ليس من حقكم أن تتنازعوا فتشقّوا صفوفنا

الرئيسية » خواطر تربوية » ليس من حقكم أن تتنازعوا فتشقّوا صفوفنا
أدب الاختلاف 2

أغمضت عيناي مئات المرات عن تلك الكلمات والتعليقات والحوارات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة، فلم يعد خافياً على أحد أن الخلاف والنزاع -في بعض المناطق- انتقل من الغرف المغلقة إلى المنابر المتنوعة، وتردد القلم أن يكتب أو يشارك في أي حوار أو تعليق، لعل جذوة النار تنطفئ، فكل من شارك فيها علانية زادها اشتعالاً من حيث لا يدري.

لكن بعدما وقع المحظور وبدأ أثر الخلاف يظهر على الدعوة والداعية وجب التنبيه والتحذير، هي رسالة لمن يهمه الأمر، إلى قادة الدعوة والفكرة، إلى قدوة الناس في المجتمعات، هذا ما يصنعه نزاعكم أمام الناس جهاراً نهاراً، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

تصدّع البنيان

"عندما ظهر النزاع وطال أمده بين القيادات تصدعت في نفوس كثير من أبناء الدعوة الفكرة والدعوة بل وقل إيمانهم بها"

جزءٌ من أبناء الدعوة خاصة الشباب منهم، ينظر لقادته نظرة احترام وتقدير، فعيونهم مُشْرَعةٌ نحو كلماتهم وسلوكهم وأفعالهم، فهم قدوتهم في دعوتهم، ولم يصلوا لتشرب الفكرة تشرباً تاماً يقيهم من تعلقهم ببعض الأشخاص والقادة، وعندما ظهر النزاع وطال أمده بين القيادات تصدعت في نفوس كثير منهم الفكرة والدعوة بل وقل إيمانهم بها، وما يزيد الطين بلة أن الخلاف ليس على الفكر والمنهج بل جزء كبير منه خلاف شخصي أو اصطفاف، فهم متفقون على الفكرة والوسيلة، ألم يعلمنا هؤلاء القادة على الوحدة والتماسك مهما كانت الظروف؟! ألم يقولوا بأنّا إخوانٌ متحابون مسلمون؟ وأنّه مهما نختلف في الرأي فإن ذلك لا يفسد في الود قضية.

علمونا كيف نتحاور ونتشاور لنخرج بأفضل الأفكار والآراء وهام هم عالقون في شباكه لا يخرجون، وكثير من الشباب يراجع نفسه اليوم وحساباته.
ومجموعة أخرى من أبناء الدعوة وقفت حائرة، ماذا تفعل حيال هذا النزاع!! فهي تحاول أن تتعامى عنه وتتهرب من سؤال العامة عنه، وتحاول جاهدة بكل طاقتها أن تخفف من آثاره ولكن ما باليد حيلة، وفي كل يوم يمر علاقتهم بالجماعة تضعف وتتصدع، لأن أساس الفكرة هي الوحدة والتآلف لا النزاع والتحالف.

ضعف الأعمال وموت بعضها:

أمّا الأثر على العمل في شتى مناحيه فحدِّث ولا حرج، فأقل ما يقال فيه أنّ الحماسة المتوقدة له انطفأت، فيقول بعض العاملين إلى ماذا ندعوا الناس إلى فُرقة أم إلى وحدة!!

فهُدمت مجموعة من الأعمال وبدأ الفشل يدب في معظمها، كأن قوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} ماثلٌ أمام أعيننا، وكل يوم يمر تنحسر الأعمال كأنَّ النزاع موج عالي يضرب كل ما هو أمامه فيتركه محطماً.

الأثر على المؤيدين والمقربين من الدعوة:

وهذه الفئة مع الدعوة بقلوبها، ومجموعة منهم مستعد لفداء الدعوة بأرواحها ومهجها، وأثر النزاع عليهم كبير، فهم لا أمل لهم بالأمة إلا في جماعتها المسلمة، فقادة الأمة إما مغيبون أو فاسدون، وهم ينتظرون من قادة الجماعة ما تُحلُ به العُقد وتفرّج به الهموم، فهم أصحاب منهج ودعوة ربانية سمت فوق كل مادة ودنيا.

"المتربصون بالدعوة، استغلوا النزاع لتوجيه سهامهم لها، فلم يسلم من ذلك داعية ولا مناصر، فهم أشد الناس فرحاً بهذا النزاع"

وصدمتهم أنّ القادة المتنازعين خيبوا آمالهم، لا يهمهم ما أسباب النزاع ودوافعه فكل هذه التفاصيل لا تعنيهم، فمهما كان نزاعهم ذو أهمية لن يرقى لهموم الأمة وأوجاعها، فكثيرٌ منهم تخلى عن مؤازرته وتأييده للدعوة ومنهجها.

موقف المتربصين بالدعوة:

أضف لذلك أنّ أعداء الدعوة والمتربصين بها استغلوا النزاع لتوجيه سهامهم لها، فلم يسلم من ذلك داعية ولا مناصر، فهم أشد الناس فرحاً بهذا النزاع، ويذيعونه وينشرونه كأن عيداً عندهم، ويلومون كل مؤيد للدعوة على مناصرته ووقوفه معها، ويبثون روح اليأس والقنوط، ويساهمون في هدم كثير من البناء الذي شُيِّد.

إنّ أصحاب الدعوة الذين تعلقوا بأفكارها لا بشخوصها وأفرادها لم يهزهم هذا النزاع والخلاف بين قادتها، ولكنهم يحزنون كأنّ جبلاً على صدورهم، وينادون من قلوب نازفة ألماً، من حقكم أن تختلفوا ولكن ليس من حقكم أن تتنازعوا فتشقوا صفوف الدعاة تبعاً لأفكاركم.
إنّ الفشل المترتب على النزاع أكبر من أن تسعه بعض الكلمات، فيا قادة الأمة ثوبوا إلى رشدكم، فالأمة معلقة كثيراً من الآمال عليكم فلا تخيبوا ظنهم، فما زال هناك بقيةُ وفسحةٌ من أمل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

التعامل مع العصاة والمذنبين.. قصتان من وحي السيرة النبوية

كثيرًا ما نشتكي ونتبرم من أمراض المجتمع، وما يحتويه من تدهور وانحلال أخلاقي. ونأخذ في …