مدرسة الهجرة (دروسٌ ومعاني)

الرئيسية » بصائر تربوية » مدرسة الهجرة (دروسٌ ومعاني)
الهجرة17

الهجرة النبوية ليست مجرد مناسبة أو حدث يُحتفل به ويتصدر عناوين الصحف ووكالات الأنباء وخطب الأئمة في المساجد، بل تتعدّى ذلك إلى كونها مدرسة تحوي الكثير من الدروس والعبر التي علينا أن نقف عندها لما فيها من بالغ الأثر على أنفسنا ومجتمعاتنا.

وأول هذه الدروس وأجلّها الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع حسن التوكل على الله وكمال الثقة بنصره ووعده، فها هو رسول الله وصاحبه أبو بكر وعليٌ الذي استخلفه في فراشه يضربون لنا أروع الأمثلة في ذلك، وذلك حين استخلف رسول الله علياً وخرج برفقة أبي بكر وذرّ التراب في عيون كفار قريش الذين اجتمعوا لقتله فكفاه الله مكرهم وأبطل مسعاهم، وبعدها حين سلك الطريق الذي يضادّ الرئيسي تماماً، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن وذلك بقصد تضليل كفار قريش الذين جدّوا في طلبهم.

وتزخر رحلة رسول الله بالأمثلة على هذا الدرس، ومنها عبد الله بن أبي بكر الذي كان يأتيه بأخبار كفار قريش، وعامر بن فهيرة الذي كان يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر فيمحوه، وغيرها.

تخطيط القائد..

لم يُغفل رسول الله أي جزء من الرحلة وما يسبقها وما يتبعها إلا وخطط له ووزع الأدوار وأوكل لكلٍ مهمّته وهذا من صفات القيادي الناجح، فالقائد: محمد، والمساعد: أبو بكر، والفدائي: علي، والتموين: أسماء، والاستخبارات: عبد الله، والتغطية وتعمية العدو: عامر، ودليل الرحلة: عبد الله بن أريقط، والمكان المؤقت: غار ثور، وموعد الانطلاق: بعد ثلاثة أيام، وخط السير: الطريق الساحلي من جهة يثرب، والوجهة: يثرب ، وهذا شاهدٌ على عبقرية وحكمة الرسول، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير.

" الهجرة تعني الترك والانتقال فتعالوا نترك ونغادر كل مالا يرضي الله ولا نرضاه لأنفسنا من الدنايا، تعالوا نترك كل ما يؤخرنا عن الوصول، تعالوا نترك كل ما يحجبُ عنّا رضى الله وعطائه وكرمه"

الهجرة بمعنى الترك والانتقال..

الهجرة في لغة العرب هي: ترك الشيء إلى شيء آخر، أو الانتقال من حالة إلى حالة أخرى، أو الانتقال من مكان إلى آخر.

ما أجمل أن نتوقف قليلاً عند هذه المعاني ونحن نعايش هذه الأيام ذكرى الهجرة النبوية، لننظر إلى أنفسنا المثخنة بالذنوب ومعاملاتنا المشبعة بالتقصير، فتورٌ وتقصيرٌ وهبوط في الهمّة وركون للقعود ويأسٌ واستسلام وبعدٌ عن المقاصد والأماني والأحلام.

الهجرة تعني الترك والانتقال فتعالوا نترك ونغادر كل مالا يرضي الله ولا نرضاه لأنفسنا من الدنايا، تعالوا نترك كل ما يؤخرنا عن الوصول، تعالوا نترك كل ما يحجبُ عنّا رضى الله وعطائه وكرمه، تعالوا نكن على قدر الإمداد بكامل الاستعداد، ونحن نعايش هذه الأيام أعظم وأفضل من ترك متاع الدنيا واختار الآخرة ونعيمها، الشهداء الذين اختاروا طريق التضحية والفداء، فلنقتدي.

الهجرة لبناء المشروع..

" هجرة رسول الله لم تأتِ جرّاء ظلمٍ وأذى فحسب بل جاءت لأجل البحث عن فسحة لبناء المشروع"

من أجمل ما قرأت في معاني الهجرة هو أن هجرة رسول الله لم تأتِ جرّاء ظلمٍ وأذى فحسب بل جاءت لأجل البحث عن فسحة لبناء المشروع، المشروع الإسلامي الذي بُعث لأجله محمد صلى الله عليه وسلم وذاق وأصحابه لأجله صنوف العذاب، لقد حان الوقت للبحث عن حاضنةٍ أخرى واحتواءٍ آخر.

وهي رسالةٌ للشباب وطموحاتهم وأحلامهم، لا تمت وأنت مكانك بل مت وأن تحاول هنا وهناك، تفشل هنا وحتماً ستنجح هناك، ابحث دائما وفي سعي مستمر عن حاضنة جديدة لمشروعك وأحلامك ولا تيأس، وأنت تفكر بالتحديات والصعاب فكّر أيضا بأن فسحة أمل ستفتح لك أبوابها في مكان ما فلا تتوقف عن البحث والسعي أبداً ولك في رسول الله خيرُ قدوة.

دور المرأة في الهجرة النبوية أنموذجاً يحتذى به..

ويتجلى دور المرأة المسلمة في الهجرة النبوية من خلال الدور الذي قامت به عائشة وأختها أسماء رضي الله عنهما، حيث كانتا نعم الناصر والمعين في أمر الهجرة؛ فلم يخذلا أباهما أبا بكر مع علمهما بخطر المغامرة، ولم يفشيا سرّ الرحلة لأحد، ولم يتوانيا في تجهيز الراحلة تجهيزاً كاملاً ونقل الطعام وتكبد المشقة والعناء في سبيل ذلك.

"مكة كانت أحب البلاد إلى قلب الرسول لكنّ أهلها اضطروه مكرهاً للخروج حين لم يجد لمشروعه بيئة مناسبة، فلم يتوانى أن يضحي بما يحب في سبيل ما يسعى ويؤمن به"

"والله إنكِ لخير أرض الله وأحب أرضٍ إليَّ"

وآخر ما أختم به مقالي هذا هو قول الرسول حين همّ بمغادرة مكة، حين وقف على الْحَزْوَرَةِ فقال: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرضٍ إليَّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك" (الترمذي)، وفي هذا القول ما فيه من الحزن العميق لكنه درسٌ من رسول الله لشباب أمته في التضحية بأعز وأحب ما يملك المرء في سبيل مشروعه وأهدافه، فمكة كانت أحب البلاد إلى قلب الرسول لكنّ أهلها اضطروه مكرهاً للخروج حين لم يجد لمشروعه بيئة مناسبة، فلم يتوانى أن يضحي بما يحب في سبيل ما يسعى ويؤمن به.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة في موقع "بصائر" اﻹلكتروني في الشؤون التربوية واﻷسرية ، وصحفية وكاتبة في صحيفة "السبيل" اليومية في الشأن السياسي والشبابي .

شاهد أيضاً

50 مهارة ناعمة تحتاجُها لتكون ناجحاً وسعيداً مدى الحياة (1-2)

ربما تتساءل كيف يمكن لبعض الأشخاص أن يكونوا سعداء طوال الوقت؟ يبدو أن #السعادة الدائمة …