الخير والشر.. بين خطأ الإطلاقات وحاكمية المقاصد

الرئيسية » بصائر الفكر » الخير والشر.. بين خطأ الإطلاقات وحاكمية المقاصد
الخير والشر9

يمكن النظر إلى الحركة الإسلامية في وقتنا الراهن، في بعض مكوِّنها، باعتبار أنها تعاني من العديد من المشكلات المفاهيمية التي ركَّبت عليها أخطاء في السعي والحركة، مما قاد إلى الكثير من التراجعات، على بعض الجبهات التي تخوض فيها معركة الإصلاح والتغيير، من أجل التمكين للمشروع الحضاري الإسلامي.

ولئن كانت الحركة الإسلامية تواجه حربًا بمعنى الكلمة، في مواجهة خصوم استخدموا كل ما في جعبتهم من أسلحة، بدءًا بمعركة الصورة والكلمة، وحتى استخدام الجرينوف والبراميل المتفجرة، وحتى السلاح الكيماوي، واليورانيوم المُنَضَّب، في محاربتها؛ فإن أثر هذه الحرب، يهون ويبدو أقل شأنًا أمام المشكلات المفاهيمية؛ لأن الأخيرة ترتب أخطاء أكثر فداحة من التعرض لرصاص الخصوم.

ومن بين ذلك، الطريقة التي تعاملت بها شريحة من شباب الحركة الإسلامية، وخصوصًا من حديثي العهد بالحركة الإسلامية والإخوان المسلمين، في مصر –على سبيل المثال– في مرحلة ما بعد انقلاب يوليو 2013م، ثم جريمة فض اعتصامَيْ رابعة والنهضة؛ حيث قادت الأحداث التي جرت في مصر، وكذلك في ليبيا وتونس، وغيرها من بلدان الربيع العربي، من ارتكاسات وتراجعات للحركة الإسلامية؛ قادت إلى حالة من الأزمة في توصيف الواقع، بما أدى إلى شلل كامل في مفاتيح الحركة في كثير من الأحيان.

"نظرت شرائح عريضة من أبناء الحركة الإسلامية إلى ما جرى بعد الانقلاب على ثورات الربيع العربي في إطار أنه شر مطلق، وأنه لا يمكن التعامل معه في إطار إصلاحي، وأن البديل هو الخروج عن المنهج الحركي والتربوي الذي تأسست عليه حركات الإسلام السياسي الصحوية"

نظرت شرائح عريضة من أبناء وشباب الحركة الإسلامية إلى ما جرى في إطار أنه شر مطلق، وأنه لا يمكن التعامل معه في إطار إصلاحي، وأن البديل هو الخروج عن المنهج الحركي والتربوي الذي تأسست عليه حركات الإسلام السياسي الصحوية، وفي القلب منها "الإخوان المسلمون"، مع الدخول في حرب كل الغرض منها هو الانتقام، وليس أي شيء آخر.

وتبعًا لذلك، خيضت مواجهات غير متكافئة، تخرج عن نطاق الاستطاعة بسبب مشكلة مفاهيمية بالأساس، قادت إلى عواقب أسوأ من الثمن المادي الذي يدفعه المتصدُّون لقضية الإصلاح والتغيير، والذي هو في الأصل –بالرغم من أنه يبدو شرًّا وأذىً– أحد أهم عوامل تزكية الحركة الإسلامية، أمام الصف وأمام الجمهور.

وعلى رأس هذه العواقب الخروج عن السنن الإلهية في الفعل والعمل، مما يرتب الخلل الذي يقود –حتمًا- إلى الفشل، والذي من بين مظاهره فقدان عناصر القوة، المادية، والبشرية، والمعنوية.

والأخيرة، المعنوية، ترتبط بقضية مهمة بدورها، وهي المصداقية عند الجمهور، وهي الأساس الأصيل الذي تقوم عليه أية دعوة ناجحة، وكانت هي إحدى مرتكزات العمل النبوي في السنوات الأولى للبعثة المحمدية؛ حيث أيد الله عز وجل نبيه "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، بالكثير من الآيات والمعجزات، التي وقرت في نفوس المسلمين الأوائل؛ فأيدوا النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، بكل ما يملكون من مال، وبأنفسهم، وكانوا أحد مظاهر نصرة الله عز وجل، لرسوله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم".

كان من الأجدى التعامل مع الموقف بالشكل الذي يحقق المصالح المرسلة؛ ففي الأصل أنه ليس هناك شيء/شخص/حدث، بمثابة شرٌّ مطلقٌ ولا خيرٌ مطلق، في أي حدث يمر على الإنسان في حياته، وإنما الأساس في تقييم العمل هو ما تحقق من مقاصد.

"في عُرف المؤمن؛ حتى أذى الأعداء، وتدافعهم ضد المشروع الإسلامي الحضاري؛ فيه خير، ومن بينه، أنه ينبه المسلمين إلى أخطائهم، وإلى أوجه القصور"

ففي عُرف المؤمن؛ حتى أذى الأعداء، وتدافعهم ضد المشروع الإسلامي الحضاري؛ فيه خير، ومن بينه، أنه ينبه المسلمين إلى أخطائهم، وإلى أوجه القصور، ويمنعهم من الطغيان؛ لأنه لولا قوى التدافع، ما وقفنا على قيمنا وحرصنا عليها.

ويقول العلامة النابلسي؛ إن الشر المطلق لا وجود له في الكون، الشر المطلق يعني الشر للشر، وهذا يتناقض مع وجود الله، لكن الذي يليق بكمال الله أن الله يوظف الشر النسبي للخير المطلق.

وفي القرآن الكريم هناك آية في سُورة "الأنبياء"، شديدة الأهمية والوضوح في هذا الأمر؛ حيث يقول فيها الحق تبارك وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ(35)}.

أي أن أي خير أو شرٍّ يصيب الإنسان، هو إنما عبارة عن إرادة ومشيئة إلهية، الغرض منها الابتلاء والاختبار؛ تحقيقًا لسُّنَّة الحساب على العمل، سواء في الدنيا أو الآخرة؛ حيث يوفَّى الناس ما كانوا يعملون، إما جنة نعيم، أو نار الجحيم.

وفي معالجتهم لهذه المسألة، يقول علماء المقاصد، على رأسهم الشاطبي، إنه لا يوجد خيرٌ محضٌ، ولا شرٌّ محضٌ، وإنما يُقاس الأمر، وفق معيار غلبة المصالح أو المفاسد المترتبة على وقوع الأمر هذا الأمر أو ذاك.

وفي تلخيصه لكتاب "المقاصد" للشاطبي ينقل العلامة الريسوني، تعريفًا وضعه علال الفاسي، جمع فيه مقاصد الشريعة العامة والخاصة، فيقول إن المراد بمقاصد الشريعة، هو "الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها".

والمقاصد إما عامة، وهي التي تراعيها الشريعة في كل أبوابها التشريعية أو في كثير منها، أو خاصة، وهي التي تهدف الشريعة لتحقيقها في باب معين، أو في أبواب قليلة متجانسة، أو جزئية، وتعني ما قصده الشارع الحكيم من كل حكم شرعي من إيجاب أو كراهة.

ونأتي للمهم من كلام الشاطبي فيما يتعلق بما نقوله في هذا الموضوع، وهو أن المقاصد تأتي بمعنيين، الأول هو أن الحكمة هي المعنى المقصود من شرع الحكم، وهي المصلحة، أما الثاني فيُراد به المعنى المناسب لتشريع الحكم أي المقتضِي لتشريعه، وذلك كالمشقَّة.

ومن هنا نفهم أن أي أذى أو متاعب أو "ما يبدو لنا" أنه خسائر، خلال رحلة التمكين؛ إنما يجب تقييمه في إطار معنى المقاصد؛ البحث عن الحكمة الإلهية من وراء هذا الذي حدث، ووضعه في سياق سعي الإنسان، ولعل اختيار الشاطبي والريسوني من في شروحه لمصطلح "المشقة" كان شديد التوفيق، في التعبير عن الحالة التي نتكلم عنها في هذا الموضع.

"الأجدى من الخروج عن المنهج، والتصادم مع قوى الشر، لمجرد نوازع شخصية، أو ما شابه، هو العمل على استخلاص العِبَر من الأمر، والتأمل مليًّا في حكمة الله منه، وما قصده الحكيم العليم من وقوع الأذى بأمته"

وبعيدًا عن الشاطبي بمقاصده، والريسوني وشروحه، فإنه حتى بمنطق الرشادة والعقل الذي ميز الله تعالى به الإنسان على سائر المخلوقات، ووضع له أهمية أكبر لدى المسلم؛ باعتبار أنه من أُمَّة التكليف، وأنه مطالبٌ أكثر من غيره بالتدبر والتفكر في آيات الله تعالى، وفي قرآنه لأجل استخلاص تعاليمه؛ فإن الأجدى من الخروج عن المنهج، والتصادم مع قوى الشر والظلام، لمجرد نوازع شخصية، أو ما شابه، هو العمل على استخلاص العِبَر من الأمر، والتأمل مليًّا في حكمة الله عز وجل منه، وما قصده الحكيم العليم من وقوع الأذى بأمته.

فقد يكون الأمر للتنبيه، وقد يكون الأمر ابتلاء للتمحيص وغربلة المجموع، وقد يكون لأجل أخطاء حاصلة، وخروجات عن المنهج الرباني القويم؛ فيكون التأمل وإعمال العقل في الموقف المعروض على المسلم، فيه اكتشاف، وفيه هداية، وفيه العودة إلى الطريق الحنيف؛ الذي لا حيف فيه ولا حيدة في مقصده.

والبعض يجد في مخالفة ذلك؛ شكلاً من أشكال الخروج على ركنٍ من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشره، والإيمان هنا يشمل التسليم، وعدم الاعتراض؛ وإنما التعامل مع الواقع الذي فرضه قضاء الله تعالى وقدره.

صفوة القول؛ هو أنه من الضروري الاستفادة من الشر الذي نواجهه في التصويب والتعديل، والتعامل معه بإيجابية، بالشكل الذي يحقق حكمة الله تعالى من وقوعه، ويعمل على تحقيق المصلحة، بدلاً من مواجهة الأذى بالمفسدة، وهنا تسقط عن مشروعنا صفته كإسلامي؛ لأن ذلك ليس في الإسلام من شيء!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

النكبة وأخواتها.. حتى لا تتحول إلى مجرد “ذكرى”!

لا أحد يمكنه إنكار أهمية دراسة التاريخ؛ حيث تمثل النماذج التاريخية المختلفة، على أقل تقدير؛ …