حضرة المعلم.. إن لم تكن لها فلا تبرح بيتك

الرئيسية » بصائر تربوية » حضرة المعلم.. إن لم تكن لها فلا تبرح بيتك
احترم-طلابك

يرى المحللون السياسيون أنه يمكن تلخيص سر نهضة اليابان بعد الكارثة التي لحقت بها بعد قيام الولايات المتحدة بقصف مدينتي هيروشيما وناجازاكي باستخدام قنابل ذرية عام 1945 في سببين، الأول هو إرادة الانتقام من تاريخ تحدى أمة هزمت وأهينت، فردت على الهزيمة بهذا النهوض العظيم، والثاني هو بناء الإنسان نتيجة لنظام التعليم والثقافة اليابانية.

فبعد الكارثة الرهيبة التي حلت بالإمبراطورية اليابانية، فقد السياسيون وكثير من الناس الأمل بقدرتها في الوقوف على قدميها؛ نظرا لما حل بها من دمار هائل وخسائر بشرية تحولت بنتيجتها إلى دولة مهزومة متخلفة، لكن العزيمة والإرادة اللتان كانتا تعمران قلوب اليابانيين، أقنعتهم بأن طريق النهضة لا تكمن في التوسع باستخدام القوة العسكرية، بل إنها تكمن في الإنسان الياباني نفسه داخل حدود بلاده.

لأجل هذا صبّت الدولة ما تبقى من قوتها وجهدها في نظام التعليم، لدرجة أنه قيل أن نظام "الإجازة اليومية" هي عقوبة في نظر المعلم وليست مكافأة، فقد كان كل معلم يرى في نفسه المسؤول الأول عن بناء ونهضة اليابان وأجيالها ويوم الإجازة هذا إنما جاء بسبب تقصيرٍ منه، الأمر الذي دفع باليابان لأن تحلّ في المرتبة الثالثة كقوة اقتصادية عالمية بعد قرابة الـ 10 سنوات.

" يقال إذا أخطأ الطبيب فقد يزهق روحاً، في حين إذا أخطأ المعلم أو تغافل أو تراخى أو تكاسل في أداء مهمته ورسالته فإنه يقتل عقولا وأفكارا ستقتل غيرها"

حضرة المعلم.. أنت المسؤول

يقال إذا أخطأ الطبيب فقد يزهق روحاً، في حين إذا أخطأ المعلم أو تغافل أو تراخى أو تكاسل في أداء مهمته ورسالته فإنه يقتل عقولا وأفكارا ستقتل غيرها.

المعلم هو المسؤول عن خطأ الطبيب وخطأ المهندس وخطأ الحرفي وغيره، أوليس هو من علّمهم؟! وحسبما غرس سيثمر غرسه.

من هنا كانت رسالة المعلم عظيمة ومهمته شاقة وصعبة، فالعقول البشرية التي كانت سبباً في نهضة اليابان وازدهارها بعد كارثتها صنعها المعلم، والعقول البشرية التي صنعت القنبلة الذرية التي محت مدينتي هيروشيما وناجازاكي عن وجه الأرض أيضا صنعها المعلم، فانظر لكل منهما ماذا غرس وماذا حصدت البشرية بسبب غرسه.

لماذا لا يشعر المعلم بالمسؤولية ؟!

هناك أمور عدة تدفع بالمعلم للتخلي عن مسؤوليته أو تجعله لا يشعر بها أو يكترث لها وغير راغب بان يفكر بها أصلا، ومن أهم تلك الأمور:

1- عدم تمتع المدرس بالوعي التربوي العالي الذي يوجهه نحو العطاء أكثر؛ لأن هذا الوعي قادر على أن يعي خطورة الوضع في حال حصل هناك تهاون تربوي وتعليم من قبل المعلم تجاه الطلاب.

2- معاناة المعلم من مشاكل خاصة كثيرة أثرت على عمله وعلى نفسيته وجعلته غير راغب بأن يؤدي أعماله كما يجب، وبالأحرى كثرة الضغوطات الحياتية تجعل الإنسان عصبياً غير متزن فكرياً وبالتالي يعيش حالة عدم استقرار.

3- اعتبار المعلم أن مهنته تأدية واجب وحسب، فهو يذهب كل يوم لعمله يتلو على الطلاب الدروس المقررة ويسجل حضوره، وآخر همه فائدة الطلاب وتطورهم التعليمي والفكري والتربوي.

" يجب أن يعلم كل مدرس أنه مهما تقاضى أجرا على عمله لا يمكن أن يتساوى مع ما يقدمه، فدوما عطاء المعلم الحقيقي لا يمكن أن يقاس بالمال بل هو أكبر بكثير من أن يقاس به"

4- مساواة الجهد بالمردود المالي لمهنة المعلم، فالبعض قد يقول الأجر الذي أتقاضاه لا يستحق مجهوداً أكبر. نعم هناك ضعف في الرواتب، ولكن هذا لا يعني أن لا ندّرس بضمير ومسؤولية. ويجب أن يعلم كل مدرس أنه مهما تقاضى أجرا على عمله لا يمكن أن يتساوى مع ما يقدمه، فدوما عطاء المعلم الحقيقي لا يمكن أن يقاس بالمال بل هو أكبر بكثير من أن يقاس به.

ورغما عن كل ذلك فإنّ الشعور بالمسؤولية ينبع من أعماق قلب المعلم المحب للعلم والتعليم، والمحب لطلبته وهو يراهم يكبرون حرفاً حرفاً وينسجون كلمةً كلمة، كما أن إيمان المعلم بأنه صاحب رسالة سيسأل عنها يوم القيامة يزيد من شعوره بالمسؤولية تجاه طلبته بكل حرفٍ تخطه يداه على السبورة.

إن لم تكن لها فلا تبرح بيتك..

الأهل حين يرسلون أبناءهم للمدارس ويتكبدون من العناء والمشقة والتكاليف المادية ما يتكبدون، فإنهم يذللون كل ذلك في سبيل أن تغدو فلذات أكبادهم أفضل مما كانوا عليه، يرسلونهم للمدارس ويتركونهم "وديعة" في يد المعلم والمعلمة ليستثمروا في أغلى ما يملك الإنسان وهو "عقله".
تخيّل معي حضرة المعلم للحظة، كل تلك العقول التي ستنهض بالبشرية أو ستبيدها عن بكرة أبيها يوما ما هي وديعةٌ بين يديك اليوم تشكلها وتبذرها وتصقلها كيفما شئت، فانظر لما تصنع يداك، وتذكر أنك راعٍ (اليوم) ومسؤول (غداً)، فإن لم تكن لهذه المسؤولية العظيمة فلا تبرح بيتك.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة في موقع "بصائر" اﻹلكتروني في الشؤون التربوية واﻷسرية ، وصحفية وكاتبة في صحيفة "السبيل" اليومية في الشأن السياسي والشبابي .

شاهد أيضاً

50 مهارة ناعمة تحتاجُها لتكون ناجحاً وسعيداً مدى الحياة (1-2)

ربما تتساءل كيف يمكن لبعض الأشخاص أن يكونوا سعداء طوال الوقت؟ يبدو أن #السعادة الدائمة …