لماذا ينفر الناس من مهنة “المعلم”؟!

الرئيسية » بصائر تربوية » لماذا ينفر الناس من مهنة “المعلم”؟!

العلم رافعة الأمم نحو النهوض والتقدم والرقي في جميع مجالات الحياة، فكم من أمة جعلها العلم في عداد الدول المتقدمة مع قلة مواردها وثرواتها المعدنية. وبالعلم تفتح الآفاق وتحل المشاكل والمعضلات، لذلك عنت الأمم بالتعليم عناية فائقة، وركّزت على لبنته الأساسية ألا وهي المعلم، فهو مربي الأجيال ومخرجهم من ظلمات الجهل لنور المعرفة والعلم.

لم يغفل الدعاة والمربون عن هذه الميزة المهمة للمعلم، فاعتنوا به وجعلوه على رأس أولوياتهم، فقد كانوا يتسابقون في الأمس القريب إلى وظيفة التعليم؛ لِمَ علموه من شرف هذه المهمة الجليلة العظيمة، وأثرها الطيب على الدعوة والداعية، فمعلم الناس الخير يستغفر له أهل السماوات والأرض، وتصلي عليهم النمل في جحورها والحوت في المحيطات والبحار، فكم فردٍ اهتدى للدعوة من وراء معلم أدّبَه وربّاه وكان دليله للاتحاق في صفوف الدعاة، حتى أن الدعاة كانوا يُدفعون من علماء الدعوة ومشايخها لتقمص وظائف التعليم واستغلالها خير استغلال لنشر الفكر الإسلامي.

ولكن عصرنا حمل دعاة جدداً نفروا من التعليم ووظائفه!! واستبدلوه بتخصصات أخرى ليس لها علاقة بالتعليم من قريب أو بعيد، مما جعل عدد الدعاة المعلمين يتضاءل ويتجه أن يصبح أقلية، مع أنه لم تكن مدرسة تخلو من داعية، أمّا الآن فأصبحت كثيرٌ من المدارس خاوية من الدعاة، فما هي أسباب هذا النفور؟ وما مخاطره؟ وما السبيل لعلاجه؟

"سقطت هيبة المعلم وقل تقديره واحترامه بين الناس، بسبب تجرؤ الطلبة أو أولياء أمورهم عليه، وعدم وجود قوانين وتشريعات تحميه وتعلي من شأنه"

أسباب نفور الدعاة من وظيفة المعلم:

لعل أسباب نفور الدعاة من وظائف التعليم لا تختلف كثيراً عن أسباب عوام الناس في ذلك، وتتلخص فيما يلي:

أولاً: سبب اقتصادي وهو متعلق بقلة العائد المادي من وراء وظيفة التعليم في أغلب الدول العربية والإسلامية، فيسعى الفرد في المجتمع لتحسين وضعه الاقتصادي، بالبحث عن وظائف أخرى بعيداً عن التعليم.

ثانياً: وسبب آخر اجتماعي متعلق بحفظ هيبة المعلم في العملية التعليمية، فقد سقطت هيبته وقل تقديره واحترامه بين الناس، بسبب تجرؤ الطلبة أو أولياء أمورهم عليه، وعدم وجود قوانين وتشريعات تحميه وتعلي من شأنه، ومن أسباب ذلك مشاركة مجموعة غير مؤهلة علمياً أو سلوكياً في وظائف التعليم.

ثالثاً: الإجهاد النفسي في التعامل مع الطلبة، مع قلة التدريب وضعف الوسائل التعليمية، وتآكل علم المعلم وشعوره بالدوران في دائرة مفرغة.

خطورة ترك التعليم من الدعاة:

مع ما تكلمنا عنه من أسباب دفعت كثيراً من الدعاة لترك العملية التعليمية أو عدم الإقبال عليها من الأساس، إلا أن خطورة هذا الأمر تتلخص في ترك الأجيال لمجموعة من المعلمين لا يحملون قيماً أو مبادئ، أو يستخدمون الطلبة لتحقيق مصالحهم ومآربهم الشخصية، بل قد يحرفون الطلبة باتجاهات معادية للفكر الإسلامي، فما هو الجيل الذي سيخرجه معلم يحمل أفكاراً ألحادية أو غربية مادية؟!

أضف لذلك أن أحد الروافد الأساسية للدعوة هو المعلم وتركه للتعليم معناه إغلاق هذا الباب، ومشاركة الداعية في التعليم يساعد على نهوض الأمة من سباتها وكبوتها.

ما هو العلاج؟

"أثبت المعلم الداعية أنه صاحب مهارة تفوق أقرانه الآخرين لأنه صاحب رسالة وغاية نبيلة متعلقة بدعوة الناس للخير"

إنّ سبب العلاج يكمن في حل مشكلاته الرئيسية، ولا شك أن كثيراً من الأسباب تلك خارج عن إرادة الدعوة والداعية، فهي تحتاج لتغيير سياسة الدول، وما في أيدي الدعاة هو المطالبة بمراجعة تلك السياسات عن طريق النقابات والهيئات المختصة بذلك، وأثبت بعض الدعاة نجاح ذلك في دولهم.

ويبقى على الدعاة دور أساسي متعلق بالتضحية والصبر على مشاق التعليم مقابل المردود الإيجابي من وراء ذلك، بالإضافة إلى التطوير الذاتي من قبل الدعاة أنفسهم سواء بجهد جماعي كإقامة الدورات والندوات أو الجهد الفردي من خلال الرقي بالذات وسعة الاطلاع وتنويع الوسائل المستخدمة، وقد أثبت المعلم الداعية أنه صاحب مهارة تفوق أقرانه الآخرين لأنه صاحب رسالة وغاية نبيلة متعلقة بدعوة الناس للخير فهو لا يريد من وراء ذلك مكسباً مادياً أو غاية دنيوية بل لغايته وهو إرضاء الله.

أضف لذلك أن دور علماء الدعوة تراجع في التوجيه والإرشاد والحث على وظائف التعليم، وهذا يحتاج لمذكّر للدعاة حتى يعود المعلم الداعية النشيط الذي يمثل مفخرة للدعوة وركناً أساسياً من أسس نهضتها، فوجود الداعية في المدرسة دليل مرشد للدعوة وحامٍ لها من أعدائها المتربصين بها.
قال أحمد شوقي:

قُـــم لِـــلــمُــعَــلِّــمِ وَفِّـــــــــــهِ الــتَــبــجــيــلا *** كــــــــادَ الــمُــعَــلِّــمُ أَن يَــــكــــونَ رَســـــــولا

أَعَـلِـمـتَ أَشـــرَفَ أَو أَجَـــلَّ مِــنَ الَّــذي *** يَـــبـــنـــي وَيُـــنـــشِـــئُ أَنـــفُـــســـاً وَعُـــــقــــولا

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

هل تريد أن تكون سعيداً؟!

السعادة هي حق ومطلب شرعي لكل إنسان.هي غايتنا ومقصدنا وكل ما نسعى للوصول إليها. نبذل …