امتلك مساحتك الحرة

الرئيسية » خواطر تربوية » امتلك مساحتك الحرة
Privacy (1)

التأمل في خلق الكون على هذه الهيئة لا يوصل إلى الله بانسياب فحسب، إنه أيضاً ينسق الحياة بشكل عمليّ مريح بالتوازي مع كل الفوائد المباشرة وغير المباشرة التي يحققها التأمل، فحينما جاء الكون بهذا النسق العجيب جاء لحكمة خفيّة ترك زمام الخوض فيها للإنسان، كغيرها من منح الله وموجوداته في الروح والنفس والمادة.

وهذه منحة ربانية أخرى تترك للإنسان مساحته الخاصة التي تحفظ حقه في أن يكون له كيانه وفكره وطريقة حياته الخاصة به، ويبدو مطلوباً بل أكيداً وواجباً على كل منّا أن يحترم كينونة الآخر واختياراته وخصوصيته.

“من حق الإنسان أن تكون له مساحته الخاصة التي تضمن حقه في أن يكون له كيانه وفكره وطريقة حياته الخاصة به”

ولأن الكمال لله وحده؛ فإن حقيقة أن النفس البشرية المطعّمة بالنقص أضفى عليها الفوائد الجمة، لكن الرغبة في ملء النقص تجعل الإنسان أحياناً يشذّ عن الطبيعة ناشداً الكمال، ومنتظراً إياه من الآخرين، وحينها سيضطر البعض لتغطية الثغرات، وتكميل النواقص وتلميع الجزء الباهت من الصورة ولو بطرق التفافية وغير منطقية بحثاً عن كمال، ومثالية لن تكونا في متناوله مطلقاً!

عندما يقف أحدنا على شرفة بيته ويراقب جيرانه، سيتضايق الجيران بالتأكيد، كل منهم سيزعجه سبب ما، ويمكن أن يتصرف تصرفاً مضاداً يكون شرارة البدء في مشكلة وتوتر تليه سلسلة من التراشق بعيداً عن تحكيم الأخلاق. ربما يضطر أحد الجيران أن يبدو مثالياً أمام من يراقبه، جار آخر قد يرد بنفس الطريقة ويراقب من يراقبه، ثالث يمكن أن يؤذي من يراقبه، غيره يمكن أن يفضح عيوب المراقِب التي شغلته عنها مراقبته للآخرين، وقليلون جداً من لن يهتموا وسيكونون على طبيعتهم دون أن يحسبوا حساباً لمن يراقبهم، هكذا ستبدأ سلسلة الأخطاء والخروج عن الطبيعة الإنسانية؛ لأن كسر الفطرة مرة واحدة سيتسبب بكسرها لاحقاً مرات ومرات، ولن يضمن انسياب الحياة كما شيء لها أن تنساب ببساطة ويسر.

مثل ذلك تماماً حين يدفع الفضول أحداً منا لمراقبة خصوصية غيره، والسماح لنفسه بالتلصص على أشيائهم، واستراق السمع والنظر إلى ما يقولون وما يفعلون وما يخبئون أو لا يخبئون على فرض واعتبار أن لا أحد ستحدثه نفسه بمحاولة معرفته.

“الحياة في ظل التكنولوجيا جعلت الخصوصية التامة ضرباً من الأحلام، لكن احترام ما أراد شخص ألا يكشفه حق له على من حوله”

لا شك أن الحياة في ظل التكنولوجيا غيرت الكثير، وجعلت الخصوصية التامة ضرباً من الأحلام، لكن احترام ما أراد شخص ألا يكشفه شيء واجب وأكيد وحق له على من حوله.

لمّا أتأمل في المسافة العظيمة بين السماء والأرض – وقد كانتا رتقاً من قبل – أربط ذلك مباشرةً بالفلك الذي يحق لأحدنا أن يحيط نفسه به فلا يسكن معه فيه أحد ولا يطلع عليه بشر أبداً حتى الأصدقاء والأهل والزوج، مثلها المسافات الافتراضية التي جاءت بها الفطرة بين الإنسان والإنسان، وبين الشيء وما يكمله، أؤكد قناعتي في أن من حق أي إنسان أن تكون لديه زاوية وستار يسحبه متى شاء دون أن يحاسبه أحد على ذلك، أو ينتقده ويطالبه بالانكشاف.

ومتأمل ذلك لا يتخطى حدوده، فقد كان لزاماً أن نتأمل في فكرة المساحة الخاصة لكل منّا كبشر نحتاج أن يكون لنا ركننا الخاص الذي لا يزاحمنا فيه أحد أو شيء، الذي نشعر بأننا قادرين بداخله أن نكون أحراراً تماماً، قانعين بأن هذا يخصنا وحدنا ووحدنا فقط من يتحكم به دون إهمال اطلاع الله علينا بالطبع، وحتى لو لم يكن لدينا ما نخبئه، أو نستحي من إظهاره وقوله للآخرين.

فاحترام المساحة الخاصة لفرد ما، يدل على الثقة به وبقدراته وعقله وأخلاقه، يدل على احترام الإنسان للإنسان واحترامه لرغباته ولكونه قائماً بذاته، يدل على رقي العقول والأفئدة والوجدان، يدل أيضاً على شغلها بالأهم عن التافه والعادي وحتى الأقل درجة في الأهمية، فالتصرفات هي العملة المتداولة للعقول، وقد قيل إن العقول الراقية تشتغل بالأفكار، أما المتوسطة فتنشغل بالأخبار، لكن العقول الصغيرة هي فقط من تتلصص على الناس.

“منح الإنسان خصوصيته طريق مباشر للتخلص من العقد التي تحدد التفكير وتقنن الخيال وتمنعه عن الانطلاق المشروع”

لا يمكن بحال أن يرضى إنسان منسجم العقل والوجدان بأن يوصف عقله بالصغير، الضئيل، الضائع، حتى وإن كان مجنوناً أو مختلاً عقلياً أو مريضاً حقاً.
لسنا بحاجة لنقد التدخل والتضييق على حرية الآخر حتى ندرك ميزات منحهم الحرية؛ فكلنا نعاني من مراقبة الآخر ونعرف عيوب ذلك، ولا حاجة كذلك لتعداد الفوائد والمزايا لاحترام خصوصية الآخر، فلو لم تكن لها فائدة سوى احترام الطبيعة الفطرية والأمر الرباني بعدم التجسس، لكفى! بينما تقريرك كشخص عدم التدخل في خصوصية الآخرين سيحقق حياة رائعة تبدأ ربما عند حفظ خصوصية نفسك ومساحتك الحرة الخاصة التي لن يدخل إليها أحد.

وعلى أقل تقدير...

عندما يترسخ في وجداننا فكرة أحقية الفرد بحريته وبالمساحة الخاصة، نسمح بتسريب الهواء والضوء عبرها فتخلق جواً تنويرياً دائم التجدد يكون الطريق المباشر إلى الإبداع، بالانفتاح الثقافي والفكري وإلى الحرية بالتخلص من العقد التي تحدد التفكير وتقنن الخيال ومناطق الوصول فيه وتضع المعابر والحواجز وتغلقها أمام الانطلاق المشروع، نكون حينها في غنى فتح باب جديد للمطالبة بحق أصيل من حقوق الإنسان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

زمان الوهن الأكبر!

روى أبو داود وأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يوشك الأمم أن …