الحوار وبيئة التكوين

الرئيسية » خواطر تربوية » الحوار وبيئة التكوين
thinking1

كلما تعثرت بكلمة حوار أو ما يوحي بها أو يشير إليها، أضاءت في عقلي تلقائياً نافذة عرض مرئي وتتابع فيها عرض لمشهدين في كل مقارنة بينهما أحصد نتائج جديدة، ميّزات ومساوئ وأفكار.

المشهد الأول: حلقة متحاورين يتواصلون فيما بينهم بالأفواه والآذان والعيون والأيدي والعقول وحتى المشاعر، تتنقل الكلمات والنظرات والإيماءات عبر الحلقة في قنوات على شكل خطوط – مهما كان شكلها (حلزوني – متعرج – مستقيم... إلخ.) المشهد انسيابي في الحقيقة، لكنه جامد ونمطيّ.

المشهد الثاني: حلقة مثلها تماماً إلا في طريقة التواصل، فالكلمات والنظرات والإيماءات تُقذف قذفاً، مرة بالعين واللسان ومرة باليد ومرات بالمشاعر، كأنها حجارة أو أوراق مهملات أو علب فارغة لا يهم الرامي أين تستقر قذيفته، ولا يمكن أن يتوقع المتلقي مكان وشكل وطبيعة إصابته المستقبلية.

اصطياد الميزات من منصة الـ "بينَ بين":

لا إلى النمطيّ ولا إلى الفوضويّ، مزج بعض المزايا من المشهدين يمكنه بالتأكيد أن يفتح ثغرة في المشهد المصمت (النمطي) وإن كان مجدياً، لكن الإبداع الذي نحن معنيون به جداً في عصر النماذج المصنوعة والمكررة، يتطلب خروجاً عمّا هو مألوف.

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن كسر النمط يقدح شرارة المقارنة، ثم الولوج إلى دهليز تصنيف العيوب والميزات، يليها التأمل العميق وخلق المعنى الذي يناسب الشخص ليبدع.

"كسر النمط يقدح شرارة المقارنة، ويولجُ دهليز تصنيف العيوب والميزات، ثم يتبعها بالتأمل العميق وخلق المعنى الذي يناسب الشخص ليبدع"

في النموذج/ المشهد الأول: يمكننا أن نخرج بأفكار منطقية، فاعلة، مجدية، في أماكنها الصحيحة، تناسب المكان بدقة، وتختصر الكثير من الجهود والزمن، مقابل عيوب بسيطة لا تضر غالباً هي الملل والنمطية والروتين... إلخ..

أما النموذج/ المشهد الثاني: فسيستغرق المزيد من الوقت والطاقة والصحة النفسية، ولن ينتج شيئاً واضحاً يمكن الاعتماد عليه، إلا أن له ميزة قد تغيب عنك في النظرة الأولى، هي كسر الروتين ثم قدح الشرارة التي تكلمنا عنها، لكن المشكلة أن عيب الفوضى غير المنتهية سيغيّب هذه الميزة تماماً.

شيء من الفوضى مطلوب:

أقولها وأعنيها، لكنني بالطبع لا أعني انتهاك الآداب العامة للحوار تماماً، بل ربما انتظار الدور أو حركة واحدة من يد منظم حلقة النقاش النمطية تجعل أحد المتحاورين ينسى فكرته أو يضيعها أو تتشتت في داخله.

هناك حقيقة عن المبدعين أنهم فعلاً يستطيعون إنجاز ما هو مذهل ومفاجئ في جو من الفوضى أكثر مما يمكنهم إنجازه فوق مكاتب مرتبة وزوايا أنيقة وفي جلسات مؤثثة بعناية، حقيقةٌ يدعوها المختصون: (الفوضى الخلاقة) وأدعوها مجازاً: (بيئة التكوين) وبالتأكيد يفضي أحد المصطلحين للآخر تلقائياً.

"المبدعون يستطيعون إنجاز ما هو مذهل ومفاجئ في جو من الفوضى أكثر مما يمكنهم إنجازه فوق مكاتب مرتبة وزوايا أنيقة وفي جلسات مؤثثة بعناية"

وبالمناسبة، هكذا يمكن أن تتم برمجة العقل على الابتكار والإبداع والخلق؛ لأن البيئة من حولك إن كانت شديدة الأناقة فإنها تحوّل العقل تلقائياً إلى آلة تتبع المنطق والمفروض والسائد في تأثيث الحياة وتسييرها.

نافذة بسيطة في مكان عشوائي ربما، يمكنها أن تغيّر الكثير وتجعل الحوار خلّاقاً مجدياً ومثمراً كأحسن ما يكون.

بيئة الحوار صحية لنمو الأفكار:

تخيّل معي...

لو أن عقولنا مقسمة كقطع "بازل" أو تُروس، أليست الفراغات والنتوءات في أول نظرة عابرة إليها تحتاج ما يملأ ثغراتها، أو تملأ ثغراته بنتوءاتها؟
هكذا هي الأفكار، تولدُ ضعيفة، بلا قدرات ولا مهارات ولا أدنى مقومات التكيف مع الحياة، إن رماها صاحبها على طاولة حوار فستكتمل، ويشتد عودها وتقوى شيئاً فشيئاً لتصبح جاهزة فتضيء وتتحدى الظلام.

ينطبق هذا الكلام على الحوار مع أنفسنا أيضاً، إن لم يكن أكثر جدوى!

" تولد الأفكار ضعيفة بلا مقومات للتكيف مع الحياة، لكنها فوق طاولة الحوار تكتمل، ويشتد عودها وتقوى لتصبح جاهزة فتضيء وتتحدى الظلام"

لقد تعودنا على الدراسة النظرية والحفظ والتلقين منذ بدء حيواتنا، في أول سنوات ننطلق فيها خارج المنزل نبدأ بحفظ الأرقام والحروف والأغنيات..

لا اكتشاف، لا تخيّل، لا بحث، لا تشكيل، لا تكوين، لا شيء من هذا كله، وإن تمت إضافته فيندر أن يكون متميزاً وصحيحاً، يخطر ببالي شكل السنوات التي سبقت مرحلة الرياض فأصطدم بقائمة الأوامر: اجلس، كل هذا، هذه اللعبة ممنوعة، خذ هذا الشيء وتَلَهّ به، تابع التلفاز... وحديثاً: يُرمى للطفل جهاز ذكي فيحيله غبياً غالباً!

لو أنني مثلاً طرحت سؤالاً على أحدهم: هل تعرف ما هي آداب الحوار؟ سيعددها كأنه يعْلِمُك باسمه الممتد، وربما أشد تركيزاً ودقة بل إنه قد يفلسف لك الآداب على شكل محاضرة.

لم أكن معنيّة يوماً في تعداد ما يمكنك التقاطه من أي مكان آخر (كتاب تنمية بشرية، قراءة مقال نمطيّ أو إبداعي، التأمل في الفكرة... إلخ.) لكنني سأظل أحاول أن أضيء المشاهد وأصوّرها كما تبدو، أتأمل وأتخيل وأسعى للتجديد!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب – قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة – مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد – شعر) و (في ثنية ضفيرة – حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

لكنك عند الله غالٍ

طبيعة الحياة أنها مجبولة على كدرٍ لا تكاد تصفو لبشر، ولو أنها استقامت لأحد لكان …