الإسلام وترسيخ قواعد الإبداع

الرئيسية » بصائر تربوية » الإسلام وترسيخ قواعد الإبداع
CREATIVITY11

لقد كان الإسلام ومنذ بزوغ فجر الدعوة، الحاضن الأول للشخصية الإنسانية، فقد اهتم بها اهتماماً خاصاً، واعتنى بها جل عناية، وجعل بناءها وتطويرها من أهم أولوياته، حيث يقوم هذا البناء المتكامل على مقاييس محددة في غاية الدقة والإتقان، بخلاف المقاييس الوضعية التي صبت معظم اهتمامها على تبرير الأهواء البشرية وتزيين المصالح الضيقة.

والمقصود بالشخصية: هي مجموعة من الصفات والعادات التي ينفرد بها الشخص وتميزه عن غيره من الناس، وهي ذلك النظام المتكامل الذي يشمل كل الاستعدادات والدوافع الفطرية الموروثة.

أما الشخصية الإبداعية: فهي الذّات الإنسانية القادرة بما تمتلكه من صفات عقلية وخصائص على حل المشكلات، وتغييير العلاقات؛ لإنتاج ذات إيجابية نافعة للمجتمع.

وتكمن أهميّة الإبداع كما يقول (هارول أندرسون): "في كونه عمليّة إنتاج تشهد كلّ لحظة من لحظاتها ولادة جوهرة ذات قيمة آنية، ليس ذلك فحسب بل تكمن أهميّته في كونه ضرورة ًمن ضرورات الحياة".

الإبداع هو عملية إنتاج تشهد كلّ لحظة من لحظاتها ولادة جوهرة ذات قيمة آنية، وهو ضرورة من ضرورات الحياة

ولهذا حرص الإسلام على دعم الإبداع، وتسخير كل السبل المتاحة للوصول إليه. فقد جاء الإسلام لإزالة النمط، وعمد على تجريد الشخصية من كل قيد من شأنه أن يعطّل إمكاناتها، أو ينأى بخصوصيتها بعيداً عن المغزى الذي خلق له، فقد احترم الإسلام "التفرّد" وجعله ميزةً يتميز بها الفرد المسلم لتحقيق مبدأ التكامل الفردي الذي من شأنه أن يخلق جواً من التوازن المجتمعي، وفي هذا الصدد يقول الله تبارك وتعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48].

وقد شمل الإسلام في نظامه الأغر كافة جوانب الإبداع في النفس البشرية، فهذّب هذه الجوانب ونقّحها؛ وأرشد إلى خير السُّبل في توجيه ملَكة الإبداع واستثمارها، فقد حفَّز جوانب الإبداع _الإيجابي_ في الشخصية الإسلامية من خلال مجموعة من الروافد كان لها بالغ الأثر في تكوين الشخصية الإبداعية المسلمة وتفردها عن الشخصيات الأخرى، وذلك من خلال:

التفكر جوهر العقل، وهو محرك التغيير، والتغيير في النهاية ليس له محصلةً إلا الإبداع

1) جعل التفكر عبادة: التفكير هو تلك العملية العقلية التي تؤدي إلى الوصول لنتيجة مرضية لحل المشكلات، فالتفكر هو جوهر العقل، وهو محرك التغيير وذلك التغيير في النهاية ليس له محصلةً إلا الإبداع، وكما حرص الإسلام على الجوانب البدنية والروحية للإنسان، فإنه كذلك حرص على الجانب العقلي؛ فاهتم بحرية عقله وفِكره وحارب أية قيود كان من شأنها أن تحد من انطلاقه وتمنعه من التفكير والتأمُّل، فكان الإسلام حضناً آمناً لطلاقة الفكر؛ لأنه يقرّ أن العقل هو نافذة الإنسان إلى المعرفة، فبذلك سيكون هو الطريق الوحيد الذي سيوصله إلى الله. {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} [الروم الآية:8].

2) احترام الفردية ودحر مفهوم التبعيّة: إن التفرد شعور داخلي يدل على فخر الإنسان بنفسه، وهو يؤدي إلى الثقة بالنفس التي تُكوِّن في النهاية الشخصية المبدعة، وهي المرحلة الحتمية التي يسعى إليها علماء النفس التربويين وهي مرحلة "تحقيق الهوية"، وقد حث الإسلام الفرد المسلم على احترام عقله، وعدم الخضوع للتقليد الأعمى الذي من شأنه أن يعطل مدارج الفكر ويؤخره، فقد حرص على تشكيل الشخصية المسلمة المستقلة، وفي ذلك قال الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:الآية77]. وكذلك قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا" (رواه الترمذي).

وقد اهتمت السنة الغراء بالطاقات الإبداعية، فأفسحت لها المجال ودعمتها لاستخراج كل مكنوناتها النفسية، فهاهم الصحابة رضوان الله عليهم يقفون إلى جانب الرسول صلى الله عليه وسلم في التخطيط والإعداد، ولم يعاملهم الرسول صلى الله عليه وسلم معاملة المنفذ وحسب، بل كان يثني على آرائهم ويقوي من عزيمة أصحابه، فهذا سلمان الفارسي يشير على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، ولعلّ أن أكثر ما يلفتني في هذا الموقف هو تقبل الرسول صلى الله عليه وسلم لفكرة التباين الحضاري، فها هو صلى الله عليه وسلم يتقبل مشورته برغم كل الاختلافات الملفتة بين البيئتين العربية فلنقل والفارسية.

المشاعر تقود الفعل، والأفكار الإيجابية تقود العقل، وفي حال تأسس العقل والعواطف على التفكير بإيجابية، فإن الحاصل النهائي فعل أكبر من مجرد أفكار خلاقة

3) نشر التفاؤل: فالمشاعر هي التي تقود الفعل، والأفكار الإيجابية تقود العقل، وفي حال تأسس العقل والعواطف على التفكير بإيجابية، فإن الحاصل النهائي فعل أكبر وأكثر من مجرد أفكار خلاقة.

ذلك يعني أن بث روح التفاؤل والاستبشار بالخير ما هي إلا محفزات ذاتية للوصول إلى النتائج المرضية التي تليق بالفرد المسلم وتخدم مجتمعه، وقد حرص الإسلام على دعم الإيجابية عند المسلمين فنأى بهم بعيداً عن مواطئ التشاؤم والقلق، فها هو صلى الله عليه و سلم يخبر أصحابه بحدث غيبي قبل وقوعه بعدة سنوات، ألا وهو انتصار الروم على الفرس بعد هزيمتهم أمامهم قبل نزول سورة الروم بعدة سنوات‏ {الـم.غُلِبَتِ الرُّوم.فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: الآية1_3].

لقد فهم الإسلام جوهر الإبداع، و عرف أنه يكمن في ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [سورة القصص: 77] حيث تخلق هذه الحالة أفراد ومجتمعات متزنة، بعيدة عن الشرخ والتشتت. وبذلك تكون هذه الأفراد قادرة على حمل لواء الاستخلاف وفهم حقيقة (واستعمركم فيها) وذلك إيذاناً لبناء حضارة إسلامية شاملة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية، مختصة بالتربية و مهتمة بالشأن الفلسطيني.

شاهد أيضاً

50 مهارة ناعمة تحتاجُها لتكون ناجحاً وسعيداً مدى الحياة (1-2)

ربما تتساءل كيف يمكن لبعض الأشخاص أن يكونوا سعداء طوال الوقت؟ يبدو أن #السعادة الدائمة …