الرئيسية » خواطر تربوية » اقفز إلى سقف الحياة

اقفز إلى سقف الحياة

يحدث أن تهتم بأمرٍ ما فلا تجد ما يسد حاجتك إلا بين دفتي كتاب، كما قد يحدث أن تلاحق معلومة من مكان تقصده إلى مكان يدلونك عليه ثم لا تطمئن لما يقال إلا إن استقيته من بطن كتاب، يحدث حتى أن تتعثر بكتاب يشدك عنوانه أو صورة الغلاف أو يحدث أيضاً أن تكون وحيداً في معيار الكون لكنك تملك من الأصدقاء ما تعجز النظرة العابرة عن إحصاء عددهم مهما بلغت من القدرة؛ لأنك تملك مكتبتك، وكل كتاب بمقياسك هو صديق ثمين لا يرضيك التفريط به والتخلي عنه.

إذا كنت واحداً من هؤلاء الذين يبحثون عن خيط النور مهما كلفهم الأمر؟ إذا كنت مستاءً من بقائك في ذات المستوى لفترة طويلة، إذا طمحت للصعود إلى قمة الهرم لتنظر إلى الحياة كيف تبدو من الأعلى، وأعني الأعلى الحقيقي لا الأعلى الوهمي الذي يصوره العالم، وإذا كنت تريد أن تقف على الثغرة التي تليق بك بالضبط فتحددها ولا تبرحها حتى تؤدي رسالتك ما استطعت، فاختر صديقك بعناية فعثرات الدرب ترغمك على التدقيق في الانتقاء.

صديقك شريكك في الاتهام:

لن أقول لك ما يقوله الناصح الذي يميل لرتابة السرد: إنك لن تتخطى المرحلة وتصل إلى مرادك بدون القراءة، إنك لن تنهزم ما دمت تقرأ، كل تلك مقولات عظيمة، لكنني حين أخاطب إنساناً أتوقع منه الكثير، لا أجرؤ على الحديث بهذا الشكل. حتى أنني أمل من نفسي بينما أسرد الفوائد بهذه الطريقة وكأنني أقوم بنسخ صفحة من كتاب مدرسي وأنقلها إليك، وفي المقابل أظل أتقلب على جمر الشعور بالذنب؛ لأن كل ما قدمته لك عن القراءة هو متاح ويمكنك الوصول إليه وإلى أكثر منه بكثير عبر أي محرك بحث يروق لك عبر الإنترنت.

لن أخبرك بأن ما نسبته ستين بالمائة من أمة اقرأ –التي تنزل دستورها مفتتحاً بقولة اقرأ- لا يقرؤون ولا يكتبون في الحقيقة؛ لأنهم أميون، لن أطلب إليك أن تشعر بالدهشة لاستعراضات العضلات الأدبية حين يقول أحدهم: إن سبب تخلفنا هو أن الأغنياء يحتلون الدرجة الأولى من الطائرة، بينما توضع الكتب في مخزن البضائع، وأن الأحذية تباع في غرف مكيفة بينما تباع الكتب فوق الأرصفة بعد أن تنغمس بالغبار ودخان عوادم السيارات وأعقاب السجائر، إنه أمرٌ طبيعي فأنت تتحدث عن كتب، تخيل أن العلم يتطاير فنتنفس هواءه، أو تلتقطه أنوفنا مع الفايروسات وعيوننا مع حبوب اللقاح المسافرة في النسائم وأفواهنا بالشهيق... ثم أخبرني بربك: هل سمعت عن قارئ حقيقي يهتم بتلك المقارنات؟ لا أحد متهم هنا إلا القارئ النهم وكتابه.

وأنا أيضاً لا أطالبك بالاستياء أمام حقيقة أن نصف ما يقرأ فقط يستفاد منه وذلك خلال إحصاءات سبقت مقدم عام 2003م، الآن بعد اثنتي عشرة سنة لا أستطيع أن أجزم لك بالنتيجة، ولا أدري لماذا أخبرك فلست أنوي أن ألقي مقالاً خطابياً أكاديمياً كأنني ألزمك بالحفظ لإجراء اختبار لاحقاً.

نحن نولد من جديد بمجرد تعرفنا إلى القراءة، إنها تؤثث لنا حياة كما نريد

الفضول والحاجة للمعرفة فطرة:

إن المسألة تبدأ منذ أن تفتح عينيك على الدنيا، بل اعذرني إنها تبدأ قبل ذلك، تتساءل كيف؟ سأخبرك.

أنت وحدك تماماً، وحيداً تعوم في كرة معبأة بماء الحياة، كلما تقلّبت اكتشفت أن شيئاً ما –جديداً– يحصل خارجاً، بينك وبينه محيط الكرة المائي وثمة طبقة أو طبقتان من الجلد، وقرار رباني قريب، أنت مضطر بل مجبول على قراءة الأشياء من حولك، فإن قرأت أمك كتاباً ستقرأ معها وإن لم تقرأ هي، فماذا عنك أنت؟ ستقرأ طبعاً، ستصغي وتشعر وتتفاعل مع كل ما ستفعله أمك، وهذا هو أول شكل تتعرف إليه من أشكال القراءة، إذن القراءة فعل فطريّ جداً تفعله قبل النظر وقبل الإصغاء وقبل الكلام. 

كانت أمي تطلب من أختي الحبلى بأن تبتعد ما استطاعت عن الاستياء والمشاكل؛ وأن تقترب من الإيجابية وأن تقرأ القرآن بصوت خافت بجوار بطنها المسكونة بطفل وأن تحكي له القصص عن أهله والحياة والأشياء؛ لأنه سيسمعها ويشعر بها، فالجنين يقرأ نبض أمه، أعصابها، إحساسها... كل شيء وليس خلافاً إن كان يقرأ بجلده أم بأذنيه أم بقلبه!

 القراءة تجددك كشاطئ لن يعرف الجفاف إليه سبيلاً. وسوف تصوغ لك حياة جديدة حقيقية لتكتشف أن ما كنت تعيشه هو شيء يشبه الحياة

لقد كذبوا علينا حين قالوا إن القراءة سوف تغير حيواتنا؛ لأننا سنكتشف حقيقة أن القراءة لا تغير حياة أحد، إنها لن ترى حيواتنا أصلاً ولن تهتم بها، فنحن نولد من جديد بمجرد تعرفنا إلى القراءة، إنها تؤثث لنا حياة كما نريد. وهناك فرق حقيقي بين أن تُغيّر وتطوّر موجوداً، وبين أن تصنع شيئاً جديداً من خامة مهملة مثلاً... القراءة تجددك كشاطئ لن يعرف الجفاف إليه سبيلاً. وسوف تصوغ لك حياة جديدة حقيقية لتكتشف أن ما كنت تعيشه هو شيء يشبه الحياة، حيث كنت تعد الأيام وحسب، عليك فقط أن تتعلم ثقافة القراءة وكيف تختار كتابك.

لا تفكر أبداً بأنني أدعوك لملء أوقات فراغك بالكتاب فقد تكون واحداً ممن لا يملكون الوقت أصلاً لأداء مهامهم الأصلية، بل أدعوك للاستمتاع بكل لحظة من حياتك وخوض غمارها كما يليق بإنسان لا تقنعه أنصاف الأشياء ، وحياة بلا قراءة هي حياة ناقصة (غذاء، ونوم، وعمل) إذن هي ليست نصف حياة بل ربما 3% من الحياة فقط!

فكّر، ألا يستحق تجديد حياتك أن تفسح ساعة يومية للقراءة ولو كان إفساحها يشبه إزاحة جداري غرفة متوازيين إلى الخارج. 

الجواب هو القراءة:

ما هي الوسيلة التي تجعلك رائعاً مثل فلان؟ كيف تطوّر إحساسك بالأشياء لتمنحه قوة خارقة تفوق تصورك؟ كيف تحمل تذكرة سفر مفتوحة بشكل يغذّي تخيلك؟ كيف تكون ضوء من حولك ومنارتهم؟ كيف تصل إلى ما تريد بطريق مستقيم ترسمه بدون الحاجة إلى التوقف بسبب الظروف؟ هل سمعت عن نوع من أنواع الإدمان لا يمكن أن يعاقب عليه القانون؟ من أين تبدأ للوصول إلى حلمك؟ كيف يمكنك أن تخرج في رحلة فاخرة طويلة لا تمل منها تمر خلالها بكل مظاهر الحياة وتضاريس الجمال دون أن يعلق بثيابك أي غبش يحتاج للتنظيف لاحقاً.

الشيخ المُلْهِم سلمان العودة قال مرة: "إن القراءة هي التجول في عقول الآخرين دون الاضطرار إلى تحمل رعونتهم" هذه هي الفكرة، ومثلها التجول في الكون، فأنت ستمتلك التذكرة وهي الكتاب ماذا يمكن لهذا الشيء أن يفعل؟

إنه يمنحك تذكرة سفر مفتوحة لأي مكان، زمان، ظروف، حيث لا وجود لقيود الجغرافيا، سلالم التاريخ، حدود الجسد، قوانين المنطق، تغيرات الطقس، ولا العقبات المالية... إلخ. فكل ذلك يمكنك تحقيقه وأنت في مكانك.

أنت لا تحب القراءة؟ الكثيرون كانوا مثلك، لكنني لن أنصحك بخطوات أكاديمية إنني سأطرح عليك عدة أفكار مُجدية ومجربة لدى الكثيرين ممن كنّ المعلمات يصفنهم بالفشل:

• أوقد في نفسك جمرة الغيرة من هؤلاء الذين يعرفون شيئاً عن كل شيء، فلا تكاد تسألهم عن شيء إلا وتجد لديهم خلفية ولو بسيطة عنه.

• نافس أحداً ما دون حتى أن يعلم أنك تنافسه وانطلق في المنافسة وتفوق ما استطعت.

• ميّز نفسك ودللها بكتاب تحبه واكتب فوقه إهداءً يرضي خاطرك كلما حققت شيئاً في علاقتك بربك ووالديك وأهلك وعملك.

• وزّع الكتب والدفاتر والقصاصات التي تحتوي على المقولات الملهمة ملحقة بأسماء قائليها حول سريرك ومكتبك ومكان ترفيهك، فإنك بذلك سوف تثير فضول نفسك لتعرف عنهم وعن موضوع المقولات أكثر.

• احلم بالسفر وابدأ بالتفكير في رحلات وعش تفاصيلها كاملة داخل خيالك، لتجد نفسك مهتما بتضاريس الأماكن ومعالمها وطقوسها ومدنها، وباللغة واللهجات وتاريخ الأماكن والحضارات.

• اهرب إلى الكتاب من واقعك، من خوفك، من ضعفك، من انكسار قلبك من فشل عارض، أو حتى من خيباتك وظروفك القديمة.
• احلم بأنك أصبحت الشيء الذي تريده بالفعل، وابدأ بتصديق حلمك، ثم ابحث عن ذلك في الكتب.

• اجعل هداياك للآخرين كتباً لتعزز قيمته في نفسك وتزيد من ارتباطك به.

• اقفز إلى مذكرتك كلما خطر ببالك شيء ودونه، واصنع منها كتاباً تعتز به وتعرضه على أفراد محيطك اللصيق من الأهل والأصدقاء والمعلمين.

• ابحث عن الكتب التي تشبه من حولك وطالعها لتدهشهم بأنك تفهمهم فتحب نفسك حينها في عيونهم وتفكيرهم قارئاً ومطلعاً فتستزيد.

• اقرأ ولو سطراً واحداً قبل النوم، فالحلم الذي سيلي ذلك وربما ما ستحققه بعد أن تصحو كفيل بأن يجعلك تعود للكتاب مرات عديدة.
• احمل في حقيبتك كتابا دائما حتى لو كنت لا تملك وقت انتظار، فلست تعرف كيف يمكنها أن تنقلب حالات المواعيد وتتبدل الظروف فقد تجد متسعا من الوقت، فتملأه بالكتاب... وربما يكون فيما بعد بابك المفتوح للمزيد.

الكتاب عصاة سحرية ما إن تلمس حياتك ستحيلها نهراً مرة ومرجاً مرة وفضاء لا ينتهي من الإيجابية والنجاح والطموح

نعم... إن الكتاب عصاة سحرية ما إن تلمس حياتك ستحيلها نهراً مرة ومرجاً مرة وفضاء لا ينتهي من الإيجابية والنجاح والطموح، وستجعلك كالغيمة وترفعك إلى سقف الحياة فتترك القاع لهؤلاء الذين لم يتعثروا بعد بكتاب!

كل ذلك وأكثر، سيضفي الكثير على حياتك وعلاقاتك بربك، بالناس من حولك، بعملك، وسيعمل على تطويرك ويجعلك تحب نفسك، فابدأ من حيث مجال اهتمامك ولا تتوقع أن يضيق الأفق يوماً بك، أو ينغلق المدار، فكل أفق سيفتح أفقاً أوسع، وكل قيمة سترفدك بقيم أثمن، وكل نجاح سيحفزك لنجاح أهم، ستشعر مع الاستمرار بأن لك عقلاً صيّاداً يستطيع أن يرى الفائدة من خلف الأسوار.

كن واثقاً من أن هذه الأفكار هي نتيجة تجارب صعبة ومغامرات جريئة وقراءات متعددة، وقد استهلكت الكثير من طاقتي الروحية والذهنية والحركية لتصبح نقاطاً وحروفا وجملاً كما وصلتك الآن، لكنني سأنسى ذلك كله وأستمتع بالرضى وأتقبل تعبي حين أعرف أن أحداً ما في مكان ما من هذا العالم قد قرأ هذه السطور وسيحاول أن يقفز إلى سقف الحياة؛ لأنه مقتنع بأن الأماكن دون القمم لن تليق بمن هو مثله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

أصلح قلبك تتحرر قدسك

المتأمل في بقعة المحشر لأهل #الضفة (معبر قلنديا) وهو أحد المعابر المقيتة لمدينة #القدس والذي …