أبو هليل: الإعراض عن الوسطية عينُ الهلاك وضياع الدين والدنيا معًا

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » أبو هليل: الإعراض عن الوسطية عينُ الهلاك وضياع الدين والدنيا معًا
54696ce73c924467855442

لا يمرّ يوم في حياة الإنسان المعاصر دون أن تتعرّض عيناه أو أذناه للفظي التطرّف والمتطرّفين، وذلك في وصف المواقف والآراء في مختلف المجالات، أو في وصف أساليب ومناهج في العمل التربوي أو الدعوي أو السياسي أو حتى في الممارسات الحياتية اليومية.

وفي كلّ مرحلة ترتبط هذه المفردة بتداعيات وصور محدّدة ينشرها الإعلام وتتضمن الآراء المسبقة وأنصاف الحقائق والافتراضات بخصوص جماعات من البشر توصم بالتطرّف..

فما هو التطرّف وكيف يستخدم هذا المصطلح اليوم، وما أسبابه، وما هي سمات الشخصية المتطرّفة، وما منهج الإسلام الوسطي في التعامل مع التطرّف، هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها الباحث والكاتب الأستاذ عدنان سليم أبو هليل، فإلى التفاصيل:

بصائر: بداية، ما معنى التطرّف وما التوصيف الشرعي لهذه المفردة وما أشكاله في حياتنا المعاصرة؟

أبو هليل: الإسلام استخدم مصطلح (الغلو)، (التنطّع)، (التشدّد) بدل التطرف ، وهو التعبير الشرعي الصحيح عن التطرّف، حيث لم يرد الأخير في النصوص الشرعية، وإن كانت كلمة التطرّف معروفة في اللغة ومعناها: الوقوف في الطرف بعيدا عن الوسط، وأصله في الحسيّات، كالتطرّف في الوقوف أو الجلوس أو المشي، ثمَّ انتقل إلى المعنويات كالتطرف في الدّين، أو الفكر أو السلوك.
والغلو والتطرّف أصل البلاء ورأس الفتنة، ثمَّ يأتي استخدام العنف والشدَّة والقسوة ومن ذلك الإرهاب والإرعاب وتخويف الناس.
والتطرّف إذا التزمنا معناه الحرفي بوصفه نعتًا وصيرورة لفكرة أو سلوك –هو الذهاب بتلك الفكرة أو ذلك السلوك إلى الحد الأقصى.
وبهذا المعنى يمكن أن تكون الذات الفاعلة متطرّفة فيعنفها أو سلميتها، وفي تشدّدها أو تسامحها. وبهذا الربط الأخير يتجلّى عقم استخدام هذا اللفظ حتى بوصفه مصطلحًا، فضلًا عن أن يكون مفهومًا مفيدًا في تحليل الظواهر الاجتماعية.
أمَّا أشكال التطرّف، فيمكن حصرها في الظواهر التالية:
أ‌- التكفير: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قال الرّجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما)).
ب‌- القتل والعنف وإراقة الدم.
ت‌- العزلة عن المجتمع.
ث‌- اتهام المخالف بقصور الدين.
ج‌- رفض مشاركة المرأة في بناء المجتمع.
ح‌- التشدّد في الفتوى؛ فقد روى البخاري وغيره أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قال: ((إنَّ الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه،فسدّدوا،وقاربوا،وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدلجة. وفي رواية: ((القصد القصد تبلغوا)). وروى مسلم وغيره أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((هلك المتنطعون.. قالها ثلاثاَ))؛ والتشدّد هو التعمّق والمبالغة في الأعمال الدينية وترك الرّفق.. ولا يفعل ذلك أحدٌ إلا عجز وانقطع فيغلب.
خ‌- الخلط بين الموقف الفقهي والموقف السياسي.

بصائر: إذا كان هذا هو التوصيف لمفردة التطرّف، فما أبرز سمات الشخصيات المتطرّفة؟

أبو هليل: من أبرز سمات الشخصية المتطرّفة، ويمكن اعتبارها من أسبابه ودوافعه:
أولاً- الخيالية أو المثالية: فهو يتخيّل دولة ومجتمعاً طاهرين ولا يتخيل المعيقات والوقائع والتمنّع لدى الناس.. فيقيس على ذلك ويتحاكم إليه.
ثانياً- الذوبان: يجب الفصل بين دوافع القادة في الحركات السياسية المتطرفة ودوافع الأتباع. والدافع الرئيس للأتباع هو التضامن والانتماء. وهو في الحالات الانتحارية يصل إلى درجة الذوبان الذاتي في الجماعة والتماهي معها والتخلّي عن الاستقلالية الشخصية في مقابل التضامن والانتماء إلى الجماعة أو الأخوية،لاشكّ في أنّ توقّع أنّ الفعل يؤثّر أو يفيد في الوصول إلى الهدف النهائي هو من أهمّ الدوافع للتضحية بالنفس. وبهذا المعنى فإنّ ثمة أمرًا ما عقلانيًا في هذه الخطوة. والعقلانية المقصودة هنا هي بمعنى حسابات العلاقة بين الهدف والوسيلة.
ثالثاً- الثأر: ويؤدّي التضامن إلى تقوية مشاعر الانتقام في حالة موت صديق أو رفيق أو قريب. والقدرة على تنفيذ فعلا لانتقام بدعم جماعة تدفع لهذا وتبرّره. وغالبًا ما يكون الدافع إلى القيام بعملية انتحارية هو صدمة موت صديق أو قريب قتَلها لعدوّ الذي تُنفَّذ ضده العملية. في هذه الحالة تعزّز الجماعة القدرة على الثأر،وإيجاد معنى في الموت في الوقت عينه.
رابعاً- القيمة الفردية: بمعنى أنَّ النظم غير الديموقراطية تعزّز الاتجاه نحو الانكفاء الشخصي والحزبي، فيبدأ في التكون انتماء جديد لدى المنتمي متجه للجماعة كبديل عن الدولة والمجتمع.. بقدر ما تعزّز الجماعة قيمة لهذا الفرد.. من هنا فإنّ الديمقراطية هي بالتأكيد إحدى الطرق لحلّ مشكلة الإرهاب والطابع الانتحاري.
خامساً- اليأس والإحباط : عوامل الحرمان واليأس ودون أن نقصرها على المادية أو على الفئات الفقيرة وبخاصة حين يتعلق الأمر بقضايا مثل الهوية الذاتية والجماعية والمعنى في الحياة، فإنَّ اليأس والإحباط هو أحد سمات الشخصية المتطرّفة.
سادساً- الجهل: وبتأمّل في تكوين كثيرين ممَّن كانت لديهم القابلية للاستقطاب والسقوط في شباك التطرّف نجد أنَّ بعضهم كان قليل الاطلاع على المعارف والثقافات والأفكار ولم يكن الكتاب ولا وسائل المعرفة أحد اهتماماته.
سابعاً- التشتت: فبعض المتطرّفين كان في أسرة مشتتة مضطربة تعاني من عدم الاستقرار والنزاعات.
ثامناً- ردة الفعل: بالذات في مطلع شبابه إذا ارتفق بثلة فاسدة فأغوته وأوقعته في الرذائل والموبقات ثم استيقظ فجأة من غيه بعد ضغط شديد من تأنيب الضمير وأراد أن يكفر عن سيئاته فانقلب إلى الضد.

بصائر: برأيك، ما الأسباب الرئيسية لسلوك الأفراد لمنحى التطرّف؟

أبو هليل: يمكننا أن نجمل أسباب التطرّف فيما يلي:
1. الحرمان: كالحرمان من رعاية أحد الأبوين أوكليهما في سن مبكرة.
2. صدمة نفسية شديدة خاصة في الطفولة.
3. الاضطراب: كاضطراب العلاقة مع مؤسسات المجتمع (بالأخص الوالد، والسلطة، والأسرة، والمدرسة، والمسجد، والأصدقاء).
4. القلق والاكتئاب ففي محاولة الشخص للخروج من دائرة القلق أو الاكتئاب يلجأ إلى نقل مجال الصراع من داخل النفس إلى الخارج؛ حيث يصبح الصراع دائرًا بين النفس والمجتمع وبالتالي يصبح الصراع أقل إيلامًا للشخص وأكثر قبولاً منه حيث يشعره أنه يقوم بدور ما.
5. اضطراب الشخصية الباراتوي: وهذا الشخص المتعالي المتسلط الذي يرى أنه جدير- وحده – بتوجيه الناس إلي ما يريد، وأنَّ الناس- كل الناس-عليهم أن يسمعوا ويستجيبوا وإذا اعترضوا فلا بد من قهرهم ولو بالقوَّة.
6.الاضطرابات الضلالية: حيث يعتقد المريض في نفسه أنه المسيح المهدي المنتظر أو الإمام الأعظم الذي جاء لهداية الناس، وفي بعض الحالات يستطيع المريض أن يكتم هذا الاعتقاد عن المحطين به ولكنه يتصرف انطلاقًا عنه فيظهر أمام الناس في صورة مصلح أو داعية مشوَّه الفكر والوجدان والسلوك.
7. الفشل: فشل في تحقيق ما يريد على المستوي الشخصي لذلك يحول القضية الشخصية إلى قضية عامَّة، وهذا يعطي لمعاناته ومحاولاته معنى أكبر يخفف من آلام الإحباط الشخصي الذي يشعر به، وفي ذات الوقت لا يجد نفسه وحيدًا في هذه الأزمة.

بصائر: أين منهج الإسلام من الفكر المتطرّف، وما دور العلماء والدّعاة في تجسيده على أرض الواقع؟

أبو هليل: إنَّ أصول الإسلام لا تقرّ التطرف، والإسلام منهج وسط للأمَّة الوسط، وهو يمثل الصراط المستقيم في كل المجالات، ويجسد التوازن والاعتدال في كل شيء: في العقيدة والعبادة ، وفي الأخلاق والمعاملات والتشريعات كلها، بعيدًا عن الغلو والتفريط . قال الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}. وقال سبحانه: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَان}.
وسلوك هذا الطريق المستقيم أو المنهج الوسطي هو طريق النجاة للأمة الإسلامية، وهو الذي يصل إلى الغاية المنشودة في رقي الأمة مادياً ومعنوياً، والعودة بها إلى القيادة للبشرية الحائرة بما لديها من رسالة ربانية إنسانية أخلاقية عالمية متكاملة متوازنة.
والإعراض عن هذه الوسطية والجنوح إلى أحد طرفي الإفراط أو التفريط هو عين الهلاك وضياع الدين والدنيا معًا. يقول نبيُّ الرَّحمة والعدل والتسامح -صلّى الله عليه وسلّم- في التحذير من الغلو والإفراط وهو التنكّب عن الوسطية والصراط المستقيم، وأنَّه سبب هلاك من كان قبلنا: ((إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين))؛ فلذا يجب على العلماء والأمراء توعية الناس وإرشادهم إلى الصراط المستقيم وإعادتهم إلى الوسطية والاعتدال حتى يكونوا من خير الأمم التي أخرجت للناس، ويكونوا خيارا عدولا أهلا للشهادة على الناس في الآخرة وقيادتهم في الدنيا،ومن نعم الله على هذه الأمة أن جعلها أمة وسطًا، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143).
ب‌- التحذير منه بوصم غير المسلمين به: الآية الثانية فقد جاءت في سورة المائدة، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}. (المائدة:77). وروى أحمد عن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)). وهكذا رواه البخاري ولفظه: ((فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)).

بصائر: لماذا يتهمون الإسلام بالتطرّف؟ وما خطورة التوظيف السياسي للتطرّف؟

أبو هليل: بعض الإسلاميين يمارس التطرّف بخطأ أو اختراق لتشويه الإسلام وفي الحالتين، فإنَّ خصوم الإسلام يستغلون ذلك ويعمموه على كل الإسلام والإسلاميين.
والبعض يرى الطّرح الإسلامي ذاته (وبصرف النظر عن أخطاء التطبيق) متطرّفاً لانطلاقه من الذهنيّة التي تحصر الإسلام في المجال الديني العبادي والتشريعي الفردي الذي يخاطب الإنسان في مفردات حياته الخاصّة، بعيداً عن المفردات المتحرّكة في الحياة العامّة، فيُنكر على الفكر الإسلامي أن يكون لديه مشروع كامل في الواجهة العمليّة، أو مشروع اقتصاديّ متكامل في إطار مذهب اقتصادي مميّز.. ولذلك، فإنّه يرى في الطّرح الشّامل للإسلام نوعاً من المغالاة في تفسير النّصوص وفهم القواعد التشريعيّة، وتطرّفاً حادّاً في حركة الإسلام على صعيد الواقع.
وقد يطرح البعض المسألة في هذا الاتجاه على صعيد آخر، فهو لا ينكر على الإسلام شموليّته لجميع جوانب الحياة في خطّه الفكري والتشريعي، ولكنّه يجد ابتعاد الواقع عن هذا الطّرح، لأنّ انحسار الإسلام عن حركة الحياة السياسية والقانونية، وتطور الواقع في اتجاه الأفكار الأخرى، وسيطرة القوى المضادة للإسلام على المجرى الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي بطريقة شاملة ساحقة، إن هذه الأمور قد تجعل من طرح الإسلام بهذا الشمول قضيةً خاسرةً على مستوى الواقع، كما تؤدّي إلى خلق أكثر من مشكلة في حياة الناس، وتجلب الكثير من الأخطار إلى مصالحهم، وتمنع الاستقرار والهدوء عندهم، وتعقّد أوضاع السّاحة بشكل غير معقول، بما يعني أنَّ الإصرار على هذا الطرح تطرّف عن الوسط العادل والمنطق السليم.
ومن مخاطر ذلك التوظيف السياسي للتطرّف:
أ‌- تشويه حقيقة الإسلام؛ قال ابن القيم - رحمه الله – في كتابه (مدارج السالكين): (ما أمره الله بأمر إلاَّ وللشيطان فيه نزعتان إمَّا إلى تفريط وإضاعة وإمَّا إلى إفراط وغلو ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه. فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيّع له، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوز الحد).
ب‌- إيقاع الظلم.
ت‌- العزلة عن المجتمع.
ث‌- تحريض الآخرين على الإسلام وخوض معارك معيقة عن المشروع الكبير.
ج‌- هجرة رؤوس الأموال وتعطيل التنمية.

بصائر: برأيكم، هل من سُبل عملية لمواجهة التوظيف السياسي للتطرّف، والخلل الحاصل من ربط بعض الأفكار المعتدلة بالتطرّف؟

أبو هليل: لمواجهة الخلل الحاصل في وسم الأفكار المعتدلة بالتطرّف ومحاولات البعض توظيف "التطرّف" سياسياً، أقترح ما يلي:
1. إنهاء حالة التفرد السياسي الذي تمارسه كثير من الحكومات والأنظمة،والتوقف عن سياسة القمع وتكميم الأفواه، والتوجه لفتح أبواب الحريات المسؤولة في كافة الجوانب.
2. معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، وتقليص الفجوة الآخذة بالاتساع بين أغلبية مقهورة ومسحوقة في المجتمعات العربية، وبين أقلية متنفذة تسيطرعلى الثروات والمقدّرات والدخول.
3. إعطاء استقلالية حقيقية لمؤسسات التوجيه الديني، والتوقف عن توظيفها كأداة لحشد التأييد لتوجهات السلطة السياسية.
4. التوقف عن وضع جميع الحركات الإسلامية في كفة واحدة ومناصبتها جميعها العداء بشكل أعمى، ودون وعي أو تمييز، وإدراك أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الحركات الواعية في مواجهة الفهم الخاطئ.
5. الحذر من دعم مظاهر "التطرف العلماني" في مواجهة "التطرف الديني"، فكلا التطرّفين نتائجه خطيرة على المجتمعات العربية والإسلامية، وتنامي الواحد يستفز الآخر ويعمل على تفعيله.
6. إنهاء الاحتلالات والعدوانات الأجنبية الصهيونية والأمريكية والطائفية لبلاد الأمَّة العربية والإسلامية، لما فيها من إهانة للكرامة الوطنية ويقلل شأن الدولة ويشجع على تجاوزها.
7. وقف التصريحات المعادية للإسلام والمسلمين في الغرب سواء من قبل بعض وسائل الإعلام أو بعض النخب السياسية والفكرية والدينية.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

بصدور عارية.. المقدسيون يواجهون مخطط “الكاميرات والبوابات”

في تلك المدينة الفاضلة، حيث لا سيادة سوى لنبض الإنسان الذي يعرف كيف تصنع الكرامة. …