إلى أختي فيحاء شلش

الرئيسية » بأقلامكم » إلى أختي فيحاء شلش
فيحاء شلش

هل أنتِ بخير؟ يبدو سؤالًا سخيفًا لامرأة ترقب إضراب زوجها في يومه الثالث والستين دون أن تلين له قناة، وغريبًا لامرأة تحاول أن تبذل كل جهدها لنصرة زوجها غير عابئة بانتصار المجتمع له أو خذلانه، ولكنه سؤال صادق يجول في خاطر الكثيرين والكثيرات ممن يرقبون تحليقك حول زوجك ومعه ولأجله، ويلمسون ثباتك واستمراريتك في كل مكان تحطين فيه؛ فهل أنتِ بخير حقًا؟

أعي معنى أن يبكي الإنسان ألمًا حين يفقد الإحساس بأطرافه، وحين يطوي على الجوع أيامًا، وحين يعصف به البرد تدثره دموعه وآماله، وحين تأكل الوحدة قلبه وإن أحاط به المحبون وبعض المتعاطفين، وحين يعاف الطعام والراحة مكتفيًا بما تيسر، وحين يبقى يحدث نفسه وهو يرقب أطفاله ويتمنى لو يدركون أو يعذرون ويسأل الله لطفه ورحمته، وحين يبقى يسعى وحيدًا ينشر الدفء وهو يتقلب بين الرجاء والخوف لا يدرك ما حل بقلبه سواه!

وأنتِ تجولين وأنا أسمع صوتكِ في كل حين وأتابع حروفك ورسائلك؛ أشعر بك تتحسسين موضع نبضه فيكِ، ولكننا ونحن نغالب عجزنا وقلة حيلتنا، ونحن نعلم أن المسلم عليه أن يُسْلِم أمره لمولاه؛ نجدنا نلوذ إلى القلق عله يكفر عنا بعضًا مما فاتنا لأجل محمد وزوجه وبنيه!

في كل صباح حين نلتقط أنفاسنا وترتد إلينا أرواحنا نستأنف متابعتنا وترقبنا لكل ما يهمنا بنشاط وأمل، وما أن يلفظ اليوم أنفاسه ويرخي الليل أسداله؛ حتى يغدو القلق أنيسًا موحشًا.

أتعلمين؟ الليل ليس لنا، منذ زمن لم يعد لنا، كل الآلام، والهموم يحلو لها الطواف بنا ليلًا، نحدثها وتحدثنا، تثير أشجاننا، ومدامعنا، وتسلب النوم منا، تقلبنا ذات اليمين وذات الشمال، لكنها أبدًا لا ترحل، تحيل ليلنا نهارًا أحيانًا، وأحيانًا أخرى تدفعنا لاحتضان الهاتف نتفقده كلما تقلبنا، ونقلب الأفكار والتساؤلات، إنها تجعل من هذا القلق ووحدة الشعور والمشاركة عن بُعد؛ ترجمانًا لتداعينا كالجسد الواحد.

قد تكونين وحدك واقعًا لكنك في الشعور وفيما تفرق لأجلك في أخواتك وممن عاينّ هذا المصاب؛ لستِ وحدك، لستِ وحدك والله معك، لستِ وحدك والكل معكِ.

قد بدأت أمنا خديجة رضي الله عنها وحدها تسند رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حين خذله مَن خذله، وكذّبه مَن كذّبه، لكنه في النهاية انتصر وأراد الله أن تبلغ به رسالته عالمًا مظلمًا ضالًا؛ فكان النور والهداية وبقيت خديجة مَعلمًا ومنارةً لكل امرأة تقف إلى جوار زوجها تدفع به وبرسالته إلى غايتها، لستِ وحدك وفي كل قضية بات لنا امرأة نموذجًا تهدي حيارى النساء وترشدهم كيف تكون المرأة عظيمة تنتصر للمباديء وتنحاز إلى زوجها مهما كان الثمن.

لستِ وحدك وفي كل قضية وحدث بات هناك شاهد أو شاهدة على صدق الادعاء والوفاء من مجتمع وأشخاص وهيئات.

جمعكِ الله بمحمد قريبًا بإذنه، وأزال ما أهمك، وأعانك على ما أنتِ فيه.

خالص الدعاء ووافر الحب

 


* فيحاء شلش: صحفية فلسطينية، وزوجة الصحفي الأسير المضرب عن الطعام محمد القيق، وأم لطفليهما؛إسلام ولور.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • فلسطين
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    شطرنج الحياة!

    لعبة الشطرنج، أول ما يطرق اسمها على آذان مستمعيها يقتصر إدراكهم على تلك اللعبة العقلية …