الارتكاس والمرتكسون بين الماضي والحاضر

الرئيسية » بصائر تربوية » الارتكاس والمرتكسون بين الماضي والحاضر
nefaq 21

لفت انتباهي جداً كلمة الارتكاس في القرآن الكريم؛ لما لها من وقع نفسي كبير، فوجدت أن معناها رد الشيء مقلوباً، فركس الشيء إذا قلبه على رأسه أو رد آخره على أوله، وقد وردت في القرآن الكريم في موضعين:

قــال تـعـالى: {فـمـا لـكم في الـمنـافـقين فـئـتـين واللـه أركسهم بـما كسبـوا أتريـدون أن تـهـدوا من أضل اللـه ومن يـظلل اللـه فـلن تـجد لـه سبيــلا} [النساء:88]، وفي الآيـة 91 من نفس السورة قـوله تـعـالى: {ستـجدون آخـرين يـريدون أن يــأمنوكم ويـأمنوا قـومهم كـل مـا ردوا إلى الـفتنة أركسـوا فيـهـا}.

يـقـول صـاحب تـفسير الـمـنـار الـمرحوم مـحمد رشيد رضا في الآيـة 88: "والـحـاصل أن الـركس (بكسر الراء) والإركاس شـر ضـروب التـحول والارتـداد، وهـو أن يـرجع الشيء منـكوسا عـلى رأسه إن كـان لـه رأس، أو مـقـلوبـا أو مـتـحولاً عـن حـالة إلى أردأ مـنـها كتـحـول الـطـعـام والـعـلف إلى الرجيع والـروث، والـمراد هـنـا تـحـولهم (المنافقون) إلى الـغـدر والقـتـال أو إلـى الشـرك. وقـد استـعـمل في الآيـة في التـحول والانـقلاب الـمـعـنوي أي من إظهار الـولاء والـتـحيز إلى المسلمين إلى إظهـار الـتـحيز إلى الـمشركين، وهـو شـر الـتـحول والارتـداد الـمـعـنوي كـأن صـاحبه قـد نـكس عـلى رأسـه وصـار يـمشي عـلى وجـهه. ومـن كـانت هـذه حـالة في ظهـور ضـلالتـه في أقبـح مـظاهرها فـلا يـنـبـغي أن يـرجو أحد من الـمؤمنين نـصر الـحق من قبلـه.." (ج5 ـ 322).

هذا هو حال المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، غيّروا ولاءهم من الولاء لله ورسوله والمؤمنين، إلى الولاء لأعداء الله من المشركين والكافرين. وأظهروا تحيزهم لهم ورفضوا الخروج مع المؤمنين في غزواتهم، وكانوا بقلوبهم مع أعداء الله تعالى.

إذا أردنا أن نطبق هذه الحالة على الدعوة الإسلامية، فإننا يمكن أن نفهم المرتكس على أنه المنقلب الذي تحول عن مبدئه وفكرته وخالف قناعته الأولى

وفي واقعنا إذا أردنا أن نطبق هذه الحالة على الدعوة الإسلامية، فإننا يمكن أن نفهم المرتكس على أنه المنقلب الذي تحول عن مبدئه وفكرته وخالف قناعته الأولى، وتغيّر على من أعطاهم العهد والميثاق أن يناصرهم، بل وتحالف مع عدوهم أو تقرب منه طلباً للسلامة في الدنيا وخوفاً من أن يطاله شيء من الأذى المتوقع لمن يناصبهم العداء. وهو ما تواجهه الجماعات الإسلامية الإصلاحية العاملة في الساحة العربية، حيث تعاني من ارتكاس بعض كوادرها خاصة القيادات، وتحوّلهم عن فكرتهم التي آمنوا بها وناصروها لزمن طويل إلى ممالأة الحكومة أو النظام الحاكم، والرضا بأن يستخدم بعضهم للطعن في جماعته السابقة، وقد يظهر في الإعلام الرسمي طاعنا لجماعته ومفنداً لنظريتها في العمل بما يصب في مصلحة النظام الذي يشجعه على هذا الفعل، وقد يمده بكل ما يحتاجه من أموال أو دعم معنوي للهجوم الشرس على جماعته الإسلامية السابقة آملا أن يفت ذلك في عضد أفرادها، وأن ينفض الناس عن مناصرتها أو اتباعها.

وهنا يؤكد رب العزة أنه لا يصح للمؤمنين المناصرين لفكرة الحق أن يختلفوا في تقييم هذا المنتكس، أو طريقته في العمل {فما لكم في المنافقين فئتين}، والقياس هنا مع الفارق، فأولئك منافقون اعتقادا، والمنتكس مدار الحديث هنا قد نافق سلوكاً وعملاً، فكم جر هذا الاختلاف في التقييم في الجماعات الإسلامية لأفعال المرتكسين من مهاترات وتلاوم ونزاع، علماً أن الأسلم هو الاهتداء بهدي القرآن في عدم الاختلاف فيهم.

ونتوقف عند قوله تعالى: {والله أركسهم بما كسبوا} لنستنتج أن سوء العمل والإصرار على ممالأة العدو، والتمادي في معاداة جماعته الأولى التي كان يعتقد إلى وقت قريب أنها على الحق، بل قد يكون تبوأ مناصب قيادية فيها قد أدى إلى مزيد من الارتكاس، وهذه المرة عقوبة من الله تعالى وكأن الآية تقول إن الله تعالى لم يظلمهم بالارتكاس وإنما كان الارتكاس اختياراً منهم فزادهم الله بعداً على بعد، وتمسكاً بغيهم، وقرباً من الباطل الذي انحازوا إليه.

المرتكس يتطور حاله من سيء إلى أسوأ ويزداد بعداً وجفاءً للفكرة الأولى التي آمن بها، وانحيازاً وقرباً من الفكرة الثانية التي أغوته وجذبته بما تملكه من أدوات التأثير والإضلال

فإذا رأينا أن المرتكس يتطور حاله من سيء إلى أسوأ ويزداد بعداً وجفاءً للفكرة الأولى التي آمن بها، وانحيازاً وقرباً من الفكرة الثانية التي أغوته وجذبته بما تملكه من أدوات التأثير والإضلال، فلنعلم أن ذلك هو عقوبة ربانية لا يملك أحد من الناس أن يغيرها أو أن يدفعها. فإنه والحالة هذه قرين الضلال المؤبد، بما لا يمكن لأحد تغييره أو إصلاحه، ولا يذكر لنا القرآن الكريم حال منافقين قد انصلحت، بل ظلوا على ما هم عليه حتى هلكوا.

وقوله: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها}، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة:14]، وقال هاهنا: كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها (أي: انهمكوا فيها).

وهنا يظهر لنا من الآية مدى الارتباك الذي يقع فيه المرتكسون إذ يسعون إلى إرضاء فريقين متخاصمين، بل عدوين ويحاولوا أن يختطوا لهم طريقا يرضي الطرفين، وهو ما يجعل مسلكهم متذبذباً إلى حد كبير، وما يجعل سلوكياتهم تستعصي على الفهم، وإذا دققنا في قوله تعالى: {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} نجد أنهم كلما عرضت عليهم قضية تحتاج إلى موقف فإنهم يقعون في الفتنة وفي الارتكاس، فيكرروا هذا الموقف المتناقض، ويقعوا في السلوكيات المشينة التي تظهر افتتانهم بعدو المؤمنين، وفي الواقع اليوم تظهر انحيازهم إلى خصوم الإسلاميين من الحكومات والأنظمة التي أقسموا يوما أن يعملوا ضدها.

إن ما تتعرض له الحركات الإسلامية من هزات بسبب أفعال المرتكسين تكاد أن تعصف بوجودها وتأثيرها في المجتمع

إن ما تتعرض له الحركات الإسلامية من هزات بسبب أفعال المرتكسين تكاد أن تعصف بوجودها وتأثيرها في المجتمع، لأن المرتكس إذا كان من القيادات فإنه يحيّر العامة وينظرون إلى الأمر وكان الجماعة التي وثقوا بها تتشظى وتنقسم لأمور دنيوية مما يضعف الثقة بها ويغري بالانفضاض عنها، كما أن تأثيرهم في الصف الذي آمن بهم يوماً وأسلم لهم القيادة وتتلمذ على أيديهم سلبي للغاية، مما يشكك الأفراد بالقيادات عموماً ويضعف علاقتهم بها.

وقد يفتتن بهم البعض ويتبعونهم وهو ما تسعى إليه الحكومات والأنظمة القائمة لتفريغ الجماعات الإسلامية من محتواها وعرقلة خططها، عبر التأثير والتغيير، وإفقادها الزخم الذي تتمتع به باقتناص بعض قيادييها وإركاسهم وقلب ولائهم ونزعهم من جماعتهم التي آمنوا بها وناصروها فترة طويلة من الزمن، مما يجعل كل مؤمن يسأل الله الثبات في زمن عز فيه الصدق وكثر فيه المرتكسون.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
حاصل على الدكتوراه في التربية، ومدرب معتمد في التنمية البشرية وبرامج تربية الأطفال. عضو مجلس إدارة جمعية المحافظة على القرآن الكريم في الأردن، ولديه خبرة طويلة في العمل الاجتماعي والإغاثي.

شاهد أيضاً

هل تريد أن تكون سعيداً؟!

السعادة هي حق ومطلب شرعي لكل إنسان.هي غايتنا ومقصدنا وكل ما نسعى للوصول إليها. نبذل …