إشكالية (الأنا) وأمراض (الأون)

الرئيسية » بصائر تربوية » إشكالية (الأنا) وأمراض (الأون)

لكل عمل جماعي ضوابطه وشروطه التي تضمن نجاحه لكن الانخراط في حركة إسلامية يوجب على صاحبه الالتزام بمزيد من المعايير والآداب والأخلاق ومن ضمنها إنكار الذات وتغليب المفهوم الجماعي في العمل والحركة والإنجازات والنجاحات والانصهار في بوتقة المجموع، والأخ عندنا مطالب باستحضار هذه المعاني والعيش معها ومراعاتها حتى عند نطقه بالكلمات والعبارات.

ففي حين أن الحركة ملزمة بالإقرار بفضل كل أخ فيها كل بمقداره دون إنكار جهد أحد أو نسيان جهاده أو تجاهل عطائه وتضحياته، إلا أن الأخ مطالب بعدم نسبة الأمور إليه وبالابتعاد عن استخدام كلمة أنا دون حاجة، فلا يقول أنا قلت وأنا فعلت وأنا قدمت وليعوّد نفسه على قول كلمة نحن وأخواننا فعلوا والحركة أنجزت والدعوة نجحت فإن في ذلك تأليف للقلوب وزيادة في البركة، والأمر حينئذ أقرب إلى توفيق الله تعالى وأيسر للقبول.

وما نأتي هنا بجديد لكنه سمت الصالحين من قبلنا وصفة السلف الذين سبقونا، وحسبك هنا قول الأمام الشافعي "وددت أن الناس تعلموا هذا العلم –يعني كتبه– على أن لا ينسب إلي منه شيء".

وإن شئت ذكرناك بحجة إبليس حين كان منه بداية معصية لربه حيث قال: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"، وكان حقا عليه أن يتواضع لله ويقر بفضله وبرحمته ولطفه بكل خلقه، ونحسبك لا تقلد الشيطان ولا تتبع خطاه.

وإذا رأيت نفسك قد اغترّت وراحت تدفعك للحديث عنها فعاندها وقاومها ثم أمسك عليك لسانك، كما فعل الخليفة الفقيه عمر بن عبد العزيز حين قال: "إني لأدع كثيرا من الكلام مخافة المباهاة"، وما من داعية من دعاة اليوم قد بلغ منزلة عمر ومكانته، فقد كان أميرا للمؤمنين يقف على رأس دولة الإسلام في زمانه ولو شاء أن يعدد إنجازاته ويشرح نجاحاته لملأت آلاف الصفحات بينما ترى البعض منا يكرر ضمير المتكلم في المجلس الواحد عشرات المرات وربما كان حديث عهد بدعوة أو مستجدا في الانتماء ولعله صاحب تجربة محدودة أو مسؤول منطقة فرعية تكاد حين تسمعه تحسبه على رأس الأمر كله وما هو كذلك.

الأخ مطالب بالابتعاد عن استخدام كلمة أنا دون حاجة، فلا يقول أنا قلت وأنا فعلت وليعوّد نفسه على قول كلمة نحن والدعوة نجحت فإن في ذلك تأليف للقلوب وزيادة في البركة

والنفوس السويّة تنفر ممن يصنع هالة وهمية من حوله والناس من طبعها لا تحب الذي يدعي الفضل لنفسه في كل أمر.

وقديما أنبأك الفضيل بن عياض بالخبر حين قال: "المؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل".

وكان الإمام البنا يحب أن يرى أعمال جماعته تتحدث عن نفسها وأن يكون الأثر في الميدان أبلغ من طول اللسان، وإن كان هذا لا يمنع الحركة عن ذكر إنجازاتها العامة، إذ من حق الجماعة بل ومن واجبها أيضا أن تبيّن للناس أوجه العطاء وصور البذل عندها ليقتدي الآخرون فيلتف حولها المؤيدون، وإشكالية "الأنا" تتعلق هنا بالمستوى الفردي إذ من الخير للداعية أن يكتم فضائل أعماله كما يجب أن يخفي مساوءها، ولا نحب له أن يتحدث عن نفسه إلا في حالات خاصة قد بيناها في مكان آخر من هذه الصفحات، منها دفع مظلمة أو نقل تجربة وخبرة.

ويبقى الأصل ما قاله الله تبارك وتعالى: "فلا تزكوا أنفسكم" بمعنى إذا عملت خيراً فلا تقل عملت، وكذلك في قوله عز وجل: "ولا تمنن تستكثر" وفسرها قتادة بقوله: "لا تدلّ بعملك".

ويظل العمل الرصين مقدماً على الرعاية، ويفضل الفعل على القول وبخاصة في المراحل الحساسة والمواقف الحاسمة، وكان عبد القادر الجيلاني يعظ تلاميذه ويشتد عليهم بعباراته ليدركوا أهمية المسألة فكان مما قاله أمامهم "أريد منكم أعمالاً بلا كلام".

والبضاعة الصالحة لا تحتاج إلى ترويج كثير، وربما احتاج الفاسد منها إلى خبراء الإعلانات وإلى أساتذة في علم التسويق.

وفي العصر الحديث ظهرت أمراض جديدة أصابت الأجساد والأبدان لم نسمع عنها من قبل، وفي المقابل فإن التقدم العلمي وتطوّر وسائل الإعلام قد فتح الباب واسعاً أمام مظاهر جديدة من أمراض القلوب وعلل النفوس، ومنها الظهور على شاشات التلفزيون والوقوف خلف الميكروفون، أو كثرة استخدام التلفون، وربما كان لها أشكال أخرى، تتيح لنا أن نسميها أمراض الأون".

ليس لأحد منا أن ينسى أننا ما وصلنا إلى هذه المكانة بكثرة الكلام ولا بلباقة الإجابة، وإنما كان ذلك بدماء بذلت، وجراحات سالت، وسجون ملئت

ولا شك أن استخدام هذه الوسائل محمود ومطلوب، وهي ساحات ينبغي للحركة أن تنافس فيها الآخرين وتتفوق عليهم، غير أن في ثناياها مداخل للشيطان حريٌ بالداعية أن يتنبه إليها، وفيها مصائد لا ينجو منها إلا المؤمن الحذر المتنبه.

ونحن اليوم حركة يحسب لها ألف حساب، وتلاحقنا وسائل الإعلام كل يوم، تطلب رأينا وتسأل عن موقفنا، وليس لأحد منا أن ينسى أننا ما وصلنا إلى هذه المكانة بكثرة الكلام ولا بلباقة الإجابة، أو حسن التخلص من الأسئلة الحساسة، وإنما كان ذلك بدماء بذلت، وجراحات سالت، وسجون ملئت، والفضل بعد الله يعود لرجال خلّص لا يعرفهم كثير من الناس، جاهدوا في الميدان، واغبرت أقدامهم في ساحات الوغى، والخير كله مرجعه إلى جهود جماعية وتراكمات بنيت على مر السنين.

والدعاة أخيار ولا فخر، والمتحدثون باسمهم فضلاء يبتغون الأجر، غير أن الشيطان يحسدهم ويتربص بهم، وهو يفرح إن وجد عندهم ساعة غفلة فيتسلل منها.

وقد رأينا منا قلة يعشقون "الأون" ويزاحمون عليه، يود أحدهم لو يسأل في كل يوم مئة مرة، وقد يفاخر متعالياً على إخوانه بأنه تحدث بالتلفون مع مسؤول ما أو جهة إعلامية بحثت عنه.

ويصبح هذا المرض مستعصياً إذا دعاك إخوانك للتوقف عن استخدام "الأون" لمصلحة يرونها، ثم أنت لا تستجيب أو تجد في نفسك حرجاً عن الامتثال للأمر.

ومن مظاهر هذا المرض أيضاً أن نراك صباحاً مساءاً في حالات الهدوء والرخاء، ثم نفتقد صوتك في وقت المحنة وساعات الشدة والبلاء.

ولا نقصد من كلامنا كله أن نشكك في النوايا، ولا أن نثبط العزائم، ولا نريد لإخواننا أن يتقاعسوا عن هذا الأمر، ولا يحجموا عنه فيتركوا الميدان لغيرنا ممن يزيف الحقائق ويزور الأحداث ليضل الناس، لكنها تحذيرات أسهب بها السلف، وشرح معانيها أطباء القلوب من قبل، وزماننا يحتاج إلى مصطلحات أخرى توضح المسألة بلغة عصرية قريبة إلى العقول، والخير عندنا كثير والصحة لدينا وافرة، والعافية لحركتنا ظاهرة، إلا أن درهم وقاية خير من قنطار علاج.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتب في موقع بصائر، قيادي في حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وناطق باسمها. أسير فلسطيني محرر في صفقة وفاء الأحرار.

شاهد أيضاً

4 أسباب لاعتناق غير المسلمين للإسلام..يغفل عنها المسلمون!

ننظر أحيانًا لكثير من النعم التي رزقنا الله إياها على كونها أمورًا مسلَّمًا بها، وربما …