شهداء الإعداد.. والسير على المنهج النبوي لتحقيق النصر

الرئيسية » بصائر الفكر » شهداء الإعداد.. والسير على المنهج النبوي لتحقيق النصر
shohada29

سبعة من الشهداء، من ارتقت أرواحهم إلى باريهم بعد انهيار نفق عليهم أثناء عملهم في داخله، في أمر يؤكد على أن القسام ما زال يواصل العمل والإعداد والتجهيز ليس لأي حرب قادمة فحسب، بل لتحرير فلسطين كما صرح قادة الحركة في أكثر من مرة.

هذا المشهد لم يكن الأول، فقد سبق ذلك العديد من الشهداء، الذين استشهدوا أثناء التدريبات، أو حفر الأنفاق وترميمها، وغير ذلك. وهذا الأمر وإن كان بالنسبة لنا هو خسارة من حيث فقد بعض من أبطال هذا الشعب ومجاهديه، إلا أن أعمالهم وتضحياتهم وغيرهم ممن ينتظر الشهادة، ما زالت آثارها باقية حتى وقتنا الحالي، وهي ترعب الاحتلال، وتجعله يعيش حالة من الخوف والإرباك، تارة بزعم اليهود أن القسام يحفرون الأنفاق تحت بيوتهم، وتارة أخرى بأن القسام يقوم بإطلاق صواريخ لتجريبها وغير ذلك.

ما يهمنا في حادثة شهداء النفق، أنهم استشهدوا وهم يهيؤون لأنفسهم ولغيرهم من المجاهدين الطريق للنيل من عدوهم وحماية أعراضهم ومجتمعهم، من دنس الصهاينة وعربدتهم.

ما يهمنا في حادثة شهداء النفق، أنهم استشهدوا وهم يهيؤون لأنفسهم ولغيرهم من المجاهدين الطريق للنيل من عدوهم وحماية أعراضهم ومجتمعهم، من دنس الصهاينة

هذه التهيئة وهذا الإعداد والذي يدخل من ضمنه حفر الأنفاق، ليس بدعاً، أو تضييعاً للوقت بقدر ما هو اتباع للسنن الإلهية، والمنهج النبوي  في سبيل تحقيق النصر، وطرد المحتل وتحرير الأرض.

وأعدوا لهم ..

يقول الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} [الأنفال:60]. فهذه الآية تؤكد على وجوب الإعداد والاستعداد لقتال العدو وإرهابه؛ حتى لا تسوّل له نفسه بالاعتداء على المسلمين وانتهاك حرماتهم.

يقول القرطبي في تفسيره: (أمر الله المؤمنين بإعداد القوة للأعداء، وكل ما تعدّه لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك). لذا فالإعداد يشمل ما يلحق الأذى بالعدو وعلى رأسها الأنفاق والتي أدت إلى تغيير طبيعة المعركة وقلب موازينها وإعادة الحسابات فيها، وهذا منهج انتهجه أبطال غزة، فصمدوا أمام ترسانة العدو وضرباته القوية، وثبتوا على مبادئهم، وأفشلوا مخططاته وهو عين الانتصار.

وفي التعليق على هذه الآية يقول الألوسي في تفسيره: (نبه الله المؤمنين على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان). إذن الإيمان وحده ليس كافياً دون الإعداد الجيد، والذي يحقق ما أمره الله تعالى.

الأنفاق وغيرها من أعمال الإعداد هي مقدمة لأداء الواجب الأهم وهو الجهاد والدفاع عن الحرمات، ولا يتأتى القيام بالجهاد إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

إن الأنفاق وغيرها من أعمال الإعداد هي مقدمة لأداء الواجب الأهم، وهو الجهاد والدفاع عن الحرمات، ولا يتأتى القيام بالجهاد إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ويحضرني في هذا المجال قول المتنبي:

وما تنفع الخيل والكرام ولا القنا        إذا لم يكن فوق الكرام كرام

المنهج النبوي في الإعداد

حينما أنشأ النبي صلى الله عليه وسلم دولته في المدينة المنورة كان يعلم أنها معرضة لحروب وهجمات تسعى لاستئصالها وإطفاء نورها، فكان منهجه واضحاً، وهو تطبيق الأمر الإلهي بالإعداد الجيد، الأمر الذي يحمي دعوته من المحاولات الخبيثة والهجمات التي تستهدفها.

وكان من منهجيته فيما يتعلق بهذا الشأن أنه كان يشجع المسلمين على تعلم الرمي وإتقانه. فكان يقول عليه الصلاة والسلام: "ألا إن القوة الرمي" (رواه مسلم). وقوة السلاح إنما تتجلى في حسن استعماله، واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم القوة البشرية، والمهارة، هي القوة الحقيقية.

وروى البخاري عنه أنه مر على نفر من (أسلم) ينتضلون، فقال لهم: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً". وما هذا إلا تشجيع للأفراد على الإعداد والاستعداد، والتجهز لملاقاة العدو.

ولم يكن اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم محصوراً بالرمي فحسب، بل سعى عليه الصلاة والسلام للاستفادة من جميع المجالات العسكرية، فأرسل بعض الصحابة لتعلم صناعة المناجيق والدبابات في جرش، واستخدم حفر الخندق في غزوة الأحزاب، وكذلك الحال دعوته لركوب البحر واستخدام السفن وثبوت الأجر فيها.

إن الإعداد مرهون بالظروف العسكرية المتوفرة، وطبيعة العدو، والقوة البشرية والمنطقة الجغرافية وغيرها، لذا فهو يتغير من زمن لآخر ومن مجتمع لغيره. ولا شك أن أنفاق غزة تعتبر أمراً رئيساً في إدارة المعركة مع الاحتلال.

إن الناظر في المنهج النبوي يجد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتمد على الحيلة والمكيدة، ومفاجأة العدو واستغلال كل الظروف في تحقيق النصر.   فهو وإن كان مؤيداً من الله عز وجل، إلا أنه كان يتعامل مع كل معركة بما يتناسب معها، حتى قام بحفر الأرض كما في غزوة الخندق.

المكيدة ومفاجأة العدو قد تكون أكثر فتكاً من الأسلحة وأكثر نكاية في العدو، ومن ينظر في معركة العصف المأكول على سبيل المثال، يجد كم غيرت الأنفاق من معادلة المعركة

والحقيقة التي لا خلاف فيها، أن المكيدة ومفاجأة العدو قد تكون أكثر فتكاً من الأسلحة وأكثر نكاية في العدو، ومن ينظر في معركة العصف المأكول على سبيل المثال، يجد كم غيرت الأنفاق من معادلة المعركة، وكم من مفاجأة وصدمة للعدو حققت وما زالت تحقق. فالشجاعة وحدها لا تكفي إن لم يساندها رأي حكيم يعتمد على المكيدة والمفاجأة.

الرأي قبل شجاعة الشجعان           هو أول وهي المحل الثاني

إن الإعداد العسكري الجيد للمجاهدين، وتوفير السبل اللازمة لتحقيق المفاجأة للعدو تحقق العديد من الفوائد بحسب ما أشار إليه د. محمد خير هيكل، وهي:

1- توفير الكفاءة القتالية للجيش.
2- تحقيق الجاهزية القتالية، والاستعداد الفوري للقتال في أية لحظة.
3- تقليل الخسائر في الأرواح والمعدات في الحرب. وكما يقال: العرق في التدريب يوفر الدم في المعركة. 

4- التدريب يمنح المقاتل ثقة بنفسه وبسلاحه، مما يعزز فيه الروح العسكرية.

ختاماً.. إن الانتصارات والصمود الأسطوري الذي حققه أبطال غزة، ما كان ليتم إلا بعد تأييد الله لهم وتثبيتهم، ثم بتضيحات هؤلاء، وعملهم الدؤوب، في الخفاء، وبعيداً عن الإعلام والرياء.

إن في هذا الأمر رسالة للدعاة أن مرحلة النصر وحصد الإنجازات، لا تتم إلا إذا تعبنا وأعددنا لأجلها، وقدمنا التضحيات في سبيل الوصول إليها.  ومن يظن أن الأمر يتم بكل سهولة ويسر فهو خالف السنن الكونية، فالإعداد إذا كان جيداً ومتكاملاً، كانت النتيجة مبهرة ومثالية.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

النكبة وأخواتها.. حتى لا تتحول إلى مجرد “ذكرى”!

لا أحد يمكنه إنكار أهمية دراسة التاريخ؛ حيث تمثل النماذج التاريخية المختلفة، على أقل تقدير؛ …