في ذكرى فوز حماس بالانتخابات التشريعية.. ماذا استفاد الشعب منها؟

الرئيسية » بصائر الفكر » في ذكرى فوز حماس بالانتخابات التشريعية.. ماذا استفاد الشعب منها؟

عشر سنوات هي تلك التي مرت على الانتخابات التشريعية الفلسطينية والتي أجريت في الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير، حيث شكلت نتائجها زلزالآ على المجتمع العربي والدولي على حد سواء.

كانت الانتخابات التشريعية –من وجهة نظري- بمثابة الفخ الذي على الشعب الفلسطيني الوقوع به لإعطاء السلطة الفلسطينية المسوغ للتلاعب بثوابت القضية كما يشاؤون. خصوصاً في ظل توقع السلطة ممثلة بحركة فتح أن نتيجة الانتخابات محسومة بشكل واضح لهم، بالإضافة إلى أن حماس وكل من يعارض السلطة سيشكلون أقلية برلمانية تضفي على البرلمان مصداقية أكثر كون ذلك متطلباً "صورياً" للديمقراطية، وإن لم يكن للمعارضة أي دور حقيقي كما هو مرسوم.

جرت الانتخابات الفلسطينية بمشاركة واسعة من أطياف الشعب الفلسطيني وكانت حماس التي شاركت في الانتخابات البلدية قبل إجراء هذه الانتخابات قد فاجأت الجميع بنتائجها في بعض المناطق، إلا أن كل الدراسات واستطلاعات الرأي كانت تعطي حماس نسبة قليلة في البرلمان وهو ما يشكك في مصداقية ونزاهة الكثير منها –حتى هذه اللحظة-.

عموماً حصلت المفاجأة، ونالت حماس الأغلبية المطلقة بحصولها على نسبة 56% من إجمالي المقاعد، بالإضافة إلى اكتساحها لانتخابات الدوائر، والتي تكشف عن الثقة الحقيقية للشعب بالأفراد الممثلين لأحزابهم، حيث لا ينكر أحد أن حماس تفوقت بشكل ملحوظ في هذا الأمر، خصوصاً أنها حصلت على كامل المقاعد في بعض المحافظات كغزة وشمالها، والخليل وطولكرم.

الحقيقة أن قرار مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية لم يكن جريئاً فحسب بقدر ما كان له فوائد هامة، وآثار باقية حتى هذه اللحظة

فوائد وآثار

رسائل عديدة وجهها الشعب الفلسطيني في هذه الانتخابات، رغم أن هناك من البعض ما زال يعتبرها خطأ جسيماً، إلا أن الحقيقة –كما أراها ويراها الكثير- أن قرار مشاركة الحركة في الانتخابات لم يكن جريئاً فحسب بقدر ما كان له فوائد هامة، وآثار باقية حتى هذه اللحظة، ومنها:

1- إيجاد صوت فلسطيني جديد، أكثر تعبيراً عن طموحات الشعب وتطلعاته. بعد عقود من احتكار رغبات الشعب، والعمل على التفاوض والمساومة بثوابت الشعب الفلسطيني بحجة وجود التأييد الشعبي والدعم من قبله.

2- الإعلان بشكل واضح عن رفض أوسلو وما تبعها، فالشعب قال كلمته، وأعلن خياره، وهو التمسك بمعالم القضية وعدم التفريط بها، وعدم الاعتراف بالاحتلال. لذا لم تكن الانتخابات على شعبية الأحزاب الفلسطينية، بقدر ما كانت استطلاعاً حقيقياً لرأي الشعب لأوسلو وما تبعها من أداء للسلطة بعد ذلك. بالإضافة إلى بيان رأي الشعب حول المقاومة والاستمرار بها، حيث إن الانتخابات جاءت بعد أن قدم الشعب الفلسطيني الآلاف من الشهداء في انتفاضة الأقصى وتكبد العديد من الخسائر البشرية والمادية، إلا أنه ورغم كل ما أصابه، أصر على هذا الخيار ولم يفرط به، رغم صعوبته وما يعتريه من خسائر وتحديات.

3- الكشف عن حقيقة السلطة الفلسطينية، فهي لا تقل استبداداً وفساداً عن مثيلاتها في الدول العربية الأخرى. وهي ترفع شعار الحرية واحترام إرادة الشعوب إذا كانت في صالحهم، في حين إذا أتت بغير ما يشتهون انقلبوا عليها، وتنكروا لكل ما يدعون إليه وينادون به. لقد سقطت السلطة الفلسطينية بعد الانتخابات وفشلت فشلاً ذريعاً في التعامل مع الهزيمة الواضحة التي لحقت بهم، من خلال عدم القبول بالشراكة السياسية مع حماس، وتغيير القوانين واللعب بها بشكل غير دستوري البتة، لسحب الصلاحيات وإفشال التجربة من بدايتها، بل الدعوة إلى انتخابات مبكرة منذ اليوم الثاني لفوز الحركة في الانتخابات!!

4- وضوح الدور الأمني المشبوه للأجهزة الأمنية، فعلى الرغم من الانتهاكات التي قامت بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية قبل انتفاضة الأقصى، إلا أن دورها الحقيقي المتمثل بالتنسيق مع الاحتلال، ومحاربة المقاومة، بات لا يخفى على أحد في وقتنا الحالي، بالإضافة إلى سعيها لمعاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره من خلال استحداث أجهزة أمنية خاصة تعنى بفصل كل موظف ينتمي أو يتعاطف مع حماس، وإعطاء شهادات "حسن السلوك" ليتسنى لصاحبها التقدم لأية وظيفة!

على الرغم مما تبع هذه الانتخابات من انقسام بين الضفة وغزة قد فرض على الحركة فرضاً، إلا أن وجودها في الحكومة ساهم في حماية المقاومة في غزة

5- تقديم خطاب إصلاحي عملي، يجمع بين إدارة السلطة والمقاومة، فالحركة تجاوزت حالة المعارضة التي تعتمد على الرفض والاستنكار، إلى مرحلة تقديم الخطط العملية، ووضع البرامج، التي تدعم صمود الشعب، وتنهض به، بالإضافة إلى الكشف عن كوادر فلسطينية وعقول مؤهلة لتطبيق هذه البرامج. وهو ما يؤسس لنواة مستقبلية يمكن البناء عليها، وتطويرها إن سنحت الظروف.

6- حماية المقاومة الفلسطينية، فعلى الرغم مما تبع هذه الانتخابات من انقسام بين الضفة وغزة قد فرض على الحركة فرضاً، إلا أن وجودها في الحكومة ساهم في حماية المقاومة في غزة. فحماس حاربت الانفلات الأمني في القطاع من باب كونها حكومة فلسطينية، من واجبها فرض الأمن والقانون، وليست عصابة مسلحة قامت بالاستيلاء على الحكم بالقوة. وهذا الأمر أضفى للوضع بعداً قانونياً، وإن كان الحصار السياسي والاقتصادي قد أثرا كثيراً على هذه التجربة. إلا أنه يحسب لحماس أنها حمت القطاع من العبث والفوضى، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على العمل المقاوم هناك، ويكفي أن الحروب الثلاثة التي تعرض لها القطاع قد أثبتت صحة ذلك.

شيء من الموضوعية

ربما يتعلل البعض بأن السلبية الواضحة التي ترتبت على مشاركة حماس في الانتخابات وفوزها بها، تتمثل بحالة انقسام الخطاب السياسي الفلسطيني الذي يؤثر على القضية ومجرياتها. وهذا الأمر وإن كان محزناً خصوصاً في ظل حالة الانفصام بين الشعب وبين السلطة الممثلة بفتح ومن معها، وفي ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من تحديات وقتل وانتهاك، فإنه يفرض علينا شيئاً من الموضوعية في معالجة الأمر.

فمن السهل على أي شخص أن يحمل المسؤولية لجميع الأطراف، إلا أن الحقيقة، وبعيداً عن المناكفات يحق لنا أن نسأل بعض الأسئلة التي تساعدنا على تحقيق الموضوعية في قراراتنا.

ألم يكن الخطاب الفلسطيني منذ تأسيس السلطة مختلفاً ومتغايراً؟ فقد كانت حماس وغيرها تقوم بالعمليات وتستهدف الاحتلال في حين يقوم البعض باعتقال المقاومين

- ألم يكن الخطاب الفلسطيني منذ تأسيس السلطة مختلفاً ومتغايراً؟ فقد كانت حماس وغيرها تقوم بالعمليات وتستهدف الاحتلال في حين يقوم البعض بإدانتها واعتقال المقاومين.

- ألم يتعرض الشعب الفلسطيني إلى مصادرة حقه في تولي المناصب العامة والحساسة، بحيث كانت محصورة على فئة من المحسوبين على فتح؟ وألم يكن هناك تجاوزات مالية وأخلاقية يشهد عليها الجميع في ذلك الوقت؟

- لماذا لم يختار الشعب الفلسطيني قائمة فتح ومرشحيها كممثل لهم؟ أليس لأنهم حادوا عن خيار الشعب، وارتكبوا العديد من الأخطاء و "الكبائر" بحقه وحق قضيته؟

- من الذي نادى بعدم المشاركة السياسية وطالب بإعادة الانتخابات ولعب بالقانون الأساسي وغيره، وفي الوقت نفسه ما زال يعتقل المقاومين، ويفرض على الشعب الفلسطيني الاعتراف بالاحتلال والقبول بمفاوضته والتعامل معه؟

بعد مرور عشر سنوات، فإن حماس شاركت لأن المخاطر كانت أكبر بكثير مما لو عزفت عنها، ولأن المؤامرة على المقاومة وخيارها، كانت تحاك في الغرف المعتمة

أسئلة كثيرة وغيرها، يحق لأي فلسطيني أن يتساءل عنها، ولا أظن الأغلبية تحيد عن الحق في تحديد المسؤولية ومعرفة السبب وراء ما جرى.

لكن بالإضافة إلى ما سبق، فلا بد أن لا ننسى أن فلسطين بلد محتل، وأنه وإن كان قد شارك في انتخابات برلمانية في ظل الاحتلال، فإنه من باب درء المفاسد، وتقليل الأضرار، بحيث لا يجتمع الاحتلال، وظلم السلطة على الناس.

خلاصة القول، وبعد مرور عشر سنوات على هذا الأمر، فإن حماس شاركت لأن المخاطر كانت أكبر بكثير مما لو عزفت عنها، ولأن المؤامرة على المقاومة وخيارها، كانت تحاك في الغرف المعتمة، بعد الخسائر التي لحقت بالكيان الصهيوني عقب انتفاضة الأقصى.

في الذكرى العاشرة ما زالت حماس وفيّة لخيارها، معبرة عن تطلعات شعبها، وإن لم يكن هناك مقياس حقيقي حالياً للتعرف على ذلك، لكن يكفيها ذلك الالتفاف الشعبي حولها في غزة، وإنجازاتها وصمودها ومن معها والتي لا ينكرها إلا جاحد أو حاقد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

“افعلوا الخير” دعوة قرآنية وخُلُق نبوي

يقول رب العزة تبارك وتعالى في كتابه العزيز: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا …