً متراصاً متماسكاً يشد بعضه بعضاً، وتتضح صور هذا التكافل والترابط المجتمعي التي تحققها الأضحية فيما يلي:

أولاً: التوسعة على الفقراء والمعوزين، فمن السنة تقسيم هذا اللحم ويكون النصيب الأكبر منه للفقراء والمحتاجين، وقد ورد عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه نهى أصحابه عن إدخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام؛ لفقر أصاب بعض العرب الذين قدموا للمدينة المنورة، ثم أذن لهم بالادخار لما زالت الحاجة، فعن أبي بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاثٍ لِيَتَّسِعَ ذُو الطَّوْلِ عَلَى مَنْ لا طَوْلَ لَهُ فَكُلُوا مَا بَدَا لَكُمْ وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا" [رواه الترمذي]، وهذا يدلل على النظرة الاجتماعية المقصودة من وراء الأضحية، وتعزيز هذا التكافل في المجتمع، والشعور مع أصحاب الظروف والحاجات.

ثانياً: من الصور أيضاً شعور الفقير بالفرحة والسرور التي أدخلها القادر على الأضحية على قلبه، فلا ينظر الفقير بعين حسد أو غل لإخوانه المسلمين، بل يزداد حباً لهم، وقلوب الناس تميل لمن يحسن إليهم ويشعر معهم ويتذكر حوائجهم، خاصة أن بعض الفقراء لا يشبع من اللحم إلا في عيد الأضحى فهو محروم منه لغلاء ثمنه وقلة ذات اليد عنه.

ثالثاً: التوسعة على الأهل والأرحام والأقارب والجيران، مما يزيد من المحبة والألفة في المجتمع، ويقلل أسباب الخصومة والخلاف ويعزز الروابط والأواصر الأسرية، حتى يصبح مجتمعاً كالجسد الواحد شعوره واحد، وهمه واحد، فالأضحية تعد رافداً قوياً من روافد التكافل والتآلف في المجتمع الإسلامي.

رابعاً: الأضحية تعزز شعور المضحي مع أمته وهمومها، فالأمر لا يتوقف على اللحم الذي يوزعه بل يمتد لكل حاجة للفقراء والأمة، فهذا الاحتكاك يجعل ذلك الشعور أصدق وأنبل، وأكثر حرارة وحماسة، فيزيد من ارتباطه بأمته وقضاياها المتعددة، فيعود على الأمة بالخير والبركة.
ختاماً..إنَ احتفال المؤمن بأضحيته في العيد يوجب عليه أن يشارك هذه الفرحة مجموع الأمة من فقراء ومحتاجين وأرحام وجيران، فيزداد تكافل هذه الأمة وتماسكها وتعاضدها، فهذ من أهم مقاصد الأضحية فما وراء اللحم قيم ومبادئ وأخلاق ترتقي بالمسلم بمستوى الشعور الحقيقي بالإنسان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

10 استراتيجيات لتحول أحلامك إلى واقع

عادة ما تكون الأحلام هي الشيء الذي يدفعنا للبقاء، نعيش لأجلها وترسَخُ في أذهاننا منذ …