إنها ببساطة ثورة شباب فلسطين!

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » إنها ببساطة ثورة شباب فلسطين!
intifada27

شهدت فلسطين المحتلة، زيارات متكررة في الأيام الماضية، من جانب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، للقاء مسؤولين فلسطينيين وصهاينة، من أجل إخماد انتفاضة القدس الحالية.

وفي حقيقة الأمر؛ فإنه لا يغرنا أننا نتكلم عن رأس الدبلوماسية في "أكبر" دولة في العالم في زمننا الحالي؛ لكي نقول إن تقديراتهم بشأن الانتفاضة الحالية خاطئة؛ حيث إن هذه التقديرات بالفعل خاطئة، وبالتالي؛ فإن الفشل الذريع يقابل كل الجهود التي تبذلها هذه الأطراف، في السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، وفي الولايات المتحدة، من أجل وقف الانتفاضة.

"الانتفاضة ليست عبارة عن حِراك سياسي ذو واجهة جماهيرية؛ وإنما هي حدث أكبر وأعمق، ويرتبط بعدد من الأمور الأوسع نطاقًا على المستوى الجيوسياسي الإقليمي والدولي"

فالانتفاضة الحالية على وجه الخصوص، إنما هي ذات طبيعة خاصة تختلف عن سابقاتها من الانتفاضات التي قام بها الفلسطينيون عبر تاريخ الصراع مع الحركة الصهيونية، منذ انتفاضة البُراق، وحتى الآن؛ حيث إنها ليست عبارة عن حِراك سياسي ذو واجهة جماهيرية؛ وإنما هي حدث أكبر وأعمق، ويرتبط بعدد من الأمور الأوسع نطاقًا على المستوى الجيوسياسي الإقليمي والدولي، مما يؤكد أنها سوف تستمر لفترة طويلة قادمة، وسوف تقود إلى تضاعيف أكبر بكثير على الكيان الصهيوني.

اندلعت الانتفاضة الفلسطينية على إثر سلسلة من الاعتداءات التي طالت منطقتَيْن أساسيتَيْن من الحرمات بالنسبة للشعب الفلسطيني، الأولى منطقة حرمات دينية، وهي المتعلقة بالمسجد الأقصى المبارك، ليس فيما يتعلق فحسب بالاقتحامات التي تزايدت بشدة في الفترة الأخيرة، وإنما كذلك مع وضوح المخططات الصهيونية إزاء الحرم والبلدة القديمة بأسرها، لـ"أسرلتها" إداريًّا وسياسيًّا و"قانونيًّا"، وتهويدها هويةً، وهو أمر لم يكن بهذه الفجاجة والوضوح في انتفاضة الأقصى الثانية التي اندلعت في العام 2000م، وإن كانت له بوادره، والتي قادت إلى ما عُرِفَ بهبَّة أو انتفاضة النفق، في العام 1996م، في عهد حكومة بنيامين نتنياهو الأولى، والتي قادت لإسقاطه في انتخابات مبكرة فاز بها حزب العمل بزعامة أيهود باراك في حينه.

منطقة الحرمات الثانية، تلك المتعلقة بأعراض وأرواح الفتيات والأطفال الذين ما فتئت آلة الإجرام الحربية الصهيونية، وشُذاذ الآفاق من المستوطنين اليهود، تقوم بأفعالها الإجرامية معهم على الحواجز وفي الشوارع، بل وفي بيوتهم، ولعل في جريمة عائلة الدوابشة، التي ماتت حرقًا في بيتها، ومن قبلها الطفل محمد أبو خضير، ما يقول الكثير.

"وصل الشباب الفلسطيني والجيل الجديد  إلى قناعات عدة لا يمكن معها التراجع أو التفكير في خيارات بديلة، مهما كانت التحديات الأمنية والسياسية المطروحة، ومهما كان عِظَم التضحيات المقدَّمة"

هذه الأمور أوصلت الشباب الفلسطيني والجيل الجديد الذي نشأ في ظل انتفاضتَيْن عظيمتَيْن سابقتَيْن، إلى قناعات عدة لا يمكن معها التراجع أو التفكير في خيارات بديلة، مهما كانت التحديات الأمنية والسياسية المطروحة، ومهما كان عِظَم التضحيات المقدَّمة، ولاسيما مع فشل مختلف الحلول السياسية المطروحة في الوصول بالوضع إلى حتى الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية.

فالانتفاضة الأولى – على سبيل المثال – انتهت في ظل وعود "أوسلو" الطموحة، والتي تحولت إلى "كابوس" بالنسبة لمروجيها في الجانب الفلسطيني، ومكاسب كبرى بالنسبة للكيان الصهيوني، سواء من خلال اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية، بالكيان الصهيوني، أو من خلال التنسيق الأمني واتفاقية باريس 1994م، والتي أسست لسيطرة صهيونية كاملة على الاقتصاد الفلسطيني وعائداته السيادية.

أما انتفاضة الأقصى فقد انتهت بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الثانية، في العام 2006م، ظنًّا من الشعب الفلسطيني أن الانتخابات جاءت بحكومة جديدة كطليعة مقاوِمة، ومن ثَمَّ؛ فقد رأى الشعب الفلسطيني إفساح المجال أمام الحكومة الجديدة التي أفرزتها الانتخابات، لتثبيت أقدامها، وبدء تنفيذ برنامجها المقاوِم.

ولكن ما حدث أن تم – كالعادة – الارتكاس على التجربة الديمقراطية الفلسطينية التي شهد لها العالم بالنزاهة، لأنها جاءت بالإسلاميين، تمامًا كما حدث في الجزائر في التسعينيات، وفي مصر وفي تونس، في مرحلة الربيع العربي.

هذه الأوضاع لم تعُد متوافرة في الوقت الراهن، ولم يعد هناك ما يمكن أن تخدع القوى الداخلية والإقليمية والدولية، به الفلسطينيين، وباتت الرؤية واضحة.

نأتي بعد ذلك إلى النقطة الأهم التي تقول بأن هذه الانتفاضة مختلفة عن سابقاتها من انتفاضات وهبَّات الشعب الفلسطيني، وهي الأجواء التي اندلعت في إطارها انتفاضة القدس، على المستويين الداخلي والخارجي.

داخليًّا، وصل الانقسام بين النخب الفلسطينية إلى مستوى جعل الشباب والجيل الجديد ينفلت من أي انتماء سياسي فصائلي ضيق، ويتحرك في إطار سياسي أوسع، وهو قضية الوطن الفلسطيني السليب، وبات لسان حاله يقول إنه آن الأوان لكي يكون الفعل فلسطينيًّا؛ لا فصائليًّا.

وهو ما يبدو شديد الوضوح في فعاليات الانتفاضة؛ فبالرغم من الحصار المفروض على "حماس" في قطاع غزة، وفي الضفة من خلال السلطة الفلسطينية، وبالرغم من تقاعس بعض القوى والفصائل "الكبرى" عن دعم الانتفاضة، وإجراءات حكومة نتنياهو ضد الحركة الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، الداعم الأهم للانتفاضة في الوقت الراهن؛ فإنها لا تزال مستمرة، وبوتيرة متزايدة، لأن "الناس" هم من يقومون بها، ولا ينتظرون تخطيط أو إمداد؛ فبعضهم يخرج من بيته وهو مسلحًا بسكين مطبخ عادي، ليقوم بواجبه، ويُستَشهَد أو ينسحب؛ سيَّان بالنسبة له، فالمهم هو الفعل ذاته.

"لا يمكن فصل انتفاضة القدس عن ربيع الثورات العربية التي قام بها الشباب، الحركي وغير الحركي، الإسلامي وغير الإسلامي، ومن كل الفئات والأطياف"

إقليميًّا، لا يمكن فصل انتفاضة القدس عن ربيع الثورات العربية التي قام بها الشباب، الحركي وغير الحركي، الإسلامي وغير الإسلامي، ومن كل الفئات والأطياف.

عندما اندلعت الثورة المصرية في أعقاب ثورة الياسمين في تونس؛ قيل إنها – الثورة المصرية – هي امتداد للثورة التونسية، ولما وقع في ليبيا واليمن وسوريا ذات الحدث؛ بدأ الحديث عن ربيع عربي انطلق من ثورة الشباب والشعوب بشكل عام.

نفس الشيء ينطبق على انتفاضة القدس الحالية؛ حيث هي إحدى تجليات ومحطات الربيع العربي، وهي رؤية غائبة عن الكثيرين عند تقييمهم للانتفاضة، ولذلك قد لا يكونون متفائلين بتطورها واستمرارها وببقائها على قيد الحياة، في ظل غياب الظهير السياسي والرسمي لها.
أما لو تم وضع الانتفاضة في موضعها الصحيح، كواحدة من ثورات الشباب العربي؛ فإن الصورة والنظرة سوف تتغير كليًّا فيما يتعلق بتوصيفها، واتجاهاتها المستقبلية بشكل خاص.

فالثورة عندما لم تحقق أهدافها في مصر؛ استمرت، وبوسائل عدة، وبرغم كل التحديات والفخاخ المنصوبة أمامها، والتضحيات التي يقدمها الشباب، ولا يزال هناك من يسعى لإكمال الرسالة، ليس في مصر فحسب، وإنما في ليبيا وفي سوريا وفي دول الربيع العربي الأخرى، بالرغم من كل الارتكاسات التي حصلت ضد الثورة هناك.

ومن هنا، سوف تختلف النظرة إلى الانتفاضة، وربما لو نظر إليها "كيري" ومن معه بهذه الصورة؛ فسوف يفهمون من مشاهد الشوارع الثائرة في مصر، وفي سوريا، أن الانتفاضة لن تنتهي إلا بعد أن تحقق أهدافها ولو بعد حين!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

النزاع والفرقة والدور المطلوب

من سنن الله الكونية التي لا تتخلف في كل زمان ومكان أن الوحدة قوة وهي …