أخي الحركي.. لا تشغل نفسك إلا بما عليك فِعْله

الرئيسية » بصائر الفكر » أخي الحركي.. لا تشغل نفسك إلا بما عليك فِعْله
idea14

كانت الفترة التي سبقت وتلت ربيع الثورات العربية، والتي كان للحركة الإسلامية الصحوية الكثير من نقاط الاشتباك معها، سواء على المستوى الفكري، أو السياسي، أو الحركي؛ فترة مهمة فيما يتعلق بعدد من الظواهر والقضايا التي استجدت تبعًا لكل ما استُجد في المجتمعات والأوطان، وعلى الأمة بأكملها، من كبار الحوادث.

ولعلها كانت فترة تمحيص مهمة، ومهما كان ما بها من مشكلات؛ إلا أنها تبقى أنها حفلت بالكثير من الظواهر الصحية، وعلى رأسها اكتشاف بعض مكامن الخلل، ونقاط الضعف في المناهج التربوية، وعلى المستوى الفكري، وفي الإطار الحركي، وغير ذلك، مما يعني التصدي له، زيادة في عناصر قوة الحركة الإسلامية التي تحمل على كتفَيْها أعباء النهوض بالمشروع الحضاري الإسلامي، وتتحمل في سبيل ذلك الكثير من العنت!

ومن بين أدق المراحل التي تخص هذه الفترة، هي تلك التي وقعت فيها الارتكاسات على الثورات الشعبية، وعلى إرادة الشعوب التي اختارت من يحكمها؛ حيث وقعت الكثير من الخلافات بين أفراد الصف الواحد، حول كيفية التعاطي مع استحقاقات المرحلة والمراحل المقبلة، وكيفية الحفاظ على وتيرة الثورة؛ لحين استرداد الشعوب لإرادتها، وحقوقها، والعودة لمرحلة ما قبل حكم الأنظمة الاستبدادية الفاسدة الحاكمة، والبدء في المسارات التي حددها الآباء الأوائل للمشروع الإسلامي، في صدد تجميع الدول الإسلامية في إطار دولة واحدة مرة أخرى.

ترك الكثيرون من الأفراد المنضوين في الصف، ما هو واجب عليهم فعله في هذه المرحلة، وانصرفوا إلى انتقاد الآخرين، وتتبع رأي هذا أو ذاك

ولاحَقَ ذلك مجموعة من المشكلات التي نشأت بسبب هذه الخلافات؛ حيث ترك الكثيرون من الأفراد المنضوين في الصف، ما هو واجب عليهم فعله في هذه المرحلة، وانصرفوا إلى انتقاد الآخرين، وتتبع رأي هذا أو ذاك، ومحاولة تفنيده، أو التعريض بموقف هذا الحزب، أو هذه القوى، أو تلك.

رافق ذلك مجموعة أخرى من السمات السلبية في الخطاب، لا يجوز أن تكون مرادفة للخطاب الإسلامي، أو سمة مميزة لأصحاب المشروع ومن يتبنونه، مثل السخرية، أو التشهير بالأعراض، أو السباب الصريح.

ولم تقتصر هذه المشكلات على مستوىً معين داخل الحركة الإسلامية، سواء لجهة السن أو المجال؛ حيث شملت الشباب والمراحل السِّنِّيَّة الأكبر، ومراتب حركية مختلفة، دعاة، وإعلاميين، وخلاف ذلك.

ولقد أدت هذه الظواهر إلى العديد من المشكلات، من بينها انفضاض الكثير من الصف المؤيد والمحب، من حول الدعوة، باعتبار أنها فقدت جانبًا من مصداقية خطابها الأخلاقي والتربوي؛ حيث إن الكثيرين انضموا للحركة لأنها تعبر عن روح الدين الحقيقية، وما تعكسه بالضرورة في مثل هذه الأحوال، من انشغال بمعالي الأمور، وتبني الخطاب الأخلاقي الملتزم، وقوة الرابطة بين الإخوة.

ولذلك عندما خالف خطاب وفِعْل البعض هذه الأمور؛ كان انصراف الكثير من الجنود الذين عليهم التعويل الأكبر في أية مرحلة من مراحل المواجهة بين قوى الخير وقوى الشر.

فبدلاً من الانشغال بمعالي الأمور، والقضايا المصيرية المطروحة؛ كان الانشغال بما يقوله هذا أو ذلك، وتسفيه الخيارات والبدائل التي لا تتفق مع وجهة نظر هذا الطرف أو ذاك، وكان اللمز الذي تحوّل إلى سباب صريح، ثم الفراق بغير رجعة بين الناس، مما يخالف أبسط قواعد الرابطة التي تجمع بينهم.

وفتَّ ذلك في عضد قدرة الدعوة على اكتساب مساحات جديدة من الأرض، في وقت هي أحوج ما تكون إلى الظهير الجماهيري في صراعها الحضاري الراهن.

ترتبط هذه المشكلات بصورة أخرى من الأزمات المفاهيمية لدى الكثير من الصف الحركي العامل، وهي غياب الأسس التي عليها يتم تحديد المواقف إزاء القضايا والمستجدات المعروضة.

حالة "الحيرة الحركية" نجدها في واقعنا الراهن؛ حيث يعجز الكثير من أفراد الصف عن التعامل مع الموقف، وتتباين الرؤى حوله، بشكل لا يحقق القيمة المضافة التي تنشأ من توحيد الصف رؤىً وعملاً

فحالة "الحيرة الحركية"، لو صحَّ التعبير، نجدها في واقعنا الراهن كأجلى ما تكون؛ حيث يعجز الكثير من أفراد الصف عن التعامل مع الموقف، أو على أقل تقدير، تتباين الرؤى في ذلك، بشكل لا يحقق القيمة المضافة التي تنشأ من توحيد الصف رؤىً وعملاً.

وتزداد أهمية البحث عن أرضية موحدة راسخة لتقييم المواقف المعروضة، وتحديد المطلوب في صددها، في ظل الالتباسات الحاصلة، كجزء من حرب التشويش التي يشنها معارضو المشروع، سواء أنظمة أم قوى سياسية واجتماعية، أو على مستوى القوى الإقليمية والدولية.

هنا يجب أن تعمل المناهج والأطر التربوية على التأكيد على مجموعة من القواعد المهمة والتي لا خلاف عليها، ويمكن من خلالها توجيه الصف الحركي العامل إلى الرؤية السليمة في أي موقف أو أزمة، مهما كانت طبيعتها.

ومن بين هذه القواعد والأسس، المنهاج الذي ارتضاه لنا الله عز وجل، بمعنى أوضح شريعته كما جاءت في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة، والقياس –بالتالي– على سلوك وفِعل الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، وكيف كان يفعل في هذا الموقف أو ذاك.

ولإلزامية ذلك على المسلمين من بعد؛ فإن الله تعالى جعل من حياة الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، بمثابة ملخص شامل لكل ما يمكن أن يُعرَض على جماعة المسلمين عبر التاريخ من مواقف، وكان تعامله فيها، بمثابة قوانين لا ينبغي علينا تجاوزها بأي حال، أو تحت أي مبرر، حتى لو كان تبدل الظروف والأزمان؛ لأنه لم يكن ينطق عن الهوى، وأن الأمر القرآني صريح، وهو أنه ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.

فيقول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7]، وفي الآية، قرن الله تعالى أمره الواضح بطاعة النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، بتحذير مشدد، من أنه –تبارك وتعالى– شديد العقاب، وهو في الأسلوب القرآني، أمر يؤكد على عِظَم وخطورة ما سبقه من أوامر؛ حيث لم يلجأ فيه الله تعالى إلى أسلوب الترغيب أو التحبيب؛ فقط ذكر الزجر المشدد.

يلي ذلك المنهج الحركي المرعي والمستقر عليه منذ عقود طويلة، وهذا ليس تزكيةً للمنهج، لكن لأن المنهج منبني على كتاب الله وسُنَّة رسوله الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، وليس بدعًا من الدين، والدين ببساطة هو المنهاج الذي وضعه لنا الله عز وجل، للسير عليه.

ثم تأتي مجموعة من الأمور التي لا خلاف على أهميته في صلاح أي عمل، مثل أهمية التجرد وإعمال المصلحة.

كل هذه الأمور من الأهمية بمكان الآن، أن تعمل الأطر التربوية والمحاضن الدعوية الحركية على استعادتها في وجدان الصف العامل، وأن يكون لسان حالهم لهم جميعًا: أخي الحركي.. لا تشغل نفسك إلا بما عليك فِعْلُه!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

النكبة وأخواتها.. حتى لا تتحول إلى مجرد “ذكرى”!

لا أحد يمكنه إنكار أهمية دراسة التاريخ؛ حيث تمثل النماذج التاريخية المختلفة، على أقل تقدير؛ …