شهداء النفق.. والدروس التربوية التي لابد من تأملها

الرئيسية » خواطر تربوية » شهداء النفق.. والدروس التربوية التي لابد من تأملها
shohada'1

زفت كتائب الشهيد عزّ الدين القسام مؤخراً سبعة من أبطالها قضوا نحبهم في ترميم أحد الأنفاق، والذي تصدّع وانهار تدريجياً نتيجة الأحوال الجوية التي تعرضت لها المنطقة بما في ذلك مدينة غزة المحتلة.

حينما سمعت النبأ تذكرت قول الرسول -صلى الله عليه و سلم-: "إذا قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم من مكانه حى يغرسها فليغرسها"، لا أدري ما الأمر الذي جعلني أستذكر المعنى التربوي للحديث، لكنني أجد الشيخ محمد قطب –رحمه الله- يعلق عليه: "أن طريق الآخرة هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق! إنهما ليسا طريقين منفصلين: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة! وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك، ويربط ما بين هذه وتلك".

إذاً فسعي هؤلاء الأبطال إلى ترميم النفق وبسط ضوء الإرادة لأحضان شعب غزة أمر جلل عمدوا من خلاله إلى ترسيخ مفهوم الاستعداد.

 لقد تميز شباب القسام بالبحث عما "وراء المفهوم"، فقد أدركوا أن السعي الدؤوب يُشكّل قيمة أساسية ترتكز عليها عمليّة تطوير الإنسان لقوته وقابليّته

لقد تميز شباب القسام بالبحث عما "وراء المفهوم"، فقد أدركوا أن السعي الدؤوب يُشكّل قيمة أساسية ترتكز عليها عمليّة تطوير الإنسان لقوته وقابليّته. فالله عزَّ وجلَّ أودع في الإنسان استعدادات فطرية للنماء والتطوير، وإن الذي ليُخرج هذه الاستعدادات من مربع السبات إلى الفعليّة هو العمل، فعمدوا إلى ذلك بكافة ميادين الحياة؛ لأنهم أدركوا قول المولى: {ولا تنس نصيبك من الدنيا} [القصص:77]، واعتبروا ذلك ممراً مهماً، فما فرقوا بين ملاقاة العدو في المعركة أو الرباط في الأنفاق؛ وذلك لاعتبارها عنصراً مركزياً في العقيدة الجهادية.

ولعل أكثر ما لفتني هو مبدأ التكامل الذي تتمتع به "حماس" في تنظيم أعمالها، فنراها قد أدركت فقه الأولويات وعمدت إلى تطبيقه وقد نجحت، وهذا ما يؤكده البروفيسور اليهودي "درور" إذ يقول: "حركة حماس تفوقت على الجيش "الإسرائيلي" في كل ما يتعلق بما أسماه التفكير العسكريّ الإبداعيّ، كما يقول إنّ الجيش والمؤسسة الأمنية في "إسرائيل" فشلا فشلاً مُدويًا في تطوير قدراتهما و(التفكير من خارج الصندوق)".

ما الذي بينهم وبين ربهم..؟

 أي سمو فكري حمله شهداء ذلك النفق إذ أيقنوا أن المقاوم مشروع شهيد، وذلك المشروع لا بد وأن يحمل بين جنباته فكراً متكاملاً منطلقاً من الإيمان بالله والتوكل عليه

سؤال يراود روحي مستعجبةً من اصطفاء الله لتلك الثلة في جوف الأرض، فما هو مستوى الضخ الإيماني الذي تجذّر في نفوس تلك الثلة الصابرة لكي تسعى لتحقيق المنهج الرباني من خلف الستار، أي سمو فكري حمله شهداء ذلك النفق إذ أيقنوا أن المقاوم مشروع شهيد، وأن هذا المشروع لا بد وأن يحمل بين جنباته فكراً متكاملاً منطلقاً من الإيمان بالله والتوكل عليه.

لقد تجلى الإيمان في نفوس هؤلاء المصطفين وعمدوا إلى تطبيقه من خلال السعي الدؤوب والعمل الجماعي والصبر بكافة أبعاده. فهذه الأسس ما أينعت إلا لأنها استقت من حوض القرآن والسنة، فخصوصية العلاقة التي أنشأها ذلك الرهط تميزت بعمق الفهم لقول الله تعالى: "وأعدوا" فكانوا كمن يمشي على الرمال، لا يسمع لخطواتهم صوتاً ولكن ترى آثارها.

وقفات تربوية:

 العمل الجاد الذي من شأنه أن يحقق المصلحة العامة المنسجمة مع الفلسفة الإسلامية لا يضيره إن كان لنور الشمس نصيب من رؤيته أو لا

إن الكيان التربوي العميق المنسجم مع مدرسة النبوة هيكل متجدد ينحدر من المواقف والعمليات البطولية التي عودتنا عليها كتائب القسام، ففي كل موقف برنامج تأهيلي متكامل للأفراد والجماعات وهذه المواقف ما نبتت من فراغ، بل انحدرت من قيم سامية تخاطب روح الفرد فينا وعقله، ومن هذه الدروس:

  1. اعمل عملك وافريه فرياً: هاهم أبناء القسام يعلّمون البشرية درساً في الإتقان والإنجاز فلقد نهجوا في ذلك نهج محمد صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عمر بن الخطاب إذ قال: "فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه" (رواه البخاري)، وبذلك فهو عمل متماسك ونافع، وله مكانته المعتبرة داخل الأمة، وكان لظلام النفق أمر مهيب جنب المجاهدين الانحرافات الخطيرة التي كان من الممكن أن يسقطوا فيها كالرياء والنفاق.
  2. {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}: إن العمل الجاد الذي من شأنه أن يحقق المصلحة العامة المنسجمة مع الفلسفة الإسلامية لا يضيره إن كان لنور الشمس نصيب من رؤيته أو لا، فذلك العمل يليق أن يكون حجة لهؤلاء في موقف العرض، إذ إنه كان يسير بشكل موازٍ ومتكامل، وبذلك فهو يؤكد أن حركة حماس كانت ناجحةً على كافة المستويات الخدماتية والعمرانية..، وهو أمر يدعو إلى التقدير والإجلال في ظل الأزمات التي يعاني منها القطاع كالحصار وانحياز القوى العالمية الكبرى للكيان الغاصب وتخاذل الموقف العربي غير المشرف.
  3. {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} إن سير الفكرة مع المنهج الإسلامي القويم من شأنه أن يبني تعاضداً مجتمعياً قويماً، فرسالة الإسلام أصلها البناء، وكلما كان هذا البناء صادقاً يتميز بالإخلاص والتقوى كلما دام حاله واستمر، حتى وإن انتهى أصحابه، فالأصل أن يعبِّد البنيان طريقاً تأهيلياً شاملاً يسعى للاستمرارية.

الشهداء وقود النصر:

لن يتمكن العالم الإسلامي اليوم من تشكيل مجتمعات تنظيمية حركية منظمة إلا إذا تمّ القضاء على الاحتلال، وهذا لن يكون إلا من خلال الجهاد بكافة أشكاله، ولعلّ من أهم أنواع الجهاد هو الجهاد النفس، فالإعداد لا ينطلق إلا من تحرير النفس؛ لأن المجتمعات المستقلة تؤمن أن الحاكمية لله وحده، وهذه السنة لن تطبق إلا إذا انتصرنا على ذواتنا وقدمناها وقوداً لميلاد أمتنا، فشهداؤنا شامة الأمة، طلقوا الدنيا ثلاثاً حتى يعيدوا للدين أمره، لذلك كرّمهم الله بمواضع كثيرة في القرآن وذلك تعظيماً لهم ولمعرفته جل وعلا بأهمية الروح المعطاءة التي يحملونها فيقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة:111].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية، مختصة بالتربية و مهتمة بالشأن الفلسطيني.

شاهد أيضاً

أبو مِحجَن الثقفي في الأقصى!

هل سمعتم بأن الصحابي الفارس المشهور أبا محجَنٍ الثقفي كان في المسجد الأقصى هذه الأيام …