الإسلام وقوانين العمران.. عود على بدءٍ في دروس حركية

الرئيسية » بصائر الفكر » الإسلام وقوانين العمران.. عود على بدءٍ في دروس حركية
الإسلام25

تمر الحركة الإسلامية في الوقت الراهن بموقف معقد، فرضته عليها الارتكاسات التي حصلت على ثورات الربيع العربي، والكيفية التي حصلت بها هذه الارتكاسات، وخلفياتها؛ حيث شمل ذلك عمليات قتل ومصادرات وجرائم أخرى، قامت بها أطراف داخلية وإقليمية ودولية، وامتدت وتشعبت هذه الحرب، لكي تشمل الإساءة إلى الإسلام نفسه.

قادت هذه الأمور إلى عواقب وخيمة على المشروع الإسلامي الحضاري، بلا شك، وصورته أمام الآخر، ومع تصاعد العمل الأمني والعسكري من جانب الأنظمة والحكومات ضد الإسلاميين، والتي وصلت إلى صورة الحرب الصريحة المسلحة؛ فإن الكثير من القناعات تغيرت لدى أجيال كاملة من شباب ورجال الحركة الإسلامية، ونسائها، بحيث مالت إلى فكرة التطرف، وتأييد سلوك العنف.

تحول ذلك إلى ممارسة حقيقية من جانب البعض في الغرب، ضمن تبعات ملف الهجرة الشرعية وغير الشرعية من العالم العربي والإسلامي، إلى أوروبا والأمريكتَيْن، وهو ما زاد وفاقم من أزمة المشروع؛ حيث تُعتبر الصورة الذهنية هي المفتاح أو القفل، الذي يوضع على باب أية دعوة أو مشروع سياسي أو أيديولوجية فكرية؛ حيث هي في الأساس –هذه الدعوة والحراك الخاص بها– عبارة عن محاولات لتغيير قناعات، ولن يوجد من يغير قناعاته إلى ما يتصوره أمر أسوأ مما هو يؤمن به من فلسفات أو عقائد أو أديان؛ حيث يجب أن يكون الجديد هذا بالنسبة له "أفضل".

و"أفضل" هذه ترتبط بمدى تحقيق الفكرة أو الدعوة الجديدة لمجموعة من الاعتبارات والاشتراطات، من أهمها أن تتفق مفردات هذه الفكرة أو الأيديولوجيا الجديدة أو الدين الجديد، مع فطرة الإنسان، وتحقيقها لمقاصد خلقه، ومتطلبات حياته، وقواعد العمران والتطور الحضاري، حتى على المستوى المجتمعي أو الفردي الصغير.

وهذا جاء به الإسلام، فالإسلام جاء لكي يحفظ للناس حياتهم وأعراضهم، وضمان حقوقهم إزاء الآخرين، وإزاء بعضهم البعض، كما أنه جاء بما يؤكد أن الحياة والإصلاح وإعمار الأرض، هي سُنن الخلق الإلهي الأصلية، وليس كما يروج البعض، من ضرورة الهدم، مع عدم طرح أي بديل لذلك الهدم، بحيث إن غير المؤمن بالإسلام، ومفرداته، مثل الجهاد، وهذه الأمور؛ لن يقدِم على الإيمان به، حتى لو افترضنا –خطأ وحاشا لله– أن الدين الإسلامي يدعو إلى الخراب والهدم لأجل العقيدة أو كذا.

وتزداد وطأة ذلك في المجتمعات العلمانية والليبرالية؛ حيث لن تقنع أبدًا شخصًا ينتمي لمذهب المنفعة الفردية، ويقدم مصالحه على حساب انتمائه الديني، بأن يقبل أفكارًا كالجهاد لأجل العقيدة أو ما شابه، قبل أن يدخل الإسلام عن اقتناع، وذلك من خلال مفاتيح العمران والإصلاح أولاً.

ومبدأ "لم نؤمَر بقتال بعد" واضح تمامًا في فقه تعامل الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، مع المواقف والأحداث في سنوات البعثة الأولى، وكل ما جاء به الرسول "عليه الصلاة والسلام"، واجب الأخذ به في هذه الحالات؛ باعتبار أنه يحمل تشريعات وقواعد الإله وتعاليمه، إلى البشر، ولا ينطق عن الهوى.

“لا معنى لأن يقوم بعض المنتمين إلى الحركة الإسلامية، بالتحول الفكري والسلوكي عند الأزمات؛ لأنه من المفترض أن التربية التي تلقوها، تؤكد على أن كل ذلك متوقع”

والإسلام ليس بدعًا من قوانين وسنن العمران، فشاءت إرادة الله تعالى وحكمته البالغة أن تسري عليه أو بمعنىً أدق، على الدعوة والداعين إليه، أفرادًا وحركات، دعاةً وساسة وعلماء، القوانين العمرانية المختلفة؛ فليس لأنه الإسلام، الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، أو لأنك مسلم؛ يوضع لك القبول؛ حيث لابد من تفعيل القوانين اللازمة لتفعيل هذا القبول، ولابد من معارك، وما شابه لذلك.

وقبل الاسترسال؛ ثَمَّة ملاحظة مهمة ها هنا، وهي لا يوجد معنى لأن يقوم بعض المنتمين إلى الحركة الإسلامية الصحوية، التي تحمل رسالة الإسلام الحضاري، بالتحول الفكري والسلوكي عند العوارض والأزمات؛ لأنه من المفترض أن التربية التي تلقوها في المحاضن التربوية، تؤكد على أن كل ذلك متوقع، وتؤكد على ضرورة الصبر والاحتساب، والمضي قُدُمًا في المشروع.

وبالعودة إلى هذا الذي نقول؛ فإن الإسلام ليس دينًا بالمعنى القريب فحسب، أي العقائد والعبادات وكذا؛ إنما هو طريقة تفكير شاملة، وتصور للكون وقوانينه، لأن واضع هذا الدين، هو خالق هذا الكون، وبالتالي؛ سيضع –بحكمته البالغة– شريعة تصلح للتواؤم مع القوانين والقواعد التي خلق بها الكون، تمامًا مثل الجاذبية وسرعة الضوء وكذا؛ تجاوزها مستحيل وإن تم، يعني الاحتراق والفناء للمخلوق.

لذلك، ليس وجهة نظر أو مبالغة أن نقول إن الالتزام بقوانين الحركة وقواعد العمران البشري، والتي تأصلت في عصرنا الحديث في علمَيْ الاجتماع والاجتماع السياسي، تُعتبر من، لن نقول أركان الإيمان، ولكن على الأقل، وجهٌ من أوجه الفهم الصحيح لحقيقة هذا الدين، وحقيقة رب العزة سبحانه.

فمن بين أهم أركان فهم الإسلام، هو فهم قوانين الخلق الإلهي واتباعها في الفعل والحركة، والإيمان بها مهم، والأهم من ذلك إدراكها لأن في ذلك مصلحة الإنسان، لأن القوانين الربانية التي تحكم الكون والحياة الإنسانية، مفروضة فرضًا على الإنسان وكافة المخلوقات، ولا يمكن تجاوزها بحال، سواء آمنت بها أم لا، أي انها بصورة أو بأخرى، شكلٌ من أشكال القضاء والقدر الإلهيَيْن الواجب علينا التسليم بها، والتعامل معها وبموجبها.

إذًا، المسلمون –والحركة الإسلامية أَوْلَى بذلك، باعتبار أنها طليعة الأمة– مطالبون في حراكهم بالخضوع لقوانين العمران، والعمل بها، لأنه من دون ذلك؛ يكون المسلم والمشروع برمته،عرضة لخطر الفناء.

والإسلام هو أكبر صاحب أكبر حركة تغيير شهدها التاريخ، ومثَّل انتشاره ثورة في العقيدة والفكر، وفي السياسة كذلك؛ حيث قاد إلى ظهور دولة جديدة في شبه الجزيرة العربية، غيّرت وجه العالم القديم كله، والإسلام جاء ليحرر الإنسان من عبودية غير الله؛ فلماذا -إذًا- لا يقبل المسلمون الآن بهذه الطبيعة الحيوية لهذا الدين؟!، ويتعلمون من تضحيات جيل التأسيس الأول، الذي تحمل ما لم يتحمله بشر، وأصروا –في المقابل– على الثبات على المبدأ، مهما كان عِظَم الألم!..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع “بصائر”، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة “القدس” الشهرية، التي تصدر عن “مركز الإعلام العربي” بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: “أمتنا بين مرحلتين”، و”دولة على المنحدر”، و”الدولة في العمران في الإسلام”.

شاهد أيضاً

“افعلوا الخير” دعوة قرآنية وخُلُق نبوي

يقول رب العزة تبارك وتعالى في كتابه العزيز: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا …