بين القائد والواعظ

الرئيسية » بصائر تربوية » بين القائد والواعظ
public-speaker1

تمتاز حركة حماس بالشمول والتكافل من حيث المبدأ والمنهج والعمل، وهي توزع نشاطاتها وفعالياتها على مختلف المجالات وشتى الميادين. وهي بذلك تغطي كل الجوانب السياسية والعسكرية والتربوية والثقافية والدعوية والاجتماعية والجماهيرية والمؤسساتية وغير ذلك، وكل جانب منها يحتاج إلى فئة من العاملين تشرف عليه، وإلى قيادة خاصة تتولى متابعة الأمر، ولا شك أن كل ميدان يلزمه قيادة ذات مواصفات محددة تتناسب وطبيعته، وقد يبدع الأخ في مجال ما ويفشل في غيره، وقد يكون مثالاً في العمل التربوي والدعوي لكنه لا يملك مقومات القيادة في العمل الإداري والتنظيمي، وهذه مسألة بات من الضروري توضيحها ورسم الخطوط الفاصلة بين حدودها بعيداً عن العواطف والمشاعر والمجاملات الشخصية.

وهنا ينبغي التفريق بين المواصفات والشروط الواجب توفرها في شخصية القائد سواء على المستويات العليا للحركة ككل أو على مستوى المناطق الفرعية في القطاعات المختلفة، وبين ثلة كريمة من الرموز الاعتبارية من الأئمة والخطباء والوعاظ والمدرسين والمؤلفين الذين يعبرون عن الفكرة الإسلامية العامة. وحتى أولئك الذين يتصدرون ويتحدثون في كثير من المناسبات الجماهيرية التي تنظمها الحركة في مختلف المناطق.

وفي تجربتنا حدث بعض التضارب والخلط بين تلك المواقع، حتى ظن الناس بمن فيهم جماهير الحركة أن كل خطيب مفوه هو قائد فعلي، وأن كل واعظ مؤثر هو مسئول كبير، وأن كل إمام في مسجد هو صاحب قرار، وليس الأمر كذلك، والحقيقة مغايرة في كثير من الأحيان.

ولهذه المسألة أسباب وأبعاد متنوعة منها ما يتعلق بتطور الحركة وأساليب عملها خاصة خلال السنوات التي سبقت الإعلان عن انطلاقة حماس، وفي مرحلة كان يغلب عليها العمل الثقافي والدعوى والتربوي وهي بمجالات يبرز فيها الخطباء والوعاظ.

ولهذا كان من الطبيعي أن يشرف هؤلاء على العمل الحركي في المناطق الفرعية، وأن تبدو هذه الفئة التي تحظى بالإحترام كما لو أنها القيادة الحقيقية والفعلية في ظل غياب هيكلية تنظيمية معلنة للحركة.

هناك بعد آخر مرتبط بسياسة الحركة والتي تقوم على أساس سرية التنظيم وهو أمر استدعته ظروف العمل تحت الاحتلال وقد حافظت الحركة على هذا الترتيب قبل انطلاقة حماس ثم أكدت عليه بعد ذلك وتشددت فيه خاصة مع دخولها ميدان المقاومة المباشرة والعلنية ضد الاحتلال، وخلال سنوات طويلة اضطر جزء كبير من القيادة العملية الميدانية والتنظيمية إلى العمل في الخفاء والتحرك خلف الكواليس بعيداً عن الأضواء، وأدارت القيادة العمل تحت الأرض بحيث كان لا يعرف تفاصيلها ومواقعها الحركية إلا القليل من الإخوة العاملين المنظمين رسمياً في حين ترك العمل الشعبي والوعظي والدعوي في عهدة أخوة آخرين.

غير أنه ينبغي على الحركة أن تبين هذه القضية في هذه المرحلة. خاصة مع تطور الحركة في الأداء والزيادة الهائلة في عدد العناصر المنتمية إليها، والتأييد الشعبي الكبير إضافة على تصدر الحركة للعمل الوطني المقاوم وتأثيرها البالغ على القضية الفلسطينية برمتها.

"قيادة حركة مقاومة ليست خطبة تلقى أو موعظة تقال، وليست نظم أشعار أو كتابة مقال لكنها أمانة عظيمة، وقرارات ومواقف تتعلق بها دماء وأرواح ونفوس وممتلكات"

إن قيادة حركة مقاومة تحت الاحتلال في ظل ظروف معقدة ومركبة دولياً وإقليمياً ومحلياً مع ما يرافقها من متغيرات وتحديات كبيرة متلاحقة هو أمر يحتاج صاحبه إلى مواصفات عالية وقدرات مميزة، وخبرة واسعة وإمكانات شخصية وقدرة على التعامل مع الآخر الحليف أو الخصم، والمؤيد والمخالف والصديق والعدو، ولم تعد قيادة الحركة تتحرك على الصعيد الداخلي فقط بحيث يكون التعامل مع فئة من أبناء الدعوة وأنصارها والذين يتمتعون بصفات محددة ويحلمون مواقف متشابهة يسهل إدارتها والإشراف عليها.

ليس المقصود هنا الاستهانة بأحد أو التقليل من شأن أحد أو تجاهل فضل الدعاة كل في موقعه. ولكنها الأمانة والمسؤولية، وهنا نستحضر مشهد الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري حينما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله أن يستعمله في أمر من شؤون المسلمين فكان رد الرسول عليه السلام واضحاً وصريحاً بقوله: "يا أبا ذر. إنك ضعيف وأنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها"، وهذا لا ينقص من خيرية أبي ذر ولا من مكانته، فإنه ما أظلت الغبراء ولا أقلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر.

ولهذا وجب على الواعظ أن لا يقدم نفسه في مواقع يغلب على ظنه أنه ليس أهلا لها، وليس له أن يزاحم القيادة، وإن كانت سرية، مستغلاً بعض الشعبية الناتجة عن عمله الجماهيري العلني، وله أن يكثف جهوده في مجاله بتناسق وتناغم مع السياسات العامة التي تحددها قيادة الحركة في كل مرحلة.

أما دور أعضاء الحركة وعناصرها فيتمثل في إدراك هذا الفارق بين القائد والمسؤول وبين الواعظ والخطيب، فلا يُحمل الثاني ما لا يحتمل ولا يطالبه بما ليس لديه ولا يحاسبه على ما لا يملك، وإذا شارك هؤلاء الأعضاء في انتخابات داخلية على أي مستوى كان لاختيار ممثلين أو قادة للحركة فإنه من المهم استحضار هذه المسألة في الأذهان عند الاختيار.

والحركة مطالبة بأن تظهر قيادتها الحقيقة في كل المواقع إذا سنحت الفرصة المناسبة لذلك مع مراعاة الضرورات الأمنية والمصلحة العامة للحركة، وذلك إذا أصبحت القيادة في مكان آمن لا تصله يد العدو، أو عندما يختار الله بعض القيادة شهداء إلى جواره، أو إذا وقع آخرون في الأسر وثبتت عليهم أمور حكم عليهم العدو على إثرها بالسجن لفترات طويلة، وهذا يدخل في معرفة الفضل لأهل الفضل، لكن أهميته الكبرى تبرز من خلال وضع الأمور في نصابها وتحديد مواقع الناس وأماكنهم، ولقد أظهرت التجارب أن عدداً من الوعاظ متقنون في مجالهم لكنهم يعانون من ضعف في معرفة الناس وصعوبة في التعامل مع الشرائح المختلفة من الشعب، كما أن لديهم نقصاً كبيراً وملحوظاً في متابعة الأحداث ومواكبة تطوراتها في المساجد وغيرها، وبين جمهور الحركة وبقية الناس من المحايدين والمخالفين والمعادين، الأمر الذي يتطلب اختلافاً في لغة الخطاب وتبايناً في آلية التعامل مع كل فئة.

ونحن هنا لا ننظّر لقائد جاف يعيش بعيداً عن المحاريب أو يجافي المنابر، ولكنه قائد يحتاج إلى قدرة على اتخاد القرارات الصعبة في الظروف الحساسة واللحظات المصيرية.

إن قيادة حركة مقاومة ليست خطبة تلقى أو موعظة تقال، وليست نظم أشعار أو كتابة مقال لكنها أمانة عظيمة وحمل ثقيل، وقرارات ومواقف تتعلق بها دماء وأرواح ونفوس وممتلكات، وأرضٌ مقدسة اجتمع الأعداء على تدنيسها.

وفي هذا المقام نستشهد بقول المرشد العام مصطفى مشهور رحمه الله: "الداعية القوي المؤثر في الجماهير أو المؤلف الذي يتقن الكتابة في مجال الدعوة ليس بالضرورة أن يتقن الجوانب التنظيمية أو الإدارية أو العسكرية فلا يقدم إلى مثل هذه المجالات إلا إذا ثبت بالتجربة كفاءته فيها".

أما إذا اجتمعت مواصفات القائد مع تأثيرات الواعظ وكفاءة المسؤول مع فصاحة الخطيب، وقرارات الأمير مع بلاغة قلمه فإن في ذلك مزيداً من الخير والبركة.

وحسبنا في ذلك شخصية الإمام البنا الذي كان قائداً فذاً وخطيباً مفوهاً وكاتباً مبدعاً وواعظاً مؤثراً ومدرساً متقناً، وكذلك كان شيخ الشهداء من بعده الإمام أحمد ياسين رحمه الله، وكذلك نحب لقيادتنا أن تكون.

-----------------------------------------------------------------------------------

* قيادي في حركة المقاومة الإسلامية- حماس

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب في موقع بصائر، قيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وناطق باسمها. أسير فلسطيني محرر في صفقة وفاء الأحرار.

شاهد أيضاً

كيف تجعل رمضان عادة لك طوال العام؟

يعاني الكثيرون منَّا من مشكلة مزمنة بعد انتهاء شهر #رمضان المبارك، وهي ضياع الحماسة الكبرى …