الصهيونية اليهودية والصهاينة العرب.. لا تدعوهم يسرقون منَّا الحق والتاريخ!

الرئيسية » بصائر الفكر » الصهيونية اليهودية والصهاينة العرب.. لا تدعوهم يسرقون منَّا الحق والتاريخ!
الصهاينة العرب

عرفت الساحة الإعلامية والأكاديمية في الآونة الأخيرة، الكثير من الجدل، الذي وصل إلى حد اللغط، حول بعض الأطروحات التي خرج بها علينا الأديب والكاتب المصري يوسف زيدان، بشأن موضع المسجد الأقصى، وهل المذكور في القرآن الكريم، في سورة "الإسراء"، هو المسجد الموجود في القدس المحتلة.

ولسنا في هذا الموضع في معرِض تفنيد الآراء التي طرحها يوسف زيدان؛ حيث هي من التهافت بمكان، بحيث لا يمكن القول إنها بحاجة إلى تدقيق علمي، ويكفي هنا وجود منظومة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، قطعية الدلالة، قطعية الثبوت، التي تتشابك فيما بينها بسلسلة من المصطلحات، التي تشكل دائرة متكاملة مغلقة، تؤكد مكانة المسجد الأقصى، وأنه محل مسرى الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، وأن فلسطين وأكناف بيت المقدس، هي الأرض التي بارك الله تعالى فيها، وأنها أرض المنشر والمحشر.

ويكفينا هنا أن صحيح السيرة النبوية، ورواياتها بمثابة أحاديث نبوية شريفة صححها البخاري ومسلم، وغيرهما من علماء الحديث، قد أورد أن الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، عندما وصف رحلة الإسراء والمعراج لأهل مكة، وصف المسجد الأقصى والطريق إليه.

هذه كلها أمور ثابتة بثبوت النص المقدس، باعتباره الدليل الشرعي الأساس الذي يستند إليه المسلم في تقديره للأمور.

 "من دون التأسيس المفاهيمي، والتوضيح الذي لا يقبل الالتباس؛ لن يصل القائد الحركي بصفوفه إلى مستوى الأداء المطلوب"

وقد أكون مفتئتًا، ولكني أقول إنه كان من الخطأ بالأساس الخوض في نقاشات وسجالات في هذا الأمر، وكل ما فعلته، هو أنها نشرت أفكاره في مواضع جهل عديدة في أمتنا التي تعاني منذ قرون طويلة آفة غياب العقل التنويري النقدي؛ فتغتر بـ"ـفيليا الشهرة"، ولا تكون قادرة على التمحيص فيما تقرأ أو تسمع أو ترى، فتكون فقط متلقية لهذا الذي تراه وتسمعه وتقرؤه، مصدقةً له، طالما أنه جاء من "شخصية شهيرة"، حتى ولو كانت شهرتها تأتي من أنها ارتكبت جرمًا في حق الأخلاق وفي حق ثوابت أمة بأسرها.

الأهم من التفنيد –إذًا– هي مناقشة مجموعة من القضايا، والسعي إلى إيصال مجموعة من الرسائل التي يجب التأكيد عليها في مثل هذا الموضع، وتتعلق بصلب القضية التي يمسها هذا الأمر، وهي ثوابت الأمة، وكيف يمكن التعامل معها على المستوى المفاهيمي، وهو أهم مستويات التعاطي مع أية قضية كبرى؛ حيث من دون التأسيس المفاهيمي، والتوضيح الذي لا يقبل الالتباس؛ لن يصل القائد الحركي بصفوفه إلى مستوى الأداء المطلوب.

الجانب الأول من هذه القضية هو أهمية أن تسعى القوى الإسلامية، الحركية، التي تتبنى المشروع الإسلامي في جوهره الإصلاحي الحضاري، إلى التأكيد على العقلية النقدية وقيم العقل التنويري لدى جمهور الصف، ثم الانتقال إلى الجمهور الإسلامي العام.
فالمشكلة الأساسية في الأزمة التي أثارتها كتابات زيدان، وغيره من الأقلام التي تمارس شكلاً من أشكال الصهيونية في العالم العربي والإسلامي، ليست في المحتوى؛ حيث المحتوى متهافت، ولكن المشكلة في كيفية تلقي الجمهور لها.

فالجمهور العام، وهو أدنى في درجة فهمه للأمور بسبب قرون طويلة من التجهيل المتعمد، ونظام التعليم والإعلام والمنابر المتخلف الذي بنته أنظمة الفساد والاستبداد، لكي تعمل على تسويد عقول وأفكار الجماهير، لتسهيل حكمهم وسرقتهم؛ صار لديه معيار خاطئ في تلقي "الحقائق"، وتقدير أنها حقائق، وهو معيار الشهرة، وذلك بالرغم من أن الشهرة "الإيجابية" التي تقود صاحبها إلى واجهة الكاميرات وصفحات الصحف والمجلات وواجهات المطابع والمكتبات، في مجتمع فاسد متراجع حضاريًّا، لا تعني إلا التهافت والجهل!

في الجانب الآخر من العملة، نجد صورة أخرى لهذه المشكلة، وهي تداخل المفاهيم المتعلقة بالاختصاص الأصيل لهذا الاسم أو ذاك، بحيث اختلطت الأوراق فيما يتعلق بكيفية أخذ ما يقول باعتباره مسلمات.

فهناك فارق كبير بين المؤرخ والأديب التاريخي، فالأول يدرس ويقدم التاريخ كما هو حصل على أرض الواقع، أما الثاني فيكتب الأدب الروائي أو المسرحي –على سبيل المثال– من وحي التاريخ، وقد يجافي أو يبدل بعض الحقائق التاريخية، لعدم ثبوتها على سبيل المثال، أو لاعتبار عامل الدراما والحبكة الروائية، ولكن لا يمكن بحال من الأحوال أخذ هذا العمل الإبداعي في النهاية باعتباره كتاب تاريخ.

ولدينا في هذه الحالة نموذج مهم، وهو نجيب محفوظ، فهو كأديب لديه ثلاثة مراحل مر بها أدبه، الأولى كانت الأدب التاريخي، مثل "رادوبيس" مثلاً، ثم الأدب النفسي، فالأدب الاجتماعي، ومنه ما كان ذا عمق تاريخي.

لكن محفوظ لم يزعم لحظة أنه مؤرخ، برغم أنه كان شديد التدقيق في الحدث التاريخي العام في رواياته التاريخية التي تناولت المرحلة الفرعونية من التاريخ المصري.

وهي كلها مشاكل كبرى، يجب أن تلتفت إليها الحركة الإسلامية في الوقت الراهن، لأنها تمس ثوابت الأمة بشكل كامل، ومن بينها القضية الفلسطينية والصراع منع الكيان الصهيوني.

فهذه المشكلات، وبتعاون وثيق بين دوائر غربية وعربية وصهيونية، تشكل فيما بينها في الوقت الراهن، واحدًا من أهم مرتكزات الصراع في فلسطين وعليها، بما في ذلك المقدسات.

" اليهود في هذه المرحلة من تاريخ المشروع الصهيوني، في مأزق؛ حيث إن جهود قرنين من الزمان، من البحث والحفر، لم تقُد إلى أية نتائج يمكنها أن تثبت صدقية مزاعمهم"

فاليهود في هذه المرحلة من تاريخ المشروع الصهيوني الذي بدأ في خطواته التنفيذية في منتصف القرن التاسع عشر، من خلال بعثات المستشرقين وعلماء الآثار؛ في مأزق؛ حيث إن جهود قرنين من الزمان، من البحث والحفر، لم تقُد إلى أية نتائج يمكنها أن تثبت صدقية مزاعمهم حول "يهودية" أو "إسرائيلية" فلسطين وتاريخها.

وهو أمر شديد الخطورة في الجانب الحضاري للصراع؛ حيث إن ذلك الوضع، يؤكد بطلان ادعاءاتهم التي يرتكزون عليها للبقاء في فلسطين، ويظهر حقيقة المشروع الصهيوني، كمشروع احتلالي استيطاني، يلعب أبرز الأدوار في استكمال مشروع الاستعمار الغربي للمنطقة، بوسائل أخرى.

ومن ثَمَّ؛ برزت أهمية أداة مثل تزييف التاريخ، وتزداد "مصداقيتها" أو عمق تأثيرها، إذا ما كان من بين ظهرانيهم أصوات عربية.
ويشكل وجود أصوات عربية في هذا السياق من الصراع، أحد أهم عوامل الخطر على إدراك المجتمعات العربية والمسلمة لحقيقة الصراع، وبالتالي؛ فهذا يفت بشكل رئيسي في جهود دمجها في الصراع، وتصوير الأمر على أنه صراع ما بين الفلسطينيين والصهاينة فحسب، أو أنه ليس له الجانب الديني الأكيد، وبالتالي، تفتقد الجموع الحماسة الدينية في الأمر.

وهنا يبدو من الأهمية بمكان العمل على إعادة الاعتبار لواقع النشر العلمي من جانب الحركة الإسلامية، ولكن بسمات مختلفة تتضمن الآتي:

" لا يجب التقليل من شأن هذه الأزمة الأخيرة التي أثارها مقال أو دراسة هنا أو هناك؛ حيث إنها ترتبط بأحد أهم أركان الصراع، وهو الجانب المفاهيمي"

- اللغة البسيطة المفهومة من جانب مختلف الشرائح، بعيدًا عن تقعير اللفظ وتعقيد المصطلح.

- الانتشار في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وأوساط المسلمين، من خلال مختلف وسائل النشر، الورقي والإلكتروني، وحتى على المستوى البرامجي في القنوات الفضائية التابعة للحركة الإسلامية الصحوية.

- الشمول لمختلف القضايا المثارة، ومحل الالتباس، والتأكيد عليها بالدليلَيْن؛ الشرعي والتاريخي العلمي.

- توظيف المنابر من جانب العلماء والأئمة الذين يؤمنون بعدالة القضية، ولديهم الخلفيات العلمية اللازمة للتعامل مع الأمر.

وفي الأخير؛ لا يجب التقليل من شأن هذه الأزمة الأخيرة التي أثارها مقال أو دراسة هنا أو هناك؛ حيث إنها ترتبط بأحد أهم أركان الصراع، وهو الجانب المفاهيمي، الذي إما أن يحرك الأمة، أو يصرف انتباهها عن قضية المسلمين الأولى، في القدس وفلسطين، ومن ثَمَّ؛ فإن الأولوية بالتأكيد يجب أن تكون في هذه الجانب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

لن يحول قمعكم دون حريتنا

في كل يوم تتجلى مظاهر عديدة تؤكد على أننا نخوض صراعاً شرساً ومستمراً في سبيل …