بين “شخصيّة المسلم” والسمت الدينيّ!

الرئيسية » بصائر تربوية » بين “شخصيّة المسلم” والسمت الدينيّ!
الالتزام الديني9

كثيراً ما يشدد المربّون على صناعة شخصية المسلم، فيزرعون في نفوس الأبناء القيم والأخلاق، مؤكدين أن المسلم الملتزم يجب أن يكون "كالشامة بين الناس" في هيئته وأخلاقه وتعامله مع أهله ومجتمعه، وقد ألّف في ذلك العديد من الكتّاب والمفكرين، من أبرزهم الدكتور محمد علي الهاشمي صاحب: "شخصية المسلم" و"شخصية المرأة المسلمة"، وخلص إلى أن "الإنسان المسلم الذي أراده الإسلام هو إنسان فذّ فريد في أخلاقه وصلاته الفردية وعلاقاته الاجتماعية جميعاً"، يتصف بـ "شخصية متوازنة تعطي للجسم حقه من العناية، وللمظهر ما يستوجبه من الرعاية، ويعنى بالتربية الروحية والجسمية والعقلية سواءً بسواء".

ونجد في الهدي النبوي وأقوال التابعين العديد من النصوص القولية أو الفعلية التي تحضّ المسلم على حسن السمت، فمما قاله عليه الصلاة والسلام: "السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد، جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوّة"، وكان صلى الله عليه وسلم يتجمّل لأصحابه، ويقول: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".

"هناك خلط مستغرب يقع فيه بعض الشباب الملتزم، حيث يخلطون بين مفهوم شخصية المسلم (المظهر والصفات والمعاملة) وبين الصبغة الدينية التي يضفونها على شكل حياتهم"

لكن خلطاً مستغرباً يقع فيه بعض الشباب الملتزم، حيث يخلطون بين مفهوم شخصية المسلم (المظهر والصفات والمعاملة) وبين الصبغة الدينية التي يضفونها على شكل حياتهم، سواء في اللباس أو مفردات الخطاب أو الاسم.. فإذا بهم – مثلاً - يلتزمون زيّاً معيناً (الدشداشة والطاقية أو القماشة التي تلفّ على الرأس) تأسّياً بالمجتمع النبوي وعلى اعتبار أنه هو اللباس الشرعي، وإذا رزقوا ولداً حرصوا على اختيار اسم له من أسماء الصحابة أو التابعين حتى لو كان اسماً قديماً تجاوزه الزمن، وقد نجد بعضهم يستخدم مفردات دينية في التعامل مع الآخرين (حيّاك الله – الله يجزيك الخير – يا أخي...)، فضلاً عن التزام اللهجة الفصحى، حتى في التعاطي مع عوامّ الناس.

إن هذا الفهم يدفعنا إلى طرح تساؤت عديدة:

هل كان المجتمع النبوي ومجتمع الخلفاء من بعده، مجتمعاً دينياً أم مدنياً؟ هل حضارة ذلك المجتمع بتفاصيلها الحياتية اليومية، كالثقافة والعادات واللباس والمصطلحات... هي أمور تعبّدية وجب على من كل من جاء بعد ذاك العصر أن يلتزمها؟

وأسأل أيضاً: كيف يكون الدين الإسلامي صالحاً لكل زمان ومكان –كما نؤمن- ونحن نقيّده بتلك الأشكال والقوالب الحياتية الخاصة بحقبة زمنية معيّنة؟
إنها إشكالية مرحلة التأسيس التي تكتسب "أهميتها الخاصة في تاريخ أية أمة، حيث تتحول في أذهان الأجيال القادمة إلى مرحلة تقديس، ليس تقديساً للمبادئ فقط، بل تقديس لوسائل تلك المرحلة ورجالها" كما يقول الدكتور محمد الشنقيطي.

البشريّ والدينيّ

أحسب أن علينا التفريق بين ما هو نمط حياتيّ بشريّ عاشه المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، وبين ما هو فعل تعبّدي أمرنا الشرع الحنيف الالتزام به.. ولا يغيب عنا في هذا المقام قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم".

وعلى سبيل المثال، هل طريقة لباس أفراد المجتمع النبوي هي أمر دينيّ نزل به التشريع فالتزمه الصحابة رضي الله عنهم؟ لا أعتقد هذا. فكيف لو علمنا أن لباس الصحابة ما كان يختلف عن لباس كفار قريش؟

" لماذا لا نجتهد لنكون نحن تراثاً مشرفاً لمن بعدنا من أجيال، فنضيف إلى قائمة صنّاع الحياة من تلك العصور، أسماء جديدة من عصرنا الحالي"

وهل المفردات التي كان يتخاطب بها المسلمون في ذلك الزمن، مأمورون نحن اليوم بالالتزام بها؟ ألا نعلم أن غير المسلمين كانوا يستخدمون بعضها أيضاً؟

ونقطة أخرى في الأسماء، فمعلوم أن الوالدين الملتزمَين يحرصان على اختيار اسم للمولود تيمّناً بأشخاص سطّروا تاريخاً مشرقاً، من أنبياء أو صحابة أو قادة عظماء، عسى أن ينال أبناؤنا من خير تلك الأسماء.. لكن، ومع كل التقدير والإجلال لدور هؤلاء الرجال العظام في تاريخ البشرية وتاريخنا الإسلامي بشكل أخص، هل يتوقف التاريخ المشرق عند الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم؟ لماذا لا نجتهد لنكون نحن تراثاً مشرفاً لمن بعدنا من أجيال، فنضيف إلى قائمة صنّاع الحياة من تلك العصور، أسماء جديدة من عصرنا الحالي؟ مع التأكيد طبعاً أن تكون أسماء عربية غير متأثرة بثقافات غربية.

هذه الجوانب الحياتية هي جزء من حضارة شعب، والحضارة اجتهاد بشريّ اعترف به الإسلام ودعا إلى تطويره والإبداع فيه.. فدعُونا لا نقدّس تلك الاجتهادات البشرية، التي تختلف من زمن إلى آخر ومن بلد إلى آخر.

الأصل الإباحة

إن المتتبع لطريقة نزول التشريعات في المجتمع المكي ثم المدني، يلحظ أن التشريعات حين نزلت ألغت ما كان مخالفاً للشرع –وهو قليل– وتركت الحياة تسير في بقية الشؤون التي لا تعارض فيها مع الشرع الحنيف. فكان الناس يشربون ويأكلون أصنافاً كثيرة، لكن نزل تحريم الخمر من الشراب والخنزير والميتة من الطعام، فتشطب هذه الأصناف ويبقى كل ما سواها مباحاً، فالأصل في الأشياء الإباحة بحسب القاعدة الشرعية. كان الناس يتاجرون يبيعون ويشترون بأشكال متعددة، فنزل تحريم استثنائي في الربا والبيع على بيع الآخر وبعض صور البيع، وتبقى التجارة بفضائها الأوسع قائمة.

وبالتالي، فإن طريقة العيش وتقاليدها وأنماطها هي اجتهادات بشرية يتوافق عليها أفراد كل مجتمع، بحسب ظروفهم وثقافاتهم، وما يهم الشارع الإسلامي أن لا تعارض تلك الأنماط والاجتهادات التشريع الإسلامي.. ومعلوم أن المنهيّ عنه هو جزء يسير من كلٍّ واسع رحب.
الالتزام الديني ليس طقوساً وأشكالاً يلتزم بها المسلم (اسم ولباس ومفردات...)، الدين هو تشريعات تضبط حياة المجتمع – أيّ مجتمع – ليستقيم مساره، ويعيش جميع أفراده وفئاته بحرّية وأمان وعدل.

في الهوية والاندماج

وهنا قد يقول قائل: نحن نتمسك بتراثنا الإسلامي حفاظاً على هويتنا الدينية من الذوبان في مجتمع متعدد متنوع، دينياً وطائفياً وثقافياً.
وأقول: واجب علينا أن نتمسك بهويتنا خوفاً من الذوبان، وهذه ليست مشكلتنا نحن المسلمين فقط، بل كل الفئات الدينية والطائفية والعرقية في المجتمعات المكونة من أطياف مختلفة. لكن دعونا نسأل: هل الهوية الإسلامية تتوقف عند أشكال وأنماط عيش، أم أنها تلك القيم والأخلاق والنظم التي تضبط شؤون حياتنا، من محاكم وأحوال شخصية وعبادات؟

وهل الحفاظ على الهوية يعني أن نتقوقع في بيئة خاصة، لنجد أنفسنا بعدها نعيش خارج المنظومة المجتمعية العامة؟

من الطبيعي أن يختار الشباب الملتزم البيئة التي يشعر بالراحة فيها، ويختلط مع أشخاص من ثقافته ويحملون القناعات والمفاهيم نفسها، هذا يحصل في الجامعة أو المدرسة أو العمل..

لكن المشكلة أن يعتاد الشاب على هذه البيئة بأدواتها وفنونها واهتماماتها حصراً، ثم إذا قدّر له أن يختلط مع بيئة أخرى، فإنه يواجه صعوبة في التعاطي مع الآخر، فضلاً عن نظرة المجتمع له بأنه "آخر" ليس مثلهم، وهذا يضع حاجزاً بينه وبين أبناء مجتمعه.

" نحن لا ندعو إلى الذوبان، ولا نريد من شبابنا وفتياتنا أن يتحدثوا الأجنبية بدل العربية، ولا أن يتمايعوا في حديثهم، لكن أن يكونوا جزءاً طبيعياً في المجتمع، قادرين على التكيّف والتفاعل والتأثير.."

وقد شارك أحد الشباب الملتزم في لقاء حواريّ تلفزيونيّ مع عدد من الشباب اللبناني، يتحاورون حول شأن مطلبيّ. وبدا أداء أخينا الملتزم خارج النسق العام في الحلقة، حيث كان الوحيد الذي يتسم بجدّية متكلفة ويتحدث بالفصحى، بينما الآخرون يتحدثون بسلاسة طبيعية.
ومرة أخرى حلّ أحد الشباب الملتزم ضيفاً في برنامج حواريّ تلفزيونيّ، فإذا بالأخ يجلس بطريقة عجيبة، وقد أعطى المذيعة جنبه ونظره متجه إلى البعيد.

نحن لا ندعو إلى الذوبان، ولا نريد من شبابنا وفتياتنا أن يتحدثوا الأجنبية بدل العربية، ولا أن يتمايعوا في حديثهم، لكن أن يكونوا جزءاً طبيعياً في المجتمع، قادرين على التكيّف والتفاعل والتأثير.. لا نرضى التنازل عن هويتنا وثقافتنا، لكننا نريد الاندماج في مجتمعاتنا، كي نؤثر فيها ونترك بصمة.
وأرجع للدكتور الهاشمي في حديثه عن شخصية المسلم، فيقول: "المسلم الواعي أحكام دينه اجتماعيّ بطبعه، لأنه صاحب رسالة في الحياة، وأصحاب الرسالات لا بد لهم من الاتصال بالناس، يخالطونهم ويعاملونهم ويبدلونهم الأخذ والعطاء".

فكيف سيتقبّل الناس من الداعية طرحه ويقبلون عليه ويحبونه، إذا كان مختلفاً عنهم يعيش ثقافة خاصة؟ طبعاً دون تجاوز الضوابط الشرعية.
لقد أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم، وكان كل نبيّ يتحدث بلسان قومه. فلماذا التكلف والتمايز؟

أدعو الله أن أكون وفّقت في ما طرحت، ولا أدّعي أنه الصواب وغيره الخطأ، بل هو اجتهاد أيضاً. وأجدني منساقاً لأختم بتوجيه التحية إلى كل من يتمسك بهويته الإسلامية وتاريخه، ويحرص على التأسّي بعظماء هذا الدين، لكن هي دعوة لأن يكون التركيز على الاقتداء بالمضمون، دون الانبهار بالشكل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
إعلامي لبناني - مدير عام إذاعة الفجر في لبنان

شاهد أيضاً

كيف تجعل رمضان عادة لك طوال العام؟

يعاني الكثيرون منَّا من مشكلة مزمنة بعد انتهاء شهر #رمضان المبارك، وهي ضياع الحماسة الكبرى …