الإنسانية في العمل

الرئيسية » خواطر تربوية » الإنسانية في العمل
العامل وصاحب العمل

يمتاز عصرنا الحالي بأنظمة حياتية لم تكن معهودة في السابق، وتختلف وسائل الحياة من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة ومن مكان إلى مكان حتى في نفس الفترة والوقت، وبه اختلفت الأولويات لدى الناس، وهذا مما أثر أيضاً على الأنماط الاجتماعية للبشر، فاختلفت بناء عليه العادات والتقاليد، حتى إن بعض الصفات المتعلقة بمكارم الأخلاق تغيرت وتراجعت كالشهامة والنخوة وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف.

كما وأصبح النقد (المال) همَّ الناس وأصبح جمعه شغلهم الشاغل، إلا أن الكثير من الناس يميلون إلى الراحة والأمان في طلب الرزق، فتراهم يتسابقون للوظائف الحكومية ثم الوظائف الأخرى، وقليل من يخاطر ويغامر ليدخل عالم التجارة، فتاجر واحد ترى عنده من الموظفين عشرة وأكثر أحياناً، فهم يرون في الوظيفة على محدودية دخلها أنها تتميز بالأمان وقلة المخاطرة نسبة إلى التجارة والصنعة، فأنت نهاية كل شهر تعلم دخلك مسبقاً.

والوظيفة اليوم إما أن تكون عند رب العمل وصاحب المال مباشرة، وإما أن تكون في قطاع عام أو في مؤسسة لها مدير ولا يوجد تعامل مباشر بين الموظف وبين أصحاب المال فيها.

"على المدير أن يؤدي لموظفه حقه بالتمام والكمال وأن يكافئه بحسب جهده ولا يبخس جهده من باب توفير المال والحرص عليه"

وهذه الرسالة نبرقها إلى المسؤولين عن الموظفين من تحتهم سواء أكانوا أصحاب مال أم مديرون للمؤسسة فقط أن يراعوا في عملهم الإنسانية وذلك من خلال:

1. على المسؤول وقبل كل شيء أن يبين للموظف أجره بشكل واضح وما له من حقوق وما عليه من واجبات عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: من استأجر أجيرا فليعلمه أجره. وعن عثمان رضي الله عنه قال: من استأجر أجيرا فليبين له أجره.

2. أن يؤدي المدير لموظفه حقه بالتمام والكمال وأن يكافئه بحسب جهده ولا يبخس جهده من باب توفير المال والحرص عليه فعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارث رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتطع حقّ مسلم بيمينه، حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النّار، قالوا: وإن كان شيئا يسيرا؟، قال: وإن كان قضيباً من أراك" (رواه مسلم).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (رواه البخاري).

3. أن لا يجهد المدير العامل فوق طاقته خاصة الذين يعملون تحت سياط الشمس اللاهبة أو في البرد الشديد، ولعل تقسيم العمل إلى فترات مما يخفف عن العامل دون الإخلال بمستوى العمل وإذا كان العمل كبيراً، فعلى المسؤول زيادة الموظفين لا زيادة الحمل الوظيفي على الموظف؛ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما خفَّفْتَ عن خادمك مِن عملِه كان لك أجراً في موازينِك" (رواه ابن حبان). وعن أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" (رواه البخاري).

4. عدم المماطلة في أداء حقوقه ورواتبه دون سبب: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" (رواه ابن ماجه).

5. إذا استحق الموظف الشكر والثناء لتميز في أدائه وحسن التزامه فهذا مما يوجب الشكر له ومكافأته إن أمكن، وهو من باب شكر الناس والثناء عليهم إذا أحسنوا فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَشْكرُ اللهَ مَنْ لا يشكرُ الناس" (رواه أبو داود).

6. ومما ورثناه من نظام وظيفي سيء من الغرب وهو مما تركته الكثير من المؤسسات والشركات في الغرب اليوم وهو نظام العمل بالساعات، حيث إنه على الموظف التواجد في عمله في ساعة محددة، حتى إن بعض المؤسسات قد تنذر الموظف أو تقيله من وظيفته حال تأخره لعدة دقائق عن بداية عمله بسبب زحمة السير أو لأي ظرف طارئ آخر، وكأن في هذه الشدة تحقيق لمصلحة العمل وتقدمه، على المدير أن يراعي الموظف وظروفه القاهرة طالما أن المسألة نسبية وأن تأخيره لا يزيد عن بضع دقائق يستطيع أن يعفو عنها، أو أن الموظف قد أنهى عمله ولم يبق لديه أي شيء ينجزه كالمدرسين في المدارس على سبيل المثال فيطلب منهم المدير البقاء في المدرسة حتى نهاية الدوام المدرسي علماً أنه قد أنهى جميع دروسه الصفية وتحضيره للدروس القادمة وتجهيز نفسه لدوام اليوم التالي، فهذا مما لا إنسانية فيه خاصة إذا لم يكن هناك تسرب من الوظيفة لدى الموظفين وطالما أنهم قد أنجزوا أعمالهم، فنظام الوظيفة هنا تشعر وأنه شيء من السخرة أو العبودية المذلة للموظف، بينما بتَّ ترى الشركات الكبرى اليوم تحاسب موظفها وتكافئه بناء على إنجازه وليس على ساعات دوامه.

"من حسن المعاملة زيادة أجرة الموظف حال ارتفاع تكاليف المعيشة على الناس، وفرض المكافآت المجزية بين الفية والأخرى للموظف المتقن لعمله"

7. على رب العمل مراعاة الظروف المعيشية للموظفين، فمن حسن المعاملة زيادة أجرة الموظف حال ارتفاع تكاليف المعيشة على الناس، وفرض المكافآت المجزية بين الفية والأخرى للموظف المتقن لعمله المواظب على تطوير عمله ومؤسسته، ولا يكتفى بالنظر إلى العقد فيما بينهم وكأنه دستور معصوم.

8. لا يوجد إنسان لا يخطئ، والمدير الناجح هو الذي يؤمن بأن الخطأ وارد لدى الجميع، لكن هناك أمر مهم في التعامل مع الخطأ، وهو التفريق بين الخطأ المقصود والخطأ غير المقصود، وبين المقصر المهمل، وبين الذي غلبه الخطأ باجتهاد أو بسوء تقدير، فالخطأ بسبب الاجتهاد وغير المقصود يعفى عنه مع التنبيه على الموظف بالانتباه جيداً في مراته القادمة، أما الخطأ بسبب الإهمال فيقدر بقدره، وطالما أن هناك فسحة للعفو فالعفو أفضل، وعلى المخطئ أن يقدم توبته وأن يعد بحسن الأداء وعلى المدير أن يقبل ذلك ويصبر على الموظف.

9. للأسف أصبحت الوظائف نمط حياة، وألغت حركة الإنسان وتفاعله في المجتمع، فترى الموظف يعود مساء إلى بيته وهمه تناول طعامه ومن ثم تفقد أهله إن تمكن ثم الذهاب إلى النوم، فالوظائف صنعت من البشر آلاتٍ خرجوا فيها عن بشريتهم فأصبح نمط حياتهم متكررا كل يوم، فتراه يقوم في الصباح إلى عمله ثم العوة فإلى النوم وهكذا، ولعل هذا مقصود بحد ذاته، فالإنسان في هذه الحالة ينقطع عن أهله ويقصر في حقهم، ولا يتفاعل مع قضايا الأمة والمجتمع، بل إن بعضهم يخاف أن يطرد من وظيفته إذا شارك في وقفة احتجاجية أو مسيرة لأي شأن من شؤون الأمة، وهذا تهديد للناس في أرزاقهم على المسؤولين والمديرين تجنبه وعدم إقحامه في شؤون العمل.

10. وأخيراً لا تستخدم موظفاً عندك بأي شأن خاص من شؤونك الحياتية كتنظيف سيارتك أو صنع الشاي والقهوة لك إن لم تكن وظيفته متعلقة بهذا الأمر، ومنهم من يرسل موظفيه لاصطحاب أبنائهم وزوجاتهم أو شراء احتياجاتهم وهذا صورة أخرى من صور الاستعباد.

وأخيراً: على المدير وعلى المسؤول أن يتق الله في موظفيه وعليه أن يعلم أنه مسؤول أمام الله عز وجل عنهم فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التعامل مع العصاة والمذنبين.. قصتان من وحي السيرة النبوية

كثيرًا ما نشتكي ونتبرم من أمراض المجتمع، وما يحتويه من تدهور وانحلال أخلاقي. ونأخذ في …