لأنها الأحق بالاستنفار

الرئيسية » خواطر تربوية » لأنها الأحق بالاستنفار
arabic8

"باوز لا بوز" "غات لا غوت" "هيومين لا هيوماني"

أنا لا أهذي... لا أهرطق، ولا ألقي تعويذة، هذه تعليقات حقيقية يقذفها الزملاء والأصدقاء في وجه من يخطئ ولو في طريقة نطق كلمة بالإنجليزية.
أتحدث عن الإنجليزية بالذات؛ لأنها الأكثر تداولاً، مع أن الأمر متكرر معها مثل ما هو مع غيرها من اللغات التي ينشط العرب في تعلمها لأسباب مختلفة.

ولعل ما لفت انتباهي بالفعل ليس الحرص على النطق السليم للمفردات بالتأكيد، وإنما اللافت هو أن الأمر لا يتكرر مع العربية أبداً، مع أنها لغتنا الأم.

التجربة العشوائية، النتائج المترنحة:

“إن امتلاك لغة أمّ هو أساس مهم، يبنى عليه - عُرفياً - إتقانُ لغات أخرى”

دون أن أفصح عن هدفي الحقيقي لبعض من لاحظت استنفارهم الشديد أمام خطأ واحد في نطق مفردة أجنبية في محيطي، كنت أعرض عليهم إلقاء مقطع مكتوب بالعربية الفصيحة -صوتياً- أو تحويل سطر مكتوب بالعامية الدارجة إلى الفصيحة -كتابياً- ثم...

لقد كانت أخف النتائج وقعاً –سلبياً- على نفسي، من قال إنه لن يستطيع ذلك فهو لا يملك أبسط مفاتح هذه اللغة الجبارة وإنه مضطر لمجاراة موجة التقدم التكنولوجي واعتماد الوظائف المحترمة على إتقان اللغات الأخرى. أثقل منها بقليل ردّة فعل من اعتذر بذوق وهرب من الفكرة سواء بمبرر مقنع أم لا، لكن ردة الفعل الأسوأ على الإطلاق: "هذا اسمه رجعية، هل نحن متخلفون لهذه الدرجة؟" حين قلت إن امتلاك لغة أمّ هو أساس مهمّ، يبنى عليه -عرفياً- إتقانُ لغات أخرى.

وفي مقابل ردات الفعل الثلاث البارزة تلك كان العدد الأكبر من الآخرين قد أخطأ أخطاء متوقعة، أقل منهم من أخطأ أخطاء مفاجئة، وواحد فقط لم يخطئ.

نعم، لقد اعترف الأول بعظمة اللغة لكنه ناقض نفسه مباشرة، وارتبك الثاني ليترك علامة استفهام أضخم بكثير من غربة اللغة العربية بين أهلها، أما الثالث فقد كان مثالاً سيئاً لعيّنة تكدست المعتقدات الفكرية العائمة والهلامية المختلفة في مخيلتها لدرجة أنها منعتها من رؤية الصحيح وانتقاء الملائم منها.

" جيلنا بحاجة ماسة للأسس السليمة في كل الأشياء وأبسط الأشياء حتى تلك التي يظن أنها غير مهمة لكنها الأشد أهمية"

بعد أن أسمع ردودهم، كنت أبدأ بالإفصاح عن سبب طلبي، فأوجه سؤالاً مباشراً: لماذا يثيرك ذلك في الإنجليزية مثلاً؟ وتأتي الإجابات صادمة أكثر من نتائج الاختبار ذاتها، ولعل التوهان والضياع بادعاء العصرانية كان أكثر هذه الأسباب حضوراً.

مع أنني أعلم أن ما أفعله عشوائي وغير مدروس ولا هو قائم على أساس علمي، لكنني شعرت بالحزن لهول النتائج التي ترنحت بين الصادمة، والتي أضاءت مع النقاش فيما بعد فمنحتني بعض الأمل، وشعرت بعمق وعظم المسؤولية، وشدة حاجة جيلنا للأسس السليمة في كل الأشياء وأبسط الأشياء حتى تلك التي يظن أنها غير مهمة لكنها تكون من الأشد أهمية، ومع ذلك فإن الجميل في الأمر أن الأغلب شعروا بالذنب فعلاً، فالبعض وعدوا بالاهتمام أكثر، آخرون وجهوا لي الأسئلة وطلبوا تعديلات الأخطاء، غيرهم طالبني: انصحيني!

تناقض يفتح باب الهاوية:

لست في معرض الحديث عن فضائل وأهمية اللغة العربية، ولا عن التقليعات التي تظهر من وقت لآخر، فهناك منابع تضخ المقالات والمأثورات في هذا المضمون، لكنني اليوم أقرأ معنى آخر في المقولة الشهيرة لسقراط: "تكلّم... حتى أراك"، والكلام أبرز لغة معبّرة على الإطلاق.

طالما لفت انتباهي تعامل الأجانب الوافدين إلى بلاد العرب مع العرب غير المتمرسين الناطقين بلسانهم، وكان يلفت انتباهي تركيزهم على التقاط المعنى دون التعليق على طريقة نطق المفردات، أو التركيب المهلهل للجمل، أو حتى تضارب القواعد والأزمان، كل ذلك وهي لغتهم الأم، التي يعتبر الدفاع عنها واجبهم ومهمتهم. حتى إن أغلب المستشرقين المهتمين باللغات المقارنة تغنّوا بعمق اللغة العربية وأهميتها وفضلها.

" لغتنا عظيمة يلزمها جيلٌ عظيم يفتخر بها ويعز عليه أن يراها غريبة، وحيدة، ومقاتلة تحاول العودة إلى منصتها، التي نحن ملزمون بالحفاظ عليها"

في ذلك بالتحديد يقول المستشرق المنصف بارتلمى شتيلر: "إن القرآن بقي أجمل مثال للغة التي أنزل بها، ولم أر ما يشبهه في جميع أدوار التاريخ الديني للعالم الإنساني"

الغربُ مدركٌ لتلك العظمة؛ لأنه مدركٌ مسبقاً أن الاعتزاز بالهوية يجعلها مستمرة التألق ويعلي شأنها ويعزّها، فالأمل أن نتعز بها أخيراً، ونقوم بواجبنا الذي لا يتلخص في الحديث بها وترديد الشعارات والمقولات وحسب والاحتفاء بها في يوم من العام، فإن لم نقو على ذلك فلنكتف بألا نقتلها.

كلما حاولت تهوين الأمر أجده يشتد حدّة، ويزداد ارتباكاً، فلغة عظيمة كتلك يلزمها جيلٌ عظيم يفتخر بها، يدللها ويعز عليه أن يراها غريبة، وحيدة، ومقاتلة تحاول العودة إلى منصتها، التي نحن ملزمون بالحفاظ عليها، وهذا الفرض ليس مجرد اقتراح أو استحباب، بل واجب أكيد... وليس فقط لأنها ميراثنا الأثقل والأهم مثلاً أو لفضلها الكبير أو لشدة حاجة العالم إليها؛ بل لكل هذه الأسباب وأضعاف أمثالها مضاف إليها ضرورة استخراج بقية الكنوز من رحم هذه اللغة العظيمة، الخوف من الضياع بغير اللغة، فالأمة التي تضيّع لغتها تضيعُ مباشرة، والتي أخشى ألا يكون جيلنا على قدر ذلك كل فنخسر الرهان، فيقيض الله لها جيلاً بسرائر أصلح وألسنة أفصح وعقول أرجح!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

أبو مِحجَن الثقفي في الأقصى!

هل سمعتم بأن الصحابي الفارس المشهور أبا محجَنٍ الثقفي كان في المسجد الأقصى هذه الأيام …