العلاقة بين الحاكم والمحكوم .. وصاية أم تعاقد؟

الرئيسية » بصائر الفكر » العلاقة بين الحاكم والمحكوم .. وصاية أم تعاقد؟
Egyptian3--dpa

حَجَرَ الزاوية في فهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم يقوم على فهم طبيعة نظام الحكم وفلسفته ومبادئه وأركانه وشروطه، ونظام الحكم في الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده  قام على خطاب سياسي واضح المعالم يرسِّخ لأصول ثابتة حول ضرورة إقامة الدولة، وأن الحاكم لا تنعقد سلطته إلا ببيعة المسلمين له ورضاهم عنه، وأن اختيار الأمة للحاكم هو حق من حقوقها، وأن مبدأ الشورى هو عماد النظام الشرعي الذي يحفظ الحقوق ويصون الحريات.

ولتوضيح العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكوم لا بد من التطرق لشقين أساسيين، الأول يتعلق بكيفية إقامة الدولة على الصورة الأساسية التي يجب أن يقوم عليها نظام الحكم من خلال التعاقد والبيعة، والشق الثاني يتعلق بعلاقة الحاكم والمحكوم في كيفية أداء الواجبات ونيل الحقوق على مبدأ التبادل.

الشق الأول: علاقة التعاقد بين الحاكم والمحكوم

يقوم نظام الحكم في الإسلام على أصل عظيم ألا وهو التعاقد بين الحاكم والمحكوم والذي يتم من خلال البيعة، يقول ابن خلدون: (اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر في المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة مصدر باع).

وقد ذهب عددٌ كبيرٌ من فقهاء السياسة الشرعية إلى أن الخلافة أو رئاسة الدولة إنما هي عقد يتم على اختيار وقبول بين الأمة والخليفة، وبموجب هذا العقد يثبت لكل طرف حقوق وواجبات، تفرض على الحاكم السير في حكمه وسياسته على مقتضى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامة العدل بين الناس ودفع الظلم عنهم، وحراسة الدين، وإقامة شرائعه وحدوده، والدفاع عن دار الإسلام، وكل ذلك بمشورة الأمة العامة والخاصة، ويترتب على ذلك استحقاق الخليفة للسمع والطاعة والإخلاص.

وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل المدينة بيعتين مختلفتين: أما البيعة الأولى فهي على الإيمان بالله وعدم الإشراك به وطاعته، وأما البيعة الثانية فهي على إقامة الدولة الإسلامية والدفاع عنها، وهي بيعة الحرب.

وعلى هذا الأساس المتمثل في عقد البيعة قامت الدولة الإسلامية في المدينة، فلم يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم بانقلاب عسكري ولا بثورة شعبية، وإنما بعقد وتراضٍ، فقد أثبت القرآن أن المسلمين في المدينة هم الذين يحكِّمون النبي صلى الله عليه وسلم في تحاكُمِهِم إليه وإيمانهم به، بمقتضى عقد الشهادة له بالنبوة، وأنهم يملكون القدرة على التحاكم لغيره والإعراض عنه، كما أعرض أهل مكة، إلا أن هذا الإعراض يُخرجهم من دائرة الإيمان إلى دائرة الشرك بالله ، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات ليؤكد هذا المبدأ، وهو مبدأ السمع والطاعة بناءً على عقد البيعة.

يقول القلقشندي: (لا تنعقد الإمامة إلا بتعاقد أهل الحل والعقد؛ لأن الإمامة عقد فلا تصح إلا بتعاقد، وهو ما عليه جمهور الفقهاء وعليه اقتصر الرافعي والنووي والمعتمد عليه).

"الأمة هي صاحبة الحق في إنشاء هذا العقد فهي أيضاً صاحبة الحق في فسخه؛ لأنها تعد طرفاً أصيلاً وثابتاً في حين أن الحاكم إنما هو مجرد موظف أو مفوض"

وعندما تكون الأمة هي صاحبة الحق في إنشاء هذا العقد فهي أيضاً صاحبة الحق في فسخه؛ لأنها تعد طرفاً أصيلاً وثابتاً في حين أن الحاكم إنما هو مجرد موظف أو مفوض، أو نائب، أو موكل عن الأمة في أداء هذا الواجب، فالحاكم طرف متغير، عكس الأمة التي تُعتبر طرفاً ثابتاً وأصيلاً، لذلك من حق الأمة بل من واجباتها إذا أخل الحاكم بشروط العقد الأساسية أو اعتدى على حقوق الأمة أو حتى قصر فيها، فإن من حق الأمة فسخ هذا العقد، يقول الجويني: (فإن قيل: فمن يخلعه؟ قلنا: الخلع إلى من إليه العقد).

ويعتبر الفقهاء عقد الإمامة كغيره من العقود يُشترط فيها ما يُشترط في باقي العقود من حيث الشكل العام، ويمكن اعتبار عقد الإمامة أشبه بعقد الوكالة، حيث تكون الأمة طرفاً أصيلاً ومن تختاره إماماً لها وهو الوكيل عنها في القيام بتدبير شؤون الناس ورعاية مصالحهم وإقامة العدل وحفظ الحقوق وصيانة الحريات نيابة عن الأمة بموجب هذا التعاقد.

ولما كانت الإمامة نوعاً من أنواع الوكالة فتجري عليها أحكام الوكالة، ومن هذه الأحكام أنها لا تورث، ومنها إذا انخلع الإمام أو توفي فلا ينعزل من ولاهم من الأمراء والوزراء؛ لأن تصرفات الوكيل تنصرف مباشرة إلى الأصل وهم جموع الأمة المسلمة، والولاة والوزراء ليسوا وكلاء الخليفة ولكنهم وكلاء الأمة.

وقد نص الفقهاء على كون الإمام وكيلاً عن الأمة فقد جاء في كشاف القناع عن متن الإقناع في فقه الحنابلة: (وتصرف الإمام على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيل المسلمين، فله عزل نفسه ولهم عزله إن سأل العزل؛ لقول أبي بكر الصديق: (أقيلوني، أقيلوني، قالوا: لا نقيلك).

الشق الثاني: علاقة التبادل بين الحاكم والمحكوم

وعلاقة التبادل هي في الحقيقة نتيجةٌ لعلاقة التعاقد، والتي تقوم على أداء الواجبات واستيفاء الحقوق، في صورة من صور الالتزام والذي يعرف بأنه: "كل علاقة شرعية بين شخصين يكون أحدهما مكلفاً تجاه الآخر القيام بعملٍ فيه مصلحةٌ ذات قيمةٍ للآخر، أو يمتنع عن عملٍ منافٍ لمصلحته. ويُعَبَّرُ عنها في الاصطلاح الفقهي بأنها: حق شخصي للمستفيد والتزام على الآخر المكلف به".

وإذا اعتبرنا أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على مبدأ التعاقد أو ما يطلق عليه (البيعة) بين الحاكم والمحكوم فإنه يثبت لكل طرفٍ حقوق وواجبات، لتنشأ بعدها علاقة تقوم على فكرة التبادل، فعلى الإمام حراسة الدين وإقامة الدنيا، وتنفيذ الأحكام، وحماية الناس، وحفظ الحدود وحراستها، وعلى الأمة في المقابل السمع والطاعة والولاء والانتصار لهذا الحاكم.

"إذا أخل الحاكم بشروط عقد الإمامة وجب فسخه، ومن أنشأ هذا العقد هو من يحق له الفسخ وهي الأمةّ، إما بشكل غير مباشر من خلال أهل الحل والعقد، أو بشكل مباشر من خلال الاحتجاج العام"

فعقد الإمامة (البيعة) يترتب عليه واجبات وحقوق متبادلة بين الحاكم والمحكوم؛ لإقامة دولة الحق والعدل وتحقيق مبدأ الاستخلاف من خلال خطاب التكليف الموجه للأمّة، فهي المسؤولة عن إنشاء السلطة وإقامة الدولة، وأما الحاكم فيُعتبر مخاطباً من خلالها.

فإذا ما أخل الحاكم بشروط عقد الإمامة وجب فسخه، ومن أنشأ هذا العقد هو من يحق له الفسخ وهي الأمةّ، إما بشكل غير مباشر من خلال أهل الحل والعقد، أو بشكل مباشر من خلال الاحتجاج العام ومقاومة السلطة الباغية.

وعلى ذلك يمكن اعتبار السلطة بأنها أداة من أدوات إقامة العدل، وهي مجرد أداة مدنية اجتماعية توظفها الأمة لحراسة الدين وإقامة الدنيا، والمتولون لهذه السلطة ليسوا إلا موظفين يؤدون وظيفتهم عند الأمة، بما يجعل شرعيتهم موقوفة على إنفاذهم للشريعة وتوافقهم مع توجيهاتها كما ترتضيها الأمة.

فعلاقة التبادل تقوم على أن يؤدي الحاكم ما عليه من واجبات تجاه المحكوم لينال بذلك حقوقه كحق السمع والطاعة والنصرة والولاء، فلا يحق للحاكم أن يطالب بحقوقه قبل أدائه لواجباته؛ لأن تقديم حقوق الحاكم قبل تأديته لواجباته يغير من المعادلة الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام، والتي تعتبر أن الأمة هي الأصل، فإذا ما قُدمت الحقوق للحاكم قبل أدائه للواجبات عندها يصبح الحاكم هو الأصل في معادلة إنشاء السلطة بدل الأمة، وهذا التحول هو ما أصاب التاريخ الإسلامي حين انحرف الخطاب السياسي الإسلامي حيث تحولت الدولة من دولة الشورى والعدل إلى دولة الإكراه والجبر.

وصورة التعاقد والتبادل التي تقوم عليها العلاقة بين الحاكم والمحكوم أشبه ما تكون بنظرية (العقد الاجتماعي)، والتي ترى بأن يتنازل أفراد المجتمع بموجب هذا التعاقد عن بعض حرياتهم للسلطة مقابل تنظيم شؤونهم وإدارتها بما يحقق المصلحة للمجموع، والملاحظ أن المجتمع هو الذي يتنازل عن حقوقه بحيث ينشئ سلطة الحاكم من خلال علاقة تبادلية وفق تعاقد اجتماعي يتم من خلال مبادلة الحقوق بالواجبات.

---------------------------------------------------------------------------

* عضو هيئة علماء فلسطين في الخارج.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

النكبة وأخواتها.. حتى لا تتحول إلى مجرد “ذكرى”!

لا أحد يمكنه إنكار أهمية دراسة التاريخ؛ حيث تمثل النماذج التاريخية المختلفة، على أقل تقدير؛ …