انتفاضة القدس وسياسة التهوين

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » انتفاضة القدس وسياسة التهوين
intifada-palestine20

منذ اندلاع انتفاضة القدس قبل أربعة شهور ونصف؛ وهي تسير في موج متلاطم من السياسات المختلفة، وكل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية مارست دورًا عبرت في أدائها عن سياستها التي تتبناها، ودوافعها التي تخفي وراءها طريقة تعاطيها مع كل حدث، ولعل أبرز هذه السياسات تأثيرًا وإثارة للبلبلة هي سياسة التهوين أي التقليل من شأن الانتفاضة وعمليات المقاومة؛ والتي تصطدم مع المهنية وثقافة المجتمع معًا.

وغالبًا مَن يستخدم التهوين فإنه ينظر للحدث على أنه دفاع عن النفس ضمن أحداث محدودة الزمان، طارئة ستتوقف وتنتهي، والتوقف المنشود مبني على سياسة حكومة أو أجهزة أمنية تسعى بأشكال مختلفة لمنع استمرار الانتفاضة -والتي لا زالت مستمرة-.

ولأسباب منها الخوف على المؤسسة، أو الخوف على النفس، وتحت عنوان المهنية، يجنح هذا الفريق لاستخدام لفظ مثل: (أعدم/ت)، والذي يناسب المؤسسات الدولية ويعزز رواية الضعف والقهر، رواية مسلوبي الإرادة، وهو بهذا ينزع عن صاحب الفعل (المقاوِم) (الشهيد/ة) إرادة الفعل، ويجرده من وطنيته ودوافعه التي حركته ليثور، وكان يمكنهم استخدام لفظ: (قتلت) والذي يحتمل أن يكون رد فعل على سلوك مقابل.

أبرز السياسات تأثيرًا وإثارة للبلبلة هي سياسة التهوين، أي التقليل من شأن الانتفاضة وعمليات المقاومة؛ والتي تصطدم مع المهنية وثقافة المجتمع معًا

وفي إعلام يُعتبر موجهًا خطابه الأول لجمهوره فالأصل فيه تبني لغة المجتمع وهويته ليعزز ثقافته، وتوجيهها لما يرسخها ولا يشذ عنها، بدلًا من إحلال ثقافة مسلوب الإرادة الذي يمكن أن يُذبح على هويته، وهذا غير صحيح، وتتجاوز آثار التهوين مسألة المظلومية؛ إذ الأخطر هنا أنها تكرس ثقافة التشكيك والتخوين والتجريم، ليكون كل خروج عن حالة الرتابة والرضوخ للاحتلال عملًا تجب محاربته! ويمكن تلمس ذلك بالخلافات الواسعة في المجتمع في النظر إلى أي عملية، فلو كانت المقاومة الأصل ولا ينتقص منها أحد سنجد نوعًا من الانسجام الذي يرفض كل وسيلة إعلام تهون من شأنه وشأنه ثقافته.

يمارس إعلام التهوين التناقض في تتبع الأحداث، والذي يعني عدم وجود مصداقية؛ فهو في الوقت الذي ينفي فيه فعل المقاومة والعمليات، ويعتبرها إعدامات ميدانية؛ يشن هجمة شرسة على وسائل إعلامية أخرى بدعوى التحريض على العمليات، مستدلين على مشاركة الأطفال، علمًا أن هذا ادعاء غير قائم على أسس علمية؛ فهم لم يطلعونا على دراسة مسحية تتناول كل الشهداء قبل استشهادهم والتي بحثوا فيها القنوات التي يتابعونها؛ أضف إلى ذلك أن نسبة الشهداء الأطفال خلال المواجهات والعمليات لم تتجاوز الخُمس من مجمل الشهداء أي حول 20%، فمن الذي يهول؟ ومن الذي يمارس التضليل؟ فإذا لم تكن هناك عمليات فلماذا اتهام بعض وسائل الإعلام بالتحريض؟ وإن كانت هناك عمليات وتحريض فلماذا نفي الانتفاضة والقول بأنها إعدامات ميدانية؟

الأخطر في سياسة التهوين أنها تكرس ثقافة التشكيك والتخوين والتجريم، ليكون كل خروج عن حالة الرتابة والرضوخ للاحتلال عملًا تجب محاربته

في الحالة الفلسطينية وبالنظر إلى نوع الثقافة التي يحتاجها الشارع؛ فإن استخدام التهوين لا يخدمه أبدًا، بل يتسبب في حالة من الإحباط قد تكون سببًا في مرحلة ما لتثوير الشارع كرد فعل معاكس وهي الحالة التي يكرسون جهدهم لعدم بلوغها.

ورغم تراجع حالة التهوين وخاصة فيما تعلق بنفي تهمة تنفيذ العمليات بعد ظهور مقاطع مرئية تثبت زيف الأخبار الأولية التي تسابق الكثيرون عليها، ومع ارتفاع حالات افتخار العائلات بأعمال أبنائهم؛ لا زالت هناك مشكلة في تحرير الأخبار تخضع لمزاجية العاملين في المؤسسات بتقديم المصلحة الذاتية على الوطنية.

*يمكن العودة لمقال: كيف حوربت انتفاضة القدس؟

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

“افعلوا الخير” دعوة قرآنية وخُلُق نبوي

يقول رب العزة تبارك وتعالى في كتابه العزيز: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا …