في ذكرى استشهاد المهندس.. كن إيجابياً

الرئيسية » خواطر تربوية » في ذكرى استشهاد المهندس.. كن إيجابياً
يحيى عياش16

في مطلع يناير من كل عام، تعود علينا ذكرى استشهاد المهندس "يحيى عياش" لتلوح في الأفق من جديد، ذكرى تحمل في داخلها كل معاني الصمود والإرادة والتحدي، ورفض القبول بالواقع أو الاستسلام له.

لم تكن الظروف التي عايشها "المهندس" وقتئذ سهلة أو ميسرة، بل كانت مليئة بالتعقيد في مشهد يسيطر فيه اليهود على كل شيء، وبالوقت نفسه كان بعض الفلسطينيين قد تركوا خيار المقاومة انتظاراً للوهم الذي نشرته وسائل الإعلام وكثير من السياسيين والمتعلق باتفاقية السلام مع المحتل، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

"عياش" لم يترك الراية رغم ترك الكثير لها من أبناء شعبه، أصر على رفعها والمحافظة على شعلتها، والاستمرار في مسيرة من سبقوه، مسيرة القسام والحسيني وعماد عقل وغيرهم الكثير.

فهو عايش الانتفاضة الأولى "انتفاضة الحجارة" وما حملته من هبة شعبية وتحد للاحتلال الذي لم يتورع عن ارتكاب الجرائم بحق أبناء شعبنا، بالإضافة إلى تأسيس حركة حماس وانطلاقتها، كحركة مقاومة إسلامية، تهدف لتحرير فلسطين وطرد الغزاة منها.

"لقد فهم المهندس المعادلة الحقيقية للنصر، والمتمثلة بأن كل فرد لابد أن يقدم أفضل ما لديه، رغم المعوقات والعراقيل"

لم يكتف "العبقري" –حسب وصف الصهاينة- بالكلام، وترديد الشعارات، والتأييد السلبي فحسب، بل فهم المعادلة الحقيقية للنصر، والمتمثلة بأن كل فرد لابد أن يقدم أفضل ما لديه، رغم المعوقات والعراقيل، فطريق مقاومة المحتل، ليس مفروشاً بالورود، بل هو مليئ بالصعاب والمشاق على جميع النواحي.

لذا نهض عياش، وبرع في تصنيع العبوات المتفجرة، التي ألحقت الأذى الجسيم بالمحتل، وكبدته الخسائر الفادحة، وشكلت رداً حقيقياً على جرائمه وانتهاكاته بحق أبناء شعبنا، خصوصاً بعد المجزرة التي ارتكبها في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل.

وفي الوقت نفسه، لم يتسلل إلى نفسه الإحباط واليأس، خصوصاً بعد مطاردة الاحتلال له، والتضييق على أهله وأحبائه، في سبيل ثنيه عن المضي قدماً تجاه واجبه نحو بلده ووطنه، بل أصر على الاستمرار، والإبداع، فإما النصر وإما الشهادة.

استشهد عياش، لكنه حي يعيش في القلوب، وتضحياته ما تزال ملهمة للسائرين من بعده، وفي ذكراه حري بنا أن نستلهم دروساً كثيرة من سيرة هذا القائد، أبرزها:

1- أهمية التربية الصحيحة، والتوعية الفكرية بأبعاد القضية ودورنا تجاهها. فعياش كان ابن الحركة الإسلامية، الذي اجتمع مع إخوته على مائدة القرآن، ونهل من معين الإيمان، وتربى في محاضنها التربوية، وهو سر النجاح والثبات في مسيرة جهاده رغم كل ما واجهه. فلا يستطيع المرء أن يواجه تحديات الظروف الراهنة، دون أن يكون له إخوة مؤمنون، يقوى إيمانه بهم، ويزداد بالجلوس معهم حباً لهذا الدين، والدفاع عنه. فالمؤمن قوي بإخوانه، وكلما قويت صلته بهم، زادت قوته.

2- الإيجابية، واستشعار أهمية الفرد العامل داخل جسم الدعوة، فلقد كان بإمكان "المهندس" أن يحصر دوره بتلقي الأوامر، أو القيام بأمور لا تضعه في مقام المطارد رقم واحد، لكنه استشعر أنه بإمكانه القيام بأمور تنهض بدور الحركة، ومسيرتها، وتلحق بالعدو الرعب والأذى. وهذا درس لكل أبناء الحركة الإسلامية، أن لا يقتصر دورهم على التنفيذ فحسب، بل نحتاج إلى أولئك الذين يحبون التطور والتقدم، ويسعون لرفع مستوى العمل، وسد مكامن الخلل فيه.

"أدرك عياش كغيره من الشهداء والأبطال، أن فلسطين لا تحتاج إلى حرب فكرية أو شعارات خاوية، بل تحتاج إلى أولئك الذين يقدمون دماءهم في سبيل نيل الحرية"

3- المشاركة في مقاومة المحتل، وحب الشهادة ونيل فضلها، فقد كان بإمكان "المهندس" أن ينتمي للحركة الإسلامية ويكمل مسيرته الحياتية كالمعتاد، فيكون انتماؤه للدعوة فكرياً بحتاً، دون أي ملاحقة أو أذى، لكنه أدرك كغيره من الشهداء والأبطال، أن فلسطين لا تحتاج إلى حرب فكرية أو شعارات خاوية، بل تحتاج إلى أولئك الذين يقدمون دماءهم في سبيل نيل الحرية، واسترداد الأرض وتطهير المقدسات. وإن فازوا بالشهادة، فإن هنالك من سيكمل الدرب حتى يحقق ما أراده أولئك السابقون، أن تتحرر كل فلسطين، ويندحر العدو عنها، وتعود أرضاً إسلامية مطهرة كما كانت.

  قم للوطن وادفع دماك له ثمن... واطرح بعيدا كل أسباب الوهن
فالموت أهون من غبار مذلة ... فلرب ذل دام ما بقي الزمن
أفمن يذوق الموت كأسا واحدا ... يجلو كما الترياق أوصاب البدن
أمن يعيش العمر ميتاً يشتهي ...  طعم البلى فيرد كلا لا ولن
قم واصنع التاريخ واسلل غيظه ...  قد لطخ التاريخ صناع الوثن
خل البكاء إلى النساء مطية ... واربأ بنفسك أن تسربل بالحزن
وارق الشدائد ترق أسباب العلا ... ودع الخضوع فمن يهن أبدا يهن

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

العبادات: الماراثون الرقمي

أتاحت نوافذ التواصل الكثيرة لشريحة واسعة من الناس التنافس في المظاهر أكثر، وللانكشاف على المجتمع …