حتى لا نصبح مجرد أرقام!

الرئيسية » خواطر تربوية » حتى لا نصبح مجرد أرقام!

محظوظون هم الشباب العرب، برغم كل المآسي التي تحصل في بلدانهم، وجور الحكام والأنظمة العربية، والمصائد التي تنصب لهم بالخصوص، مع أنهم ليسوا مركز هذا الكون ولا تتركز أنظاره أصلاً عليهم.

أهمّ دواعي الحظّ:

أن تنشأ في دولة عربية، يعني أنك ستعيش محاطاً بالأحداث على جميع الجهات والمراحل والطبقات، وكل الأصعدة والأزمنة والميادين الحياتية، تلك الحالة ستبقيك –مختاراً أو مضطراً– على تواصل مع أساليب الصراع وتطور أدوات المقاومة وخدع الحرب.

وهذا هو وجه الأفضلية، وداعي الحظ بالتحديد، حيث معنى الحياة موهوبٌ إليك مع الهوية العربية، والمعنى يتمثل في: أن تحارب لتعيش وتثبت وجودك... وإن ساقك ذلك إلى التلاشي. يكمن الفوز الحقيقي حينها في تحقيق انتصار يخُصّك اسماً وكينونة، بينما يتمثل الفشل في الاستسلام مهما كانت هيأته.

" قبل أن يغزو هوس اصطياد الأرقام القياسية في العالم الافتراضي حياتنا بهذا الشكل، كنا نرفض بشدة أن نكون مجرد أرقام في أي اتجاه"

نعلم أن ما نحن مطالبون به (كعرب) لتحقيق وجودنا هو حق أصيل وهبة ربانية ليس من حق أيٍّ كان أن يسلبنا إياها، بل ليس من حق أيٍّ كان حتى أن يساومنا ويرغمنا على دفع مقابل لامتلاكها، لكننا مضطرون لبذل المزيد اتكاءً على فكرة أننا محظوظون بهذا القدر، وأنّ الحكمة الكبرى تكمن في تفاصيل الشؤون التي تبدو مسطحة.

قلة يحاربون ويحصلون على نتائج مختلفة، قلة أخرى يستسلمون فيطلبون من الحياة الماء والخبز وقبراً في آخر النفق، أما الأغلب في موقعنا يختارون النزوح إلى مكان ما، ومحاولة تكوين حياة تليق بطموحهم، إنهم -بمعنى أوضح- يلجؤون إلى الهروب.

قبل أن يغزو هوس اصطياد الأرقام القياسية في العالم الافتراضي حياتنا بهذا الشكل، كنا نرفض بشدة أن نكون مجرد أرقام في أي اتجاه.

أذكر أنني حين كنت أقرأ درجات الطلبة المعلقة في لوحات الإعلانات مقابل الأرقام الأكاديمية للطلاب أتمنى لو كانت الأسماء ظاهرة؛ لأتعرف إلى أصحاب الدرجات العليا، كنت أشعر أن في ذلك تغييباً لشخصيات حقيقية واستبدال تاريخ برقم. لكنني كنت أفكر مباشرة بجدوى ذكر رقم الطالب بدلاً من اسمه للأغلبية.

كما أذكر جيداً، الوقت الذي ظلّ فيه موضوع مقابر الأرقام قضية رأي عام مثارة عبر وسائل الإعلام سواء كان الأمر متعلقاً بالمعتقلين لدى الاحتلال أو الشهداء أو المتضررين عموماً.

نحن في الدوامة إذن:

"ليس الأمر غريباً حين يتعلق بالحواسيب الرقمية، لكنه يغدو مخيفاً حين نصبح مجرد أرقام تتحرك، حتى أنه لا مركز يجمعنا إلا (فضاء الافتراض)"

بدأت أربط كل ذلك ببعضه حين سمعت مثقفاً تعجبني طريقة تفكيره يتحدث عن نيته تجميع أكبر عدد ممن يعدون نجوم وسائل التواصل الاجتماعي، وبدأ يستعرض الأمثلة كالتالي: فلان لديه 90 ألف متابع عبر فيس بوك، فلان في تويتر يتابعه 330 ألف متابع، أما فلانة ففي انستغرام وصل عدد متابعيها والمتفاعلين معها إلى مليون ونصف. أما فلان فلا أريد أن أخيفكم "وأساساً لم أستطع قراءة الرقم". لقد فكر هو في ذلك لتسويق فكرته عن طريق نجوم وسائل التواصل الاجتماعي اللامعين، وهذا تفكير سليم ومنطقي واستثمار ناجح.

لكنني للحظة... شعرت أنني أرى تلك الأرقام الكبيرة تحتل ملامح المذكورين، كأن كلاً منهم يحمل الرقم الذي يمثل عدد متابعيه بدلاً من رأسه فيسير به، ومتابعوهم يظهرون في المشهد أكثر منهم، غير أنهم للأسف؛ كانوا مجرد أرقام كذلك.

الأمر عادي بالنسبة للحواسيب الرقمية، لكنه يغدو مخيفاً حين تنتقل العدوى إلى حياتنا الواقعية فنصبح في أعين بعضنا مجرد أرقام تتحرك، حتى أنه لا يوجد مركز يجمعنا إلا (فضاء الافتراض).

لست ضد ذلك ولا أخشى غزو التكنولوجيا، ولا أشكك بفائدتها أو أنكر جدواها، لكنني يغزوني -بالتوازي مع الثقة بجدواها- خوفٌ من أن يصل الحال إلى أن تتحول علاقاتنا الواقعية إلى مجرد أرقام، وبعد ذلك كله نعود لنحاول إثبات العكس، حين نكتشف أن أية موجة عابرة يمكنها أن تحملنا فتتقاذفنا مع أخواتها؛ لأن ثقلنا الحقيقي الذي يكمن في هدفنا وكينونتنا ومعنى وجودنا قد تلاشى منذ زمن.

" أليس من التناقض أن نسعى بدأب لإحراز الرقم الأكبر من المعجبين، الأرصدة، المقتنيات، ثم نرفع لافتة اعتراض نقول فيها: لسنا مجرد أرقام!"

أليس من التناقض أن نسعى بدأب لإحراز الرقم الأكبر من المعجبين، الأرصدة، المقتنيات، ثم نرفع لافتة اعتراض نقول فيها: لسنا مجرد أرقام!

أرفض التسليم لخيار أننا نتعرض لمؤامرة، ولكنني أؤمن بأن سبب هذا كله عدم قدرتنا على التعايش مع عالم ينكرنا وإن كنا نستحق أن نكون في مقدمة الأسماء التي تتلى صباح مساء، ولذلك فإن من الفقر الإدراكي أن نعلق الأمر على مشجب الظروف ونستمر في تصديق ذلك والانخراط في دوامته حتى تقضي علينا.

فأما وقد اخترنا النزوح إلى عالم الأرقام وأصبحت تخطفنا التكنولوجيا كأننا نعيش في ذبذبات صوت التكتكة، فإن علينا أن نوظف ذلك في خدمة هدفٍ ما، نعيش لأجله، وإعطاء حياتنا المعنى الذي يستحق أن ننفق المزيد من أعمارنا لأجله، حتى لا نذوب خجلاً في مرحلة قادمة تصبح فيها الرقمية التي نطير إليها الآن مجرد موضة قديمة.

إن صناعة شخصية تعبر عنا وتخدم هدفنا ومعنى وجودنا في هذه الحياة هو مهمة شاقّة، لكنها لازمة وضرورية، إنها حجر أساس؛ لأننا حين نمتلكها سنجيّر كل الوسائل المتاحة لإبرازها وليس العكس.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب – قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة – مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد – شعر) و (في ثنية ضفيرة – حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

لكنك عند الله غالٍ

طبيعة الحياة أنها مجبولة على كدرٍ لا تكاد تصفو لبشر، ولو أنها استقامت لأحد لكان …