الإسلاميّون وجدليّة الوطن والأمّة

الرئيسية » حصاد الفكر » الإسلاميّون وجدليّة الوطن والأمّة
mth

الإسلاميّون عموما مسكونون "بالروح الأممية" وكلّ ما ينعكس منها من ثقافة شموليّة جمعيّة! ويعدّون ذلك دلالة على سموّ الفكرة وعظمتها ونُبل القيم وسعة الأفق وعلوّ الهمّة، بل إنّ كلّ ما عدا ذلك هو ضيق وتضييق وانحسار وتمحور حول الذات و"تصغير" لها!

فمع بداية "الصحوة الإسلامية" في منتصف سبعينيات القرن الماضي، انتشرت أدبيّات ومصطلحات كرّست ذلك في نفوس الشباب، من قبيل: "أُستاذيّة العالم" – حسن البنّا رحمه الله،

أنا عالميّ ليس لي أرض أسميها بلادي! – هاشم الرفاعي رحمه الله،

الصّين لنا والعُرب لنا والهند لنا والكلّ لنا

أضحى الإسلام لنا دينا وجميع لكون لنا وطنا – محمّد إقبال رحمه الله،

بل كان الشباب يتغنّى بالغربة: غرباء! وليس بدعة؛ فهذا قدر الحرّ في بلاد العبيد!

هذا بالطبع عدا عن الأفكار الأكثر تطرّفا: كالعزلة الشعورية، والمفاصلة، وجاهلية القرن العشرين...

وعاشت الحركة الإسلاميّة مخاضا طويلا في بواكير هذه "الصحوة"، امتدّ على الأقلّ لنهاية الثمانينيّات من القرن الماضي، تجلّت صورة هذا المخاض في صراع "وهميّ" بين جدليتيْ الوطني والأممي أو "التغيير" و"التحرير" أو الإصلاح والتمكين، واستقرّ في خلَد الشباب وثقافتهم ومناهجهم: أنْ لا التقاء بينهما! وكان مظاهر هذا الصراع الوهميّ: ضمور الانتماء "للوطن" والعشيرة بل حتى العائلة الصغيرة لم يكن لها وجود في حياة الشباب الصاعد إسلاميّا! وبروز الاهتمام بالأفكار الشموليّة مثل: الحاكميّة والخلافة. والقضايا العامّة مثل: أفغانستان، إيران، كشمير، وبالطبع فلسطين.

قد يكون لذلك مبرّرات موضوعيّة، بل أعتقد أنّ هناك مبرّرات موضوعيّة وظرفيّة لا مجال لتفصيلها، ولسنا بصدد محاكمة وتقييم تلك المرحلة، وإنّما نحن في سياق الوصف ليس إلاّ في هذه المساحة المتاحة.

مع تطوّر الظروف؛ بدأ الخطاب الإسلامي ينتشر، وتتسّع ظاهرة التديّن، فما كان غريبا ومستهجنا في السبعينيّات وأوائل الثمانينيّات أصبح شعبيا وعامّا، فلم يعد مصطلح "إسلامي" يشعر بالغربة! بل كانت له "الغلبة"؛ حيث بدا واضحا وطاغيا انتشار وشيوع المظاهر والسلوكيّات الإسلاميّة الفردية والعامة؛ مثل: الحجاب، المساجد، تحفيظ القرآن والمؤسّسات والجمعيات العاملة في هذا المجال، رحلات الحج والعمرة، الكتل الإسلاميّة الطلاّبيّة، النشيد والمنشدون، والأفراح، المؤسّسات والجمعيّات والشركات التي تنتهي بوصف "الإسلامي"... الخ.

ثمّ ما لبثت موجة الديمقراطية والانتخابات أن اجتاحت كثيرا من أقطار العالم العربي (حتى وإن كانت شكليّة وسطحيّة)، وهنا كان للإسلاميّين الحضور الأكبر رغم محاربتهم من "الآخر" من جهة وغربتهم الذاتيّة من جهة أخرى؛ فتقدّم الإسلاميّون في أكثر من بلد عربيّ (الأردن، الكويت، مصر، المغرب، اليمن،...) للمرّة الأولى ببرامج انتخابيّة على أسس وطنيّة، وبالتالي بدأ يبرز الهمّ الوطني في الخطاب السياسي الإسلامي، لكنّه كان منفصلا ومنعزلا عن المناهج الداخليّة!

خطاب حماس وسلوكها وطنيّ خالص؛ إذ حافظت على إسلاميّتها شكلا ومضمونا، ونجحت وطنيا في تقديم نموذج يُعنى بالكلّ الوطنيّ؛ سواء كان مقاومة، أم خدمة للشعب

هذه الحالة المرتبكة –عدم التناغم ما بين الخطاب المعلن والمنهاج الداخلي- "عوّمت" الصراع الوهمي بين الوطني والأممي، وأخفته من الخطاب العام والمعلن، ساعد في ذلك ظهور حركة المقاومة الإسلاميّة – حماس، من رحم الإخوان المسلمين كحركة تحرّر وطني ذات مرجعيّة إسلاميّة، والذي يعني انتهاء فعليّا لحالة الصراع الوهمي على أرض الواقع؛ فخطاب حماس وأدبيّاتها وبرامجها وسلوكها وطنيّ خالص؛ إذ حافظت على إسلاميّتها شكلا ومضمونا وخطابا، ونجحت وطنيا في تقديم نموذج يُعنى بالكلّ الوطنيّ؛ سواء كان مقاومة وجهادا، أم خدمة للشعب واهتماما بحاجاته ومصالحه وشؤون حياته.

وشيئا فشيئا؛ بدأ الشباب الإسلامي الصاعد (يكتشف! أنّه يمكن أنْ يكون إسلاميا ومتديّنا، وفي الوقت ذاته يتبنّى هموم الأمّة ومشاكلها دون أنْ ينفصل عن وطنه وشعبه وأهله، بل وجد أنّ في صلب الأدبيّات والمرجعيّات الإسلاميّة ما يطالب بذلك ويؤكّد عليه، و(اكتشف!) أنّ سعيه لتطوير بلده والإصلاح في مؤسساته ومحاربة الفساد والمطالبة بالحريّات العامّة وحقوق الإنسان والتنميّة... لا يتعارض أبدا -بل يتناغم- مع السعي "لتمكين" الأمّة وتوحيدها وتحرير المغتصَب من أراضيها!

لم يعُد مستغربا بروز تيّار عريض ينادي بالاعتراف بالهويّة الوطنيّة للشعوب، وأنّ هذه الهويّة تحدّدها الشعوب نفسها بحريّة تامّة، إلاّ أنّ هذه الهويّة الوطنيّة لا يمكن بحال أن تلغي أو تتناقض مع الهويّة الإسلاميّة لكلّ شعوب المنطقة بغضّ النظر عن دينهم، فهي هويّة مستمدّة من التاريخ والتراث والثقافة والعادات والتقاليد، عوضا عن الدّين الذي صبغ حياة النّاس – كلّ النّاس- أربعة عشر قرنا.

أيّ صراع وهميّ يحاول إلغاء الهويّة الوطنيّة للنّاس، أو محو الانتماء الأممي لهم من شأنه أن يبقي الوطن والأمّة في تخلّف وجهل وهزيمة لصالح الآخر

ولذلك فإنّ أيّ صراع وهميّ يحاول إلغاء الهويّة الوطنيّة للنّاس، أو محو الانتماء الأممي لهم من شأنه أن يبقي الوطن والأمّة في تخلّف وجهل وهزيمة لصالح الآخر، سواء كان هذا الآخر عدوّا أم خصما. والعقلاء من شتّى الخلفيّات الفكريّة هم من يقفون صفّا واحدا للقضاء على هذا الصراع الوهمي ويعملون على إلغائه.

لكنّه من الأمانة أنْ نقول أنّه لا تزال الأدبيّات الإسلاميّة الداخليّة غائبة عن هذا (الاكتشاف!)، وما زال الخلاف الداخليّ يبرز في كل مفصل ومنعطف سياسيّ (محلّي أو عام) حول هذه الجدليّة؛ ممّا يعني أنّه لا بدّ من إجراء حوار ذاتيّ عميق وعلنيّ يفضّ الاشتباك ويحرّر المفاهيم ذهنيّا وواقعيّا؛ فالأمر لم يعد ترفا فكريّا، بل حاجة حقيقيّة واقعيّة، وظروف المرحلة الراهنة تحتّم سرعة هائلة في تعميم الوعي بين الشباب؛ فلا يتيه بين انتماء لوطن واعتزاز بأمّة.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • موقع "عربى21" الإلكتروني
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

اللاعبون بالدين

تكشف البيانات الصادرة عن مؤسسات دينية بخصوص محاصرة قطر، عن المأزق الحقيقي الذي تعاني منه …