ثلاثية الغار

الرئيسية » خواطر تربوية » ثلاثية الغار
المسجد النبوي15

في ظلال الهجرة النبوية الشريفة، هذه الذكرى العطرة المباركة لا بد أن نتوقف معها لأخذ العبر منها ونقف على الدروس المستفادة من تلك الرحلة العظيمة، لتبقى سيرة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام نبعاً ننهل منه ونرتوي.

تأتي هذه الذكرى وأحوال الأمة صعبة مضطربة، ولكنها هي كبوة الجواد فأمة كانت هجرة نبيها حضارة وبناء، هي أمة حية يتدفق في عروقها الدم وإن جمد حينا.

نتحدث عن الهجرة ليس باعتبارها حدثاً تاريخيــاً فريداً انقضى، بل هي معنى وسلوك واختيار، نتطرق إليها من ثلاث زوايا تشكل بؤراً حقيقة في محبة النبي والعيش معه عليه الصلاة والسلام، والأخذ بسيرته ومعالم حياته منهجاً على طريق الثورة على المألوف، وقهر الظلم والاستبداد، والأمل بعيش العدالة والسلام وبناء الحضارة.

1) التأسي والاقتداء:

"الاقتداء بالنبي عليه السلام هو النقطة الأولى في فهم أهمية التغيير، وأحقيتنا بالحرية، وإن اقتداءنا به عليه السلام يعمل على تكوين مصلحين لا صالحين وحسب"

إن في أحداث سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وقراءة تفاصيلها وتدبرها والتمعن فيها الكثير من الفائدة والعبر، بل هي نهج حياة تدفعنا للسير وفقه وعلى هديه عليه السلام.

إن الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام هو النقطة الأولى في فهم أهمية التغيير، وأحقيتنا بالحرية، وإن اقتداءنا به عليه السلام نحن كأفراد يخلق في نفوسنا أهمية الإصلاح ويعمل على تكوين مصلحين لا صالحين وحسب، ففي سيرته منهاج للدعاة، وفي حياته دروس للمربين في كيفية العناية بالأفراد والتأثير على الناس، ومن تتبع تفاصيل حياته يرى فيها مدرسة تخرج القائد والسياسي والحاكم.

فاليوم علينا أن نعود لقراءة السيرة النبوية العطرة والعيش معها بكليتها وتفاصيلها المختلفة؛ كي يتحقق للأمة التمكين ولتعيد مجدها وعزتها ومكانتها، من خلال الأخذ بهديه طريقا صحيحا في دعوتنا لأجل بنيان سليم مكين، قال تعالى: {لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21].

2) الأخلاق:

"هي دعوة وتجديد عهد مع أخلاق النبي لكي تسمو هذه الأمة أفرادا وجماعات، ولكي تتخلص من أزمتها الأخلاقية التي تعاني منها اليوم"

إن واحدة من مقاصد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام هي تكميل وتهذيب الأطر الأخلاقية التي كانت سائدة في تلك الأيام، والخلق الحسن هو أعتى سلاح تستطيع من خلاله فتح أعينٍ أعميت، وكسب قلوبٍ أغلقت، الخلق الحسن هو ما نرقى به ونتقدم، فلا تعني لنا المدنية والحضارة شيئاً إن كانت بلا أخلاق ولا أطر تحافظ عليها وتحميها، وفي مطلع هذا العام الهجري لا بد من الأخذ بأخلاق النبي ولا يقتصر ذلك على تعامل المسلمين مع بعضهم البعض بل مع الجميع بلا استثناء ولا تجاوزات، إنها أخلاق النبي فلنعش معها وبها ولها فهيأ مفتوحة لا ترد احداً ولا تغلق أبداً.

ولنتذكر أن خلق النبي كما وصفته أمنا عائشة رضي الله عنها حين قالت: "إِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ الْقُرْآنَ" (رواه مسلم)، والشواهد على عظمة أخلاقه كثيرة لا يتسع المقال لذكرها، ولكن هي دعوة وتجديد عهد مع أخلاق النبي لكي تسمو هذه الأمة أفرادا وجماعات، ولكي تتخلص من أزمتها الأخلاقية التي تعاني منها اليوم، ويلحظه الجميع في سلوك أفرادها ومجتمعاتها مع بعضها البعض.

3) الحب:

"في ذكرى هجرته عليه السلام لا بد أن نعيد قراءة سيرته والعيش معها والاقتداء بها، في ظل خريطة ترسم معالم جديدة للمجتمع، وفقهٍ لصناعة الحياة، وفن تحريكها وقيادتها"

تلمسوا حب نبيكم في قلوبكم، ألا تذكرون يوم زار البقيع قُبيل وفاته، سلّم على أهل البقِيع ومعه ثلّة من أصحابه ثم قال: «وَدِدتُ أنّي قد رأيتُ إخواننا» قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال «بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعدُ وأنا فَرَطُهم على الحَوض» (رواه النسائي)، أرأيتم شوق رسول الله إلينا؟ أفلا نُبادله شوقاً بشوق، أفلا نبادله حباً بحب؟!.

وما ضعفت الأمة وأصابها الهوان والذل إلا لضعف محبتها لرسول الله وبعدها عن نهجه وعدم نصرته ونصرة سنته، وأعتقد أننا بحاجة إلى تجديد حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن محبته شرط الإيمان وعلامة ذلك الاتباع، لكي تنهض الأمة من سباتها وتستعيد عافيتها.

فهي ثلاثية لا بد أن ننطلق من خلالها لعلنا نجد ضالتنا في بناء مجتمع رشيد، وتحقيق دولة عادلة، ونفوس مطمئنة هادئة، تؤمن بالتغيير وتخطط للنهضة، وفي ذكرى هجرته عليه السلام لا بد أن نعيد قراءة سيرته والعيش معها والاقتداء بها، في ظل خريطة ترسم معالم جديدة للمجتمع، وفقهٍ لصناعة الحياة، وفن تحريكها وقيادتها.

ونظل نردد قول الشاعر الأعظمي:
يا هذه الدنيا أصيخي واشهدي إنّا بغير محمَّدٍ لا نقتدي
لا رأسمالُ الغربِ ينفعُنا ولا فوضى شُيوعيِّ أجيرٍ أبلدِ
وسطاً نعيشُ كما يُريد إلهُنا لا نستعير مبادئاً لا نجتدي
إسلامُنا نورٌ يُضيءُ طريقَنا إسلامُنا نارٌ على مَنْ يَعتدي

المجموع
0
مشاركة
فيسبوك
تويتر
جوجل+

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب أردني مهتم بالشأن التربوي.

شاهد أيضاً

التعامل مع العصاة والمذنبين.. قصتان من وحي السيرة النبوية

كثيرًا ما نشتكي ونتبرم من أمراض المجتمع، وما يحتويه من تدهور وانحلال أخلاقي. ونأخذ في …