عقدة الخوف من الفشل

الرئيسية » بصائر الفكر » عقدة الخوف من الفشل
تتتت

يتعرض الدعاة العاملون إلى عقبات عديدة أثناء سيرهم فتعيق تحركهم أو تعطله، بعضها خارجي مصدره الأعداء والخصوم، وبعضه داخلي مكانه النفس والعقل.

أما ما يأتي من العدو فهين رغم صعوبته، أبين رغم تلونه، مقدورٌ عليه إذا صحت العزائم وكانت مقرونة بالأخذ بالأسباب، والمسلم تستنفره خطط أعدائه فيتربص لها ويعاندها ويقاومها حتى يمحو الله أثرها بفضله.

بينما عقد النفس أكثر تعقيدا وأشد خفاءً لأنها تحتاج إلى تشخيص دقيق وتوصيف محكم وبعضها يكون مغلفا بدعاوى الحكمة والمنطق أو مستترا خلف مفاهيم التخطيط والتدبير، وما هي كذلك.

ومن هذه العقبات عقدة الخوف من الفشل، والتي تصيب الدعاة أحيانا بما في ذلك بعض القادة، وربما تأثرت الحركة بهذا الأمر في بعض مواقفها أو مراحلها. والخوف من الفشل قد يؤدي إلى تعطيل العمل فيضيع خير كثير، والفوز عادة من نصيب من أقدم وبادر وتجرأ وخاطر من غير تهور مؤذ أو تسرع ضار، ولكن من دون إحجام محبط أو تردد يضيع الفرص أو تراجع يغري العدو المتربص فينقض ويهاجم، عندما أمر الله تعالى نبيه موسى عليه السلام بتبليغ دعوته خشي أن لا يستجاب له، وتخوف من أن يصده الناس، وعبر موسى عن ذلك ((قال ربي إني أخاف أن يكذبون))، وتكرر الأمر حين خشي ومعه أخوه هارون من بطش فرعون وظلمه ((قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ))، فجاء التثبيت من الله تبارك وتعالى ((قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى))، وهي إشارة إلى أن المؤمن مطالب بالعمل قدر استطاعته فيما النتائج من أمر الله تعالى، ولا يجوز للداعية أن يمتنع عن العمل اعتمادا على احتمالية الفشل وإمكانية الخطأ.

"الخوف من الفشل قد يؤدي إلى تعطيل العمل فيضيع خير كثير، والفوز عادة من نصيب من أقدم وبادر وتجرأ وخاطر من غير تهور مؤذ أو تسرع ضار"

بل أن عدم تحقيق إنجاز ملموس أو الفشل في مقاييس البشر لا يتيح للمسلم أن يتخلى عن دوره الأساسي ومهمته التي أوكلها الله إليه، ومن تجربة نوح عليه السلام نفقه المسألة ونأخذ العبرة، فقد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما في جهد متواصل، والنتيجة في عالم الأرقام محدودة لا تشجع على الاستمرار، وهي محبطة تدفع نحو التوقف لأن التجربة العملية المتكررة أثبتت فشلها في إحداث تغيير ملحوظ، لكن مقاييس الله تعالى مغايرة، ونوح يواصل طريقه غير مكترث لعناد قومه، ولا يتوقف إلا حين يخبره ربه بأنه لن يؤمن منهم إلامن قد آمن، ثم يحكي الله لنا قصة نوح لتكون درسا للمؤمنين من بعده عنوانه أن الداعية لا يضع عقدة الفشل أمام عينيه مهما كانت توقعاته وحساباته.

وهذا كله من عالم الأسباب والإعداد الذي يتساوى فيه البشر كلهم مؤمنهم وكافرهم طائعهم وعاصيهم ومن أتقن فنونه فقد فاز وسبق، ومن قصر فيها فلا يلومنّ إلا نفسه، فهذا أديسون لم تردعه التجارب الفاشلة عن مواصلة المحاولة لينجح في المرة الألف باختراع المصباح الكهربائي الذي أضاء أرجاء المعمورة حتى وصل خير اختراعه إلى كل منزل فوق الأرض، ولو أن الخوف من الفشل سيطر على الإنسان في العصر الحديث لما انطلق إلى القمر في رحلة لم يجربها أحد من قبل، وهكذا كان المسلمون الأوائل حتى ذكر ذلك ابن القيم بقوله ((لو أراد مسلم أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله)).

ولما قال إن الأمر مستحيل وأن الفشل محتوم ولم يخشى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الفشل في مشروع حفر الخندق رغم أن الفكرة لا سابقة لها وغير مجربة، والوقت محدود لا يتيح إعادة الكرة، والجهد المطلوب كبير وضخم في ظروف حرب وترقب واستنفار.

وفي أوج انتشارالإسلام في عصوره الأولى وصل أحد قادة الفتوحات بجيشه إلى سواحل الأطلسي وخاطب البحر متحديا له بأنه لو كان يعلم أن خلفه أرض يسكنها البشر لخاض عبابه فاتحا غير عابئ بالمخاطر، لا يخشى المجهول ولا يخاف الفشل، وحماس اليوم وريثة لكل المجاهدين الفاتحين وحاملة لواء المبادرة والإقدام.

"المؤمن الصادق موعود بتأييد الله، وهو محاسب على أعماله لا على نتائجها، وفي منهجنا أن المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، أما المتثاقل إلى الأرض الذي يخشى النتيجة ويخاف الفشل فلا أجر له ولا ثواب"

فإن صح انتسابك إليها فاعرف أمرها وتعلم مهارتها، واطرد مخاوف نفسك ولا تجعل خشية الفشل ضمن قاموسك، إن كثيرا من الإنجازات الهامة ما كان لها أن تتحقق لو أن أصحابها ترددوا أو غلب على نفوسهم مشاعر الفشل.

ولك في طارق بين زياد قدوة حين أخترق البحر لفتح الأندلس فحقق نصرا للمسلمين وترك إسمه على المضيق على مر السنين.

وفي مسيرة حماس وتجربتها الدلائل والبراهين، وكانت البداية عند الانطلاقة والتأسيس حيث كان القرار جريئا وحاسما لا تلكؤ فيه، ولم يكن ثمة مبالغة في حساب الخسارة وتقدير نسبة الفشل، وكان اليوم المشهود مسبوقا بكثير من الإعداد والتربية الإخوانية الخارقة، وكانت الفرصة سانحة يسهل ضياعها لو حدث تأخير في اتخاذ القرار، لكن الله هدى وبارك ورعى، فاستوى الزرع ونما حتى استعصى على الاستئصال وعزّعن الاجتثاث.

ثم تفرع عن الانطلاقة محطات متلاحقة من بينها قيادة الجماهير في الشارع والخشية من عدم تجاوب الناس معنا مع معرفتنا بأن الآخرين سبقونا إلى ذلك الميدان، وكانت لهم تجارب عديدة متباينة في نسبة نجاحها.

فمنا من تحرك واقتحم وتقدم الصفوف فبارك الله له وجمع الناس من حوله، وصدحت ألسنتهم بشعارات حماس وهتافاتها، ومنا من غلبه الشك والريبة وخشيّ أن تخذله الجماهير فتراجع وتقاعس وتأخر عن الركب، رأينا ذلك في بعض المناطق الفرعية والتي ما لبثت أن أشتد أزرها بفتوحات وغيرها فتلاقت الجداول وتعاضدت وقوي السيل حتى صار تيارا جارفا لا يوقفه عائق ولا يمنع تقدمه حاقد معاند، وتكرر الأمر عند بداية العمل الجهادي المقاوم، فوضع البعض شروطا لا نهاية لها وضوابط لا حدود لها.

وأراد البعض أن يضع جوابا مسبقا لكل معضلة وحلا لكل مشكلة، وردا على كل أمر طارئ في سلسلة لا متناهية تدل ببساطة على عقدة الخوف من الفشل، فكانت النتيجة انضمام هؤلاء إلى زمرة القاعدين.

وتندم المتحررون من هذه العقدة فأبدعوا في الأداء، وتعلموا من الأخطاء، وتجاوزوا العقبات، وتراكمت عندهم التجارب، وتتالت المحاولات حتى أصبحوا كتائب جرارة يحسب لهم العدو ألف حساب.

ثم جاءت الانتخابات البلدية والتشريعية، ودارت نقاشات داخلية كان نتيجتها قرار المشاركة لأول مرة في ظروف بالغة التعقيد، وربما ظن البعض أن الابتعاد عن هذه المعركة أسهل علينا من خوضها مع إمكانية الخسارة والفشل، لكن حماس كانت قد تجاوزت مرحلة التردد فنزلت بكل قوتها معتمدة على الله أولا ومتسلحة بإنجازاتها وتضحياتها، وبعد أن أعدت نفسها كتب الله لها الفوز لتفاجئ العالم كله.

والأمور تقدر بقدرها، والغيب في علم الله وحده والمؤمن الصادق موعود بتأييد الله عز وجل وهو محاسب على أعماله لا على نتائجها، وفي منهجنا أن المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، أما المتثاقل إلى الأرض الذي يخشى النتيجة ويخاف الفشل فلا أجر له ولا ثواب، وعذره مرفوض وعجزه مذموم، وخير لحماس أن لا يكون في صفوفها، ومن المحظور أن يكون في قيادتها.

خاطر بنفسك لا تقعد بمعجزة               فليس حر على عجز بمعذور

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب في موقع بصائر، قيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وناطق باسمها. أسير فلسطيني محرر في صفقة وفاء الأحرار.

شاهد أيضاً

النكبة وأخواتها.. حتى لا تتحول إلى مجرد “ذكرى”!

لا أحد يمكنه إنكار أهمية دراسة التاريخ؛ حيث تمثل النماذج التاريخية المختلفة، على أقل تقدير؛ …