المقاومة الفردية والسير على خطى “أبي بصير”

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » المقاومة الفردية والسير على خطى “أبي بصير”

انطلقت انتفاضة القدس المباركة، رغم كل القيود والمؤامرات، ومحاولات قتل الروح الثورية الرافضة لكل ممارسات الاحتلال الوحشية على هذه الأرض.

انطلاقة بدأت وما زالت مشتعلة، معتمدة على سواعد أبناء الشعب الفلسطيني الذين رفعوا لواء المقاومة الفردية، بدل الشجب والاستنكار والاستجداء والتوسل.

من مغتصبة إيتمار كان الرد على جريمة استهداف عائلة الدوابشة، ثم بثورة السكاكين والطعن لكل مغتصب على هذه الأرض، إيماناً بأن على كل فرد واجباً تجاه ما يجري، من تهويد للمقدسات، واستهداف وانتهاك للحرمات وإزهاق للنفوس والأرواح.

أتباع أبي بصير..

يروي البخاري في صحيحه، قصة بطولية، لأحد الصحابة الذين استضعفوا في مكة، ولم يستطيعوا اللحاق بالرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، بسبب بنود صلح الحديبية آنذاك، إلا أنه أصر على تغيير مفردات الواقع، عبر المقاومة الفردية، وفرض المطالب والشروط على العدو رغم رفضه القاطع لها، وإصراره على عدم تحقيقها.

"إن أبا بصير لم يقبل أن يعيش مستضعفاً في مكة، وقرر أن يغير الواقع الذي يعايشه من ذات نفسه، عبر المقاومة الفردية، فلم ينهه النبي صلى الله عليه وسلم"

وجاء في البخاري: "... ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر، فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل أمه مسعر حرب، لو كان له أحد». فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم، لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم..".

إن أولئك الذين حرمهم الاحتلال وأعوانه من الانخراط في صفوف المقاومة المسلحة، وأشعلوا لهيب الغضب في صدورهم لاستمرار انتهاك المقدسات، لم يرضوا بالواقع المعاش، وسعوا للتغيير بسواعدهم، ليثوروا على القيود المفروضة، وليجعلوا من ساحات القدس، والداخل الفلسطيني مثل منطقة سيف البحر التي اجتمع فيها أبو بصير، مع أبي جندل وبقية المستضعفين، لينقلوا المعركة لساحات جديدة، تؤدي بدورها لإشعال فتيل الثورة في ربوع الوطن المحتل، ولتسطر فصلاً جديداً في التاريخ الفلسطيني الذي سيتوج بالتحرير بإذن الله تعالى.

"لابد من استغلال بعض الساحات المفتوحة لدعم المقاومة الفردية، وضرب المحتل والتأثير عليه؛ لفرض معطيات جديدة في معركتنا مع المحتل"

إن أبا بصير –رضي الله عنه- لم يقبل أن يعيش مستضعفاً في مكة، وقرر أن يغير الواقع الذي يعايشه من ذات نفسه، فلم ينهه النبي صلى الله عليه وسلم، بل قال «ويل أمه، مسعر حرب، لو كان له أحد»، ليشير إلى أن الاجتماع معه يعني أن مطالبه ستتحقق، وأن ما يريده من جلب العزة ورفع الظلم سيصبح أمراً واقعاً لا محالة.

إن ما سبق، وفي ظل انطلاقة انتفاضة القدس المباركة، يكشف لنا عن بعض الدروس التي لابد من أخذها بالاعتبار ومنها:

1- عدم الرضا بالواقع الصعب، الذي تفرضه الظروف والمتغيرات، والسعي لتغييره، ولو بالجهد الفردي، الذي يتسم بالمرونة، والقدرة على التأثير، وقلة الخسائر والتبعات.

2- استغلال بعض الساحات المفتوحة لدعم المقاومة الفردية، وضرب المحتل والتأثير عليه؛ لفرض معطيات جديدة في معركتنا مع المحتل.

3- فتح المجال للأفراد للقيام بكل ما فيه رفع للظلم، طالما أنه لا يضر مصالح الدعوة، ولا يحرف مسيرتها، ولا يفكك لحمتها، أو يضعف موقفها.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

زمان الوهن الأكبر!

روى أبو داود وأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يوشك الأمم أن …