المصالح والأموال.. وكشف حقائق بعض الدعاة

الرئيسية » بصائر تربوية » المصالح والأموال.. وكشف حقائق بعض الدعاة
money15

لو منعوني عقالاً كانوا يعطوه رسول الله لقاتلتهم عليه، كان هذا رد الصديق –رضي الله عنه- على عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- وهو يحاوره في شأن مانعي الزكاة، فهو يعلم علم اليقين أن الأموال والمصالح محكات مهمة تبين صدق ادعاء الملتزم من كذبه.

وفي هذا الزمان سقط كثير من مدعي الالتزام بشرع الله تعالى عند أول محك مالي، فهو في العبادة في الصفوف الأولى، بل قد يصوم النهار ويقوم الليل، وإذا حضر النقاش في أمور الدين فهو أول المتصدرين، لكن إذا تعلق الأمر بشؤون الأموال فذاك حديث آخر فهو أول المتعاملين بالربا، بل قد يكون عيشه من أوله لآخره عليه. وأما في باب الزكاة فهو مانع لها، فقد فهم الإسلام والالتزام أنه بعض الأمور التعبدية والنسك والتسابيح من غير أن تمس ديناره ودرهمه، فهو يبعد الإسلام عن جيبه أو ثروته.

والأخطر في هذ الشأن وجود بعض الدعاة الذين تربطهم بالدعوة المصلحة والمال، فهو ملتزم ما دام يتحصل من وراء هذا الالتزام على المنافع والأموال. فإذا ذهبت منفعته ذهب التزامه ودينه، ولربما تكون قرارات الدعوة المصيرية ونقاشه محورها تحصيل المصلحة والمنفعة؛ حتى لو كان ذلك على حساب الدعوة والداعية، والمشكلة في هذه الفئة اختباؤها وراء لافتات الدعوة وتقمّصها شخصية الداعية الحريص على مصالحها، ناهيك أن يكون بعض هؤلاء في مواقع قيادية في الدعوة، فلا ينكشف في الغالب إلا بعد أن يفت في عضد الدعوة، بل وقد يدمر بعض الأعمال فيها أو يقودها للفشل.

أخطر ما قد يقوم به أصحاب المصالح، حرف الدعوة عن أهدافها الكبرى؛ تحقيقاً لمصالحهم الذاتية، ولذلك وجب الحذر منهم وتحييدهم

قال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} [سورة الحج: 11].

يقول سيد قطب: "يمضي السياق إلى نموذج آخر من الناس، ذلك الذي يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة، ويظنها صفقة في سوق التجارة: {فإن أصابه خير اطمأن به} وقال: إن الإيمان خير، فها هو ذا يجلب النفع، ويدر الضرع، وينمي الزرع، ويربح التجارة، ويكفل الرواج {وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة}.. خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه، ولم يتماسك له".

ما العمل مع هذه الفئات من الناس أو الدعاة؟

إن خطر هذه الفئات -خاصة المدّعين منهم الحرص على مصالح الدعوة- عظيم، وأخطر ما قد يقوم به هو حرف الدعوة عن أهدافها الكبرى تحقيقاً لمصالحهم الذاتية، ولذلك وجب الحذر منهم وتحييدهم عن مراكز اتخاذ القرار، وهنا يأتي دور الدعاة المخلصين في التنبه لهذه الفئة، أما كشف نواياهم ففي الغالب هم يقعون في أخطاء تبيّن حقيقتهم، فهم عبيد لمصالحهم وأهوائهم.

وبعض هؤلاء لا يكشف بسهولة ولكن الفتن والشدائد كفيلة بفضحهم، فهم يهرولون عند المصائب والمحن، فلم يكن هدفهم من دخول الدعوة إلا الانتفاع من ورائها، أما الشدة والمضرة فلا قِبل لهم بها.

التعامل مع المال العام للدعوة والمؤسسة:

يدخل في هذا الباب أيضاً تعامل بعض أفراد الدعوة مع أموالها بشكل عجيب، فيحاول بعضهم نهب ما استطاع بطرق يظنها مشروعة، فأموال الدعوة سبيل للترفيه عن نفسه ومعاشرة الملذات والإكثار من النفقات، فلا يسافر إلا في درجة رجال الأعمال، ولا يمكث إلا في أرقى الفنادق، ولا يأكل إلا من أفخم المطاعم، بل أعماله الدعوية تنقلب لسفرات سياحية وتجوال في المعالم والأسواق، والأدهى من ذلك من يسعى للتربح على حساب الدعوة، عبر إعطائها أرقاماً غير حقيقية عما أنفقه في أعماله الدعوية.

الأصل الحرص على أموال الدعوة مهما كانت ضئيلة، بحيث لا تنفق إلا لحاجة ماسّة وبعناية فائقة

مع العلم أن كثيراً من أموال الدعوة تحصَّل بشق الأنفس، وبعد عناء وجهد طويل، فالأصل الحرص على الأموال مهما كانت ضئيلة ولا تنفق إلا لحاجة ماسة وبعناية فائقة، فكم من مبذر لأموال الدعوة أغلق أبواب عمل وخير، وهذا الباب إثمه عظيم وخطره جسيم.

تجديد النوايا:

إن التفرغ للعمل الدعوي والتربوي مهم في كثير من أعمالها ومحطاتها، بل وقد يكون سبباً في تقدمها ورقيّها، وهذا المتفرغ يحتاج لما يعتاش منه في دنياه، فلا خير في داعية أهمل مصلحة نفسه أو من يعيله، فيعطى مالاً أو راتباً مقابل هذا العمل والتفرغ، وقد يكون خير ما أخذ عليه الداعية أجراً. فقد روى ابن عباس عن النبي –صلى الله عليه وسلم- "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله..." [رواه البخاري]، ولكن ينبغي على الداعية تجديد نيته ومراجعة قصده بين الحين والآخر، فمع تطاول الزمن قد ينسى الداعية مقصده من العمل، ويصبح همه الأول ما يحصله من مصلحة لذاته وهو ما يجلب الشر لنفسه في الدنيا والآخرة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

50 مهارة ناعمة تحتاجُها لتكون ناجحاً وسعيداً مدى الحياة (1-2)

ربما تتساءل كيف يمكن لبعض الأشخاص أن يكونوا سعداء طوال الوقت؟ يبدو أن #السعادة الدائمة …